مشاهدة النسخة كاملة : عشرة أيام مع "ملفات الإرهاب": مواقف وكواليس


أبو فاطمة
05-26-2010, 10:40 AM
عشرة أيام مع "ملفات الإرهاب": مواقف وكواليس
خاص / الأخبار

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2958.imgcache
في هذا القصر مرت مجريات المحاكمات، وقالت المحكمة كلمتها في الملفات والمتهمين، كما كنا موطنا لكل هذه الكواليس (الأخبار)

أنهت المحكمة الجنائية بمدينة نواكشوط مساء أمس مسيرتها مع ملفات الإرهاب المجدولة في الدورة الجنائية العادية الثانية مايو 2010، بعد إصدارها لأحكام مختلفة في سبعة ملفات، وواحد وعشرين متهما.

النهاية كانت بطعم الإعدام، مشفوعا بتكبير المتهمين، ومخاطبتهم للفرنسيين من خلال المستشار الأول بالسفارة الفرنسية الذي حضر جلسة النطق بالأحكام "بأن السيف هو الحل بيننا وبينكم"، مقارنا بين حالهم وحال المختطف الفرنسي على يد القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ميشل جرمانو، والذي وصفه معروف ولد هيبة "بأنه مريض يشتاق إلى القصور والواحات، في حر الصحراء الشديد".

مع المتهمين...
كواليس المتهمين كانت كثيرة، لفتت انتباه الإعلاميين، وكان أولاها عند جواب محمد ولد عبد المؤمن لرئيس المحكمة عندما قال القاضي "أنت متهم بالانتماء إلى خلية إرهابية"، أجابه ولد عبد المؤمن "أنا لا أعرف من الخلايا إلا ما قرأته في مادة العلوم في الثانوية".

ولد السبتي أثناء مثوله الأخير -في الملف الذي برئ فيه- أمام المحكمة خاطب الإعلاميين قائلا: "أدعو الصحافة للكتابة عن الإدارة، فهي تمنعنا قنينة ماء، مع أننا مصابون بالقرحة المعدية في أغلبنا".

كما تدخل ولد السبتي آمرا أحد الشرطة أن يبتعد عن أخته بعد أن حاول الشرطي منعها من التجول في القاعة، وكان أمره بصوت مرتفع لفت انتباه كل الحضور.

ولد سيدينا كانت أوامره هو الآخر حاضرة أثناء مثوله أمام المحكمة مساء أمس، أمره الأول كان لصحفية فرنسية كانت تغطي المحاكمة حين أمرها بتغطية رأسها، وهو ما يبدو أنها استجابت له، لكنها رفضت أمره لها بالابتعاد عن جانب الرجال، أو –على الأقل- الخروج من المكان الذي تجلس فيه بين رجلين، مؤكدا "أنه يقوم بواجبه في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف".

المشمولون في آخر الملفات 54/08 حضروا لقفص الاتهام جملة، كما كانوا يؤذنون مع صول وقت الصلاة، ويصلون جماعة داخل قفص الاتهام،، المؤذن ولد شبرنو كان يرقب الساعة ليطلق حنجرته بالأذان، ثم يتقدم المجلسي لإمامتهم في صلاة وصفها أحد الصحفيين بأنهم ربما "صلوا التروايح" بسبب طولها.

تقديم "المؤذن" لمداخلته مساء الأحد أمام المحكمة الجنائية أدى لتأخر الأذان لأكثر من نصف ساعة، كان خلالها يقدم "نداءه للقضاة بالكفر بالدستور، ورفض التقاضي به، أو –على الأقل- الاعتزال في حال لم يستطيعوا رفضه والكفر به".

الجلسة الأخيرة من جلسات المحكمة عرفت رفع ولد الهيبة لراية سوداء كتب فيها "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وقال: "هذه رايتنا، ونحن جند لا إله إلا الله محمد رسول الله"، مهددا "الفرنسيين والأمريكيين"، مضيفا "السيف بيننا وبينكم، وسنظل نقاتلكم"، وسط مساندة ومشاركة في التهديد من رفيقه سيدي ولد سيدينا.

ولا يمكن -في كواليس المحكمة- تجاهل "مطالبة معروف ولد هيبة للنيابة العامة بتجنب "الطلبات والكلمات الساقطة التي دأبت عليها"، كما لا يمكن تجاهل إنشاده لأبيات من الشعر لحظة صدور الحكم ضده، ومخاطبته لرئيس المحكمة بقوله "أيها الكلب اقض ما أنت قاض، فنحن لا نخاف أحكامك".


