مشاهدة النسخة كاملة : حديث عن "جمال ولد الحسن"


أبوسمية
05-25-2010, 02:25 PM
حديث عن "جمال ولد الحسن"

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2893.imgcache
بقلم: احمد مولود ولد أكاه

من الطبيعي أنه كان يذكر اسمه في البيت حولي خلال فترة الطفولة لكن لعامل الصغر لم أكن أنتبه للحديث عنه إلا فيما بعد وفاته، ومن الطبيعي أن لا ينتبه صبي إلى أخبار الأكابر في عصره ويدركها حتى لو كانت تمر بسمعه كثيرا.

عندما يحدثني الوالد - الذي سمعت منه كلما أنشره في هذا المقال - عن جمال ولد الحسن يحدثني عن ذاكرة حادة وبديهة سريعة وشاب مولع بالمطالعة والقراءة وإنسان فتح الله عليه في الفهم والعلم والاجتهاد – رحمه الله – فقد صحبه فترة من الزمن خلال الدراسة في الإعدادية بنواكشوط ضمن كوكب أصبح أفراده فيما بعد من أشهر المثقفين الموريتانيين فخبر شخصيته التي صاحبها عن قرب حين كان جمال إذاك يختال في أواسط عقده الثاني ، وقد قال لي إن جمال كان يجمع بين الاجتهاد الشديد والذكاء الفائق في آن؛ وهو أمر قليل الوقوع.

إن العلاقة بين الوالد وجمال قد انعقدت على مهاد تفوح فيه أشعار المتنبي وقصائد ابن الشيخ سيديا ومصطلحات الفقهاء وشدت بأمراس الأدب ، هنالك ارتسمت ملامحها وفي خضم معمعان تلك العلاقة أعجب من أروي عنه بذاك الفتى الذي حدثني أنه لم يسمع قط منه لحنا في اللغة العربية والذي لم يعارضه قط في قضية ولا رأي فكان إذا سكت عرف أن لديه رأيا مخالفا.

كان جمال لا يفتر عن المطالعة فلا تراه بدون كتاب في يده حيث اتخذ الكتاب شعاره ورفيقه الذي هو خير رفيق في الزمان فهو معه حيثما يمم، لكم كان يصطحب معه المجلدات الكبيرة إلى قاعة الدرس فإذا سكت الأستاذ هنيهة أو انشغل لحظة بأي أمر ينكب جمال على كتابه بقراءته السريعة، وكم كان يقول لمن حدثني بهذا " أتعلم ما هو صنيعي مع الكتب التهمها التهاما" هو ذلك الفتى الذي من أبرز صفاته النشاط والصرامة فكان ينام متى شاء والمدة التي شاء فأحيانا يستسمح لينام خمس دقائق فيضجع مستغرقا في النوم ثم يستيقظ بعد خمس دقائق.

وقد سئل مرة عند أهله من يدرسكم اللغة العربية فأجاب "أنا وفلان يعني الوالد ندرسها لأنفسنا ، وفلان وفلان يظلون في خصام مع ذاك الأستاذ الجزائري أستاذ اللغة العربية"

طرائف ونكت:

من أبرز ما سمعت من طرائفه أنهم كانوا مرة خلال حصة فناقش الأستاذ قضية علمية مشيرا أن السيوطي تكلم عنها في "الإتقان" فقطع جمال قراءة كتاب كان يقرأه متدخلا بنطقه السريع" بالنسبة لنسخة من الكتاب اشتراها لي أنا والدي بمائة وخمسين أوقية من البائع الذي يبيع الكتب تحت الشجر قرب سوق العاصمة لم يتحدث فيها السيوطي عن هذه المسألة" وعاد إلى كتابه ، تخيل معي كيف ستكون أجواء القاعة بعد هذا التدخل؟.
خلال مساء آخر جمع طلاب العربية في قاعة واحدة مع الطلاب الدارسين بالفرنسية لإجراء الامتحان اعترض جمال على الأستاذ المراقب عندما بدأ بتوزيع أسئلة الفرنسية على أهل الفرنسية يريد منه تقديم أهل العربية فقال " ابدأ بنا "وكانوا أحق بها وأهلها".

