مشاهدة النسخة كاملة : تساؤلات بسيطة مع "حكيم" بني إخوان


أبوسمية
05-25-2010, 02:05 AM
تساؤلات بسيطة مع "حكيم" بني إخوان

مولاي أحمد ولد لمونك

كان الوقت وقت امتحانات، والنفوس وجلة تسابق الزمن لاستدراك ما ضاع وفات من تحصيل، وتستعد لاستقبال ذلك الزائر الذي يجب إكرامه حتى يكرمك، ومع ذلك فهموم الأمة تفرض نفسها بقوة على وجدان وتفكيرأغلبية الشباب وخاصة الذين في المهجر، وكنت أحدهم.

ورغم أني أعاف النقاشات وأكره المتفيهقين الذين لاهم لهم سوى عرض عضلاتهم المتورمة غرورا، والخوض في تحريف الكلم عن مواضعه، في تركيب وتنميق جمل آخرها ينقض غزل أولها، ونتائجها تعارض مقدماتها؛وجدت نفسي على غير العادة مرغما على إبداء رأيي، وقد أحسست أن صديقي الذي يدير النقاش يرغب في ذلك بشدة، فليس في مجلسه من يجاهر بانتمائه القومي والعروبي إلاي، وصدق الله العظيم فقد كان الإنسان أكثر شيء جدلا كما كان خصوما جهولا.


لم يكن الموضوع المثار حديثا عن الوحدة العربية بقدر ما هو قصف صاروخي عنيف عليها، كالذي شاهدناه جميعا يضرب عاصمة الرشيد من قبل الاحتلال الأمريكي وحلفائه بعجمهم وعربهم، وكان من بين المستميتين في الهجوم عليها صديقنا الذي يصف نفسه ـ حتى لا أقول يدعي ـ بالحكمة والسؤدد بين أقرانه، وبأحاديثه المنطقية، فهو حكيم بني قومه وفخرهم، مبررا هجومه عليها بكونها تناقض الوحدة الإسلامية التي هي مطلب وواجب إلهي مقدس، يهون في سبيلها كل غال ونفيس، وما دام المؤمن مؤمنا حقا يريد رضا الله ورسوله فحرام عليه المطالبة بالوحدة العربية؛ لأنها وحدة عرقية لا دينية، يجهل المطالبون بها حقيقة الإسلام الذي يعلو على هكذا دعوات.


كما لم تسلم "قطعان بني يعرب" "الناكرين للجميل" من هجوم يشم فيه المزكوم روائح شعوبية سلفت فقوضت أركان الخلافة العربية الإسلامية العباسية؛ كونهم" ضيعوا الإسلام فضيعهم الله وأذلهم"، على خلاف الأفغان والترك والفرس الذين نصروا الله فنصرهم وعليه فإنه من يدعو للوحدة العربية فإنما يخدم عمدا أو جهلا مخططات أعداء الإسلام وجبت استتابته وإرجاعه للصراط المستقيم.

كان الشاب يلقي برأيه هذا أو موعظته إن صح التعبير، وكأنها وحي إلهي لا يقبل الشك أحرى التكذيب، وكان في إلقائها يمزج بين حماسة الغر وثقة الشيخ وسط مريديه، إحدى عينيه علي وهو يعلم مواقفي، ـ فلست بذا تقية أو مجاراة ـ وعينه الأخرى على مرشده الروحي المسؤول عن تنظيم اجتماعات انعزالية ـ حتى لا أقول سرية ـ بالطلبة الوافدين للخارج بشرط أن تقل أعمارهم عن العشرين، من بين ما تسرب عن مضمونها أنها تدور في فلك الحض على الوحدة الإسلامية، والتحذير من أعدائها الداخليين فقط دون أعداء الخارج؛ لأن الله تعالى قد تكفل بهزيمتهم؛ أو لربما من باب "اللهم أكفني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم".

حاولت أن يناولني طرف الكلام علي أوفق في تبيين حقيقة ران عليها جهل الجاهلين، وألبسها خصومها لباسا لا فصلت له ولا خلقت له، دون أن يتوقفوا لحظة واحدة في تبين معالمها، وهم من عشقوا السير على طريق دون معالم، اللهم ما وضعوه منها، معالم يعجز واضعها عن الاهتداء بها، بعد أن تقطعت به السبل، ويحور الفطن النبه في فهمها.

وافق صديقي "الحكيم" مزهوا على طلبي، وكأنه يديرمعركة جمهورها الحاضر يدعم فقط من يملك السلطة على الطريقة الموريتانية، واخترت في محاورتي له أن تتم على شكل مساءلة بعد أن أدار شقه في شكل موعظة.

وقبل أن أوجه له أسئلتي حدثته "واعظا" عن أهمية الصدق ومنزلة الصادق من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، ففي مثل هذه الحوارات لا يلعب العقل دوره كاملا، وإنما يجلس فقط في "دفة الاحتياط" على لغة أصدقائنا الرياضيين.

كان السؤال الأول: هل إتحاد الأمة الإيرانية الصديقة والشقيقة، أو إتحاد الأمة التركية الحبيبة حرام شرعا؟؟؟

كان جوابه سريعا ومزهوا كما لو أجاب عن مسألة فيزيائية محيرة "لا لا"، إنه غير حرام.