مع رئيس المحكمة...
رئيس المحكمة القاضي خي ولد محمد كان صارما في حديثه صارما في أوامره، ضابطا لوقت بداية الجلسات ونهايتها، باستثناء الجلسة الأخيرة التي تأخرت عن الوقت المعلن أكثر من ساعتين، وكانت مصحوبة بإجراءات أمنية وتفشيش دقيق ومتعدد، وغير مسبوق في تاريخ جلسات المحكمة الجنائية في دورتها الحالية.

خاطب ولد محمد سيديا عندما بكا أثناء تقديم مداخلته قائلا: "دع عنك هذا الاسلوب فهو أسلوب النساء، ولا يليق بالرجال"، كما منع وكالة الجمهورية من الحديث أكثر من مرة، قائلا "ستدخلونا في ردود بينكم وبين الدفاع نحن في غنى عنها"، رد على إعجاب إحدى قريبات ولد سيدينا بمداخلته، قائلا: "ما الذي يعجبك في حديثه، إنه يكفرك ويكفرني بل يكفر الكل"، وعندما رد عليه ولد سيدينا بصوت مرتفع من فقص الاتهام قائلا: "أنا أكفرك أنت ومن يحكم بغير شرع الله، وكذلك رئيسك عزيز الذي ارتد عن الإسلام"، كان رد رئيس المحمكة "لما ذا تصرخ من هناك، تعال إلى هنا إن كان بقي لديك ما ترغب في قوله".

معروف ولد هيبة خاطب رئيس المحكمة أثناء مثوله أمامه باسمه قائلا: "خي دعني أوضح لك أمرا"، وكان رد رئيس المحكمة "أنا لست خي ولا ينبغي أن أدعى هكذا أنا هنا رئيس المحكمة".

أحد المحامين قال إن إحدى المواد القانونية تنص على عدم اختصاص وكالة الجمهورية في نواكشوط، لأن الواقعة كانت خارج النطاق الترابي التابع لها، لكن رئيس المحكمة طلب من المحامي قراءة نص المادة، أبطأ المحامي، فكان تعليق رئيس المحكمة، "ربما هي مادة من قانونك أنت".

محام آخر طلب منه رئيس المحكمة الالتزام بالرد على النيابة، قائلا: "لقد قدمت مرافعتك من قبل، والوقت الآن مخصص للرد على تعليقات النيابة"، لكن المحامي واصل قراءة مرافعته، وكان رد رئيس المحكمة صارما، "أوقف عنا هذا، انتهى وقتك المخصص لك".

رئيس المحكمة منع المتهمين من الجلوس أثناء تقديم طلباتهم أمام المحكمة، وعندما أخبره ولد الهيبة بتعبه ورغبته في الجلوس لقراءة مداخلته (خمس صفحات)، كان رد الرئيس، "ابدأها واقفا، وسنرى فيما بعد إن كنت تحتاج إلى الجلوس"، بدأ ولد الهيبة واقفا، وأنهاها "بالمطالبة بإعدامه رميا بالرصاص"، دون أن يسمح له بالجلوس.


مع المحامين...
كواليس المحامين كانت كثيرة، بدأت بقول أحدهم إن موكله "اعترف باستخدام المزور" قبل أن يعود ليقول "يبدو أنه يوجد خطأ في المحضر الذي قرأه"، وكان تراجعه تحت إلحاح زملائه في الملف نفسه.

محامي آخر طلب من المحكمة أن تسمح له قبل البدء في مرافعته، "أن يحي البطل المجاهد معروف ولد الهيبة، فهو يستحق ذلك"، مضيفا "لقد جعلتمونا نتعقد من الجهاد، مع أننا يجب أن نفخر به".

محامي ثالث قال لرئيس المحكمة "علينا أولا أن نتوقف مع مفهوم السلفية، هل هي الحركة الدينية التي قادها الأفغاني وعبده، أم هي الحركة التي قداها باب ولد الشيخ سيديا ولمجيدري ولد حببلل".

وختم المحامي حديثه بالقول "أنا سلفي وأعضاء المحكمة سلفيين، والنيابة سلفية، وكل الحضور سلفيين، علينا نزع هذه الشحنة التي فرضت على هذا المصطلح".