الطرائف والنكت تشغل جانبا من أخبار الأديب ولد الحسن الذي زار منزل خالته في المغرب أخت والدته " حاجه" فسألته العاملة المغربية أمك فلانة تعني خالته التي في البيت أم " شي حاجه" بلهجة المغاربة فقال لها نعم " شي حاجه" قاصدا أن والدته اسمها " حاجه" ولا تدري المغربية أن والدته فعلا تسمى "حاجه".

أيضا زار العلامة المختار ولد حامدن ذات مرة فقال ولد حامدن الذي كان يستخدم " الشم" مخاطبا جمال لقد وجدت أصلا ونصا يدعم "الشم" (عملية شم التبغ) قال جمال ما هو فقال له قول ابن مالك في الألفية "لم كيشم" هذا ما حدثني به من أروي عنه هذا وقد حدثه به جمال نفسه.

في رحاب القرآن:

مما يتذكره الوالد من أيام جمال، تلك الأوقات التي كان يعرض فيها جمال عليه القرآن خلال أيام عطلة الأسبوع عند الساحة المعروفة الآن بساحة الأمم المتحدة الواقعة شمال دار الثقافة حيث يعقدان اللقاء القرآني، ومرة طلب منه أن ينتظره لحظة ليؤدي مهمة ثم يعود إليه فقال له لا تزد على دقيقة واحدة فرد جمال "ما ذا، أنا آصف بن برخيا؟" ذاك الذي قال لسليمان " سآتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"

تفاصيل رحلة أدبية إلى شاطئ المحيط الأطلسي جمعت الطلاب ومن بينهم الشاعر محمد الحافظ ولد أحمدو وجمال ولد الحسن والوالد، حيث قال الثلاثة شعرا فقال جمال :
برد الأشعة فوق الموج تأتلق ** كمطرف التبر إذ يلهو به النزِق
والبحر كنز وهذا الموج حارسه ** والشمس مالكه والغير مرتزق
وقال الوالد :
عانق السحر في الفضاء الخيالا ** وبه طار صاعدا فتلالا
وبمنأى عن الشوائب صبا ** من رحيق الوجود عذبا زلالا
سقياه لفــــتية فأعــــــــــــــادو ** ه مقــــــالا فـــيــا لذاك مقالا
أسعد القلب برهة وانتشى الجس** م لأنغامه ، وراق "جمــــــــــــالا"
...

أما الشاعر محمد الحافظ ولد أحمد فقد سار عنهم يتملى شاطئ المحيط فقال جمال للوالد انظر سيأتينا وقد قال أبياتا يذكر فيها المفردات التالية (عدد له مفردات) ؛ فعلا عاد ولد أحمدو بعد أن دبج شعرا يتضمن نفس العبارات التي ذكر جمال ثم بعد ذلك بأيام سافر جمال إلى البادية وعاد وقد وضع ملاحظات نقدية طريفة على الأبيات التي قيلت عند الشاطئ أطلع عليها الوالد.

صور وأدب:

وتوجد لدينا الآن في المكتبة بالمنزل صورة شمسية لجمال ولد الحسن عندما كان شابا دون العشرين أرسلها من نواكشوط إلى الوالد في المملكة المغربية وعلى ظهر الصورة كتب جمال بخطه ثلاثة أبيات يحلل فيها صورته فيقول:
هذه صورتي تــــمثل نفسي ** وحيـــاتي في عــنفوان الشباب
نظرة تفحص الغيوب ووجه ** في جروح الصبا ورفض التصابي
وعلى الكل مسحة من طموح ** تتجــلى في حــيرة واضطــراب

كما أرسل له بعد ذلك أبياتا شعرية بمناسبة خروج بوادر شعر لحيته في وجهه.

لقد دأب جمال أن يتراسل مع الوالد وفي إحدى رسائله يقول له "... ثم ما ذا تقول في فلان وفلان وما هو رأيك في محمدن ولد سيد ابراهيم وفلان و... من الذين دأبت أنا وأنت أن نعلق عليهم بما يشبع سخريتنا ثم نستغفر الله بعد ذلك"

وكتب له رسالة أخرى يستفتحها بقول أبي الطبي المتنبي :
أيدري الربع أي دم أراقا** وأي قلوب هذا الركب شاقا
لنا ولأهله أبدا قـــــــلوب** تلاقى في جسوم ما تلاقى

وكان ذلك ردا على رسالة أرسلها له الوالد.

نقلا عن الأخبار