مشاهدة النسخة كاملة : الطريق إلى غزة


أبو فاطمة
05-26-2010, 10:09 AM
الطريق إلى غزة

خيري منصور

من قرأوا رواية "الطريق إلى بئر السبع" عشية النكبة الأولى لم يخطر ببالهم أن أبناءهم وأحفادهم على موعد مع الطريق الآخر إلى غزة. فغزة ليست سمرقند التي يقول أهلها إن كل الطرق تقود إليها، وليست أيضاً روما التي حولت الجهات الأربع إلى جهة خامسة لا تنفع معها بوصلة أو دليل.

إن غزة الآن أقرب إلى العيَنْ من الحاجب، لكنها أبعد من القطب الشمالي وأحياناً من المريخ، ما دامت الحواجز قد حولت البر والبحر والفضاء إلى كمائن، وهذه المرة ليست الأولى التي يجترح فيها الناشطون ومن تبقوا على قيد إنسانيتهم وضمائرهم طريقاً إلى غزة سبقتها محاولات، منها ما تردد وما أخفق ومنها ما انتصر أخيراً، لأن السفن الذاهبة إلى القطاع ليست محملة بالبارود، ومن ينتظرون على شاطئ القوارب الصغيرة أطفال ونساء ونخيل وزيتون، فالحصار آخى ووحد بين البشر والحجر والشجر، ولو كان بيد الجناة أن يمنعوا حتى القمر من التجول في سماء غزة وليلها الدامس الطويل لفعلوا.

سلطات الاحتلال تأهبت منذ سمعت بالنبأ لمنع السفن من الوصول إلى شاطئ غزة، وأعدت كل ما استطاعت لاستكمال ما بدأته من تجويع يهدف إلى التركيع، لكن العالم لم يعد خاتماً يحركه الأسخريوطي الجديد حول أصبعه كما يشاء، وأطفال العالم يشعرون بأن قطرة من الدم وليست شعرة تلك التي تطفو على حسائهم وحليبهم، مثلما شعر البالغون بأنه من العار عليهم أن يتجشأوا بعد التخمة ما دام هناك بشر ينامون على الطوى، وغزة تجوع لكنها لا تأكل بثدييها، وحين يصبح كل شيء سبباً كافياً للقنوط، ينفتح الأفق على وميض آخر، فالمعادلة خالدة، ولا سبيل إلى بتر إحدى ساقيها.. ثمة من يشحذ السكين لذبح الأطفال، وثمة من يشحذ المنجل للحصاد، وإن كان القمح والقمع توأمين في زمن العولمة التي شاءت للتاريخ أن يصبح مجرد بغل داجن في اسطبلاتها.

ما أبعد غزة وما أقربها، وما أقصر الطريق إلى سمرقند وما أطوله إلى ذلك الشاطئ الطويل، فالاختبار الآن عسير، ويشمل إضافة إلى العرب والمسلمين كل كائن يحترم آدميته، ويرفض مقايضة الصمت حتى بالماس.

من صمتوا على ذبح غزة من روضة الأطفال حتى المستشفى تواطأوا مع الاحتلال، ومن التزموا الحياد غير المسموح به إنسانياً وأخلاقياً، أضافوا أنفسهم إلى المستوطنين، فلا مجال الآن للمفاضلة بين النوايا ولا سبيل لإقناع النفس بأن ما يحدث هناك لا أصداء وظلال له هنا، فغزة كابوس بقدر ما هي حلم شفيف وطيف، إنها كثافة التاريخ، وقد تقطرت الآن في سؤال مدبب سرعان ما يتحول إلى مساءلة: ما الذي فعلناه لطفل فقد صوته من الاستغاثة ولعربة إسعاف ترجل من فيها من الجرحى لجرها بعد أن تعطلت في الطريق ولشيخ توضأ من دمه؟

ما أبعد القطاع وما أقربه، لكن المسافات عندما تتعلق بأمر جلل كهذا لا تقاس بالأميال بل برموش العين، ورغم أن غزة محاصرة من الجهات الخمس إلا أن كل الطرق تقود إليها، وليس إلى روما أو سمرقند.

نقلا عن المركز الفلسطيني