محامي آخر وافق تحت إلحاح زميله على إنهاء مرافعته، لكنه أصر على ختمها بقوله: "سأترك لك الكلمة، لكن أرجوك لا تترك الميكرفون حتى لا تضمن لي أن لا تبقى لك رغبة في الحديث مستقبلا".

أغلب المحامين تحدثوا عن حالات تعذيب لموكليهم في مخافر الشرطة، وفي السجون والمراكز التي مروا بها أثناء الاعتقال، لكن اللافت أن أحد المحامين قال إن النيابة "شاركت في التعذيب" مبررا قوله "بأن مرحلتها من التحقيق كانت مسبوقة بتعذيب بدني ونفسي، كما كانت متواصلا بعدها، وعليه –يقول المحامي- فهي مرحلة وسط كانت فيها إجهاد نفسي وتجويع، كما كانت مسبوقة بتعذيب ومتبوعة به".

محامي آخر قال إنه استبشر بحديث النيابة عن المحاكمة العادلة، لكنه ينبهها إلى أن المحاكمة العادلة هي التي تبدأ من لحظة الاعتقال وحتى لحظة النطق بالحكم، وهو –يقول المحامي- ما لا ينطبق على قضيتنا الحالية، حيث أن موكلي أمضى سنتين في السجن الاحتياطي، مع أن القانون ينص على أنه استثناء لا قاعدة، ومع ذلك لك يمثل خلالها أمام قاضي التحقيق إلا مرتين لم تستغرقا ساعتين، فهل هذه محاكمة عادلة.

محامي آخر قال إن النيابة اعتذرت عن غياب الشهود في عملية ألاك، بقولها "إن الواقعة كانت في خلاء من الأرض"، وهذا يقول المحامي "طعن في وجود الدولة، فلا توجد منطقة خلاء، لأن لكل منطقة سلطات تتبع لها، مدينة وعسكرية، وكان عليها أن تقوم بسؤولياتها".


مع النيابة...
أبرز كواليس النيابة كان حديثها "عن الاستعداد للجهاد في حال توفرت شروطه الشرعية"، كما أنها "أكدت أن القضاة والحضور يقدسون الجهاد الحقيقي، لكن أي جهاد هذا الذي تحدث عنه دفاع المتهمين، وأي مجاهدين".

كما أكدت النيابة أنه لاستحالة الحصول على شهود في "عملية ألاك" فإنه على المتهمين أن يثبتوا براءتهم من خلال إيجاد شهود يشهدون أنهم كانوا في يوم الواقعة في مكان آخر.

النيابة أكدت أكثر من مرة على حق المحكمة وحق القضاة في الحكم حسب ما يرون، حيث وصفت الأمر في إحدى مداخلاتها بأنه "من حق القاضي أن يحكم حسب حدسه، وكم من مرة وقعت ثم اتضح الأمر فيما وأنها كانت على صواب".

كما تحدثت أكثر من مرة عن السلطة التقديرية للقضاة، مؤكدة أن المشرع سكت في مرات كثيرة، وعن أمور تفصيلية، وسكوتها عنها هو إتاحة فرصة للقضاة للحكم حسب ما يرون.

كما أكد ممثلها أن لا حاجة لهم في عقاب البرآء، لكن مسؤوليتهم في حماية المجتمع، تدفعهم "لتعقب المجرمين" وتقديمهم للمحاكمة "من أجل أن ينالوا العقاب اللازم".


مقبرة الهواتف...
الشارع الواقع أمام بوابة قصر العدل بنواكشوط تحول إلى مدفن للهواتف النقالة، وذلك بسبب رفض الشرطة إدخالها لمبنى المحكمة، ومنع كل من يحمل هاتفا من الدخول، كما أن الوراقات والحوانيت الواقعة قرب المحكمة كانت ترفض استقبالها، مبررة الرفض بخوفها من ضياعها أو سرقتها.

ومع عدم توفر مكتب لاستقبال الودائع في المحكمة، وجد الصحفيون وأهالي المتهمين أنفسهم مضطرين لاستخدام طرقهم الخاصة في الحفاظ على هواتفهم، وكان الشارع الواقع أمام المحكمة "سجنا" لعشرات الهواتف النقالة، تدخله مع بداية كل جلسة، قبل أن تخرج منه "بتبرئة قضائية" مع نهاية الجلسة، لكن استئنافا للحكم يكون لها بالمرصاد مع بداية الجلسة الموالية.


نقلا عن الأخبار