سألته سؤالا مباغتا آخر: وهل تخدم وحدتهم الإسلام؟؟؟ كان في جوابه الثاني أكثر زهوا وإحساسا بالانتصار، "بالطبع إنها تخدم الإسلام، فاحمدي نجاد ورجب طيب قدموا للإسلام ما لم يقدمه أي عربي وما دعم غزة ووو..."، قاطعته بصرامة، فأنا لا أحب أن أقاطع أحدا أو أن يقاطعني إطلاقا، ولا أخفي أني كنت أشعر حينها بضيق وحنق شديدين، ليس كرها لإيران أو تركيا، ولا نكرانا لدورهما، وإن كانت خلفياته غير ما هي معلنة حسب اعتقادي، وأستطيع التدليل على ذلك؛ وإنما لمدى الغيبوبة الفكرية التي سكنت عقول كثير من شباب أمتنا العربية؛ ولأمر بسيط أنهم ربطوا مقدراتهم العقلية ورهنوها بمواقف قادتهم السياسيين ذي المآرب الضيقة.

بعد أن قاطعت صديقي "الحكيم" عدت لأسأله مرة أخرى، وبعد أن استحلفته بالله ثانية أن يصدقني في الإجابة كما كان؛ لعملي أن الخطاب الوعظي السياسي سريع الذوبان يحتاج صاحبه لإعادته أكثر من مرة حتى يضمن نجاعته، فتأثيره كتأثير بخاخ الربو الذي لا ينقطع عنه صاحبه إلا ليعود إليه.

وفي هذه اللحظة كان الزعيم" الروحي" الذي يتجنب الحوار في السياسة، مقتصرا على التدليل بكون جماعته هم الفئة الظاهرة، يتلاعب بخصلات شعر لحيته غير المهذبة، وتتراقص عيناه لا تسكن على شيء إلا لتزوغ عنه متعقبة شيئا آخر، وينتظر السؤال بقلق، وكأنه في أعماق نفسه لم يكن يفضل أن يسير الحوار على هذا المنحى فلن يصب في التأكيد بنهر أحلامه أو يلامس أطراف أمنياته.

كان السؤال الذي ارتقبه الجميع بسيطا بساطة أحلام صديقنا "الحكيم" وشيخه، إنه بالتحديد عن مكنة الوحدة بين موريتانيا وإحدى البلدان العربية المجاورة، وما يجمعنا معها من وحدة الدين واللغة والتاريخ المشترك والجغرافيا والمصير الواحد، وبين وحدتنا مع اندونيسيا أكبر دولة إسلامية ذات 7000 جزيرة وآلاف اللغات واللهجات والديانات؟؟، وكان جوابه صادقا بأن "الوحدة مع الأوُلى أولى"، وصاعقا؛ لأنه بدأ في هدم كل ما بنى سابقا من فرضيات وفتاوى، ولعمري للهدم أسرع من البنيان.

عندها مباشرة بدأ المرشد "قدس سره" في محاولة حرف الحوار، وإدخالنا في إشكالات لا علاقة جوهرية لها به؛ كالتحامل على الأنظمة القومية سالفها وقائمها، وفي الحديث عن مساوئهم التي لا تعد ولا تحصى؛ ما دفعني إلى الوقوف في وجه هذا الإقحام والإدخال غير المنهجيين؛ ليس تهربا من الدفاع عن الأنظمة القومية؛ وإنما لسببين اثنين:

أولهما أنه مازال في جعبتي سؤالين اثنين لصديقنا "الحكيم"؛ والثاني أنه قد جاء موعد رحيلي لأمور ضاغطة سلف ذكرها.

السؤال الأول المتبقي هو أنه": ما دامت الوحدة العربية متأتية وأسهل عمليا من الوحدة الإسلامية، ولا تخالف تعاليم الإسلام فهل هي حرام؟؟

لم أعهد محاوري بصدقه الذي عرفته فيه أول ما بدأنا حوارنا، وإنما كان جوابه أنه: "لا يحرم أو يحل بغير علم"؛ لأنه ليس أهلا للفتوى، ولكنه يرى ـ انظروا هذه ال "لكن" ـ لا يرى أنها حرام، ولكن ـ دائما لكن ـ بشرط أن تكون لأجل الإسلام، وكأنه في سياق مواعظه التي أمطرنا بها لم يفت بحرمة الوحدة العربية لأنها تعطل قيام الواجب الذي هو الوحدة الإسلامية.

بدأت أحس كما الحاضرين معنا الذين بدؤوا في الإنصات لنا "بخشوع" بعد أن انشغلوا عنا في بداية الحوار بشؤونهم، فالبعض منهم كان يبحر في فضاء المعلوميات، وآخرون كانوا يتسامرون في أمور أُخر ليست ذات علاقة بنا، ويبدو أنهم قد ملوا من أحاديث ومواعظ صديقنا "الحكيم" من كثرة ما أرغموا على سماعها، بدأت أحس برغبة صديقنا وشيخه "المرشد" بتطعيم الحديث بممازحات تفرغه من مضمونه؛ ما جعلني أبادر لأسقيه مر سؤالي الأخير بعض أن أطعمته الأُوُل فغص لها، وهو أنه مادامت الوحدة العربية ممكنة سهلة سابقة في التاريخ على الوحدة الإسلامية، ممهدة لها في الجغرافيا، وليست ضد الإسلام، وما هو بمحرمها؛ فلماذا يا عزيزي "وأنت لست بصخرة" تقف و"إخوانك" صخر عثرة في طريقها


نقلا عن الأخبار