مشاهدة النسخة كاملة : استهانة السلطة بالثروة البشرية سبب كل بلاء


ام خديجة
05-22-2010, 10:37 AM
استهانة السلطة بالثروة البشرية سبب كل بلاء


http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2722.imgcache.jpg

محمد عبد الحكم دياب



يقاس تقدم الشعوب وتطور الدول بحسن استغلال الثروة البشرية والارتقاء بها وبأدائها، ودون ذلك تستمر الشعوب في تخلفها وتبقى الدول في مؤخرة العالم. وأغلب من يحكموننا يستهينون بهذه الثروة ويهملونها. يهتمون باكتناز المال وبالمضاربة في الأسواق والبورصات. يتصورون أن ثراءهم في تشييد واقتناء أحدث القصور والمركبات والحلي، وأن قوتهم في ملاحقة المواطن وإضعافه وإفقاره.
وعليه الاختيار بين العيش ذليلا أو أن يبحث له عن مكان يعتزل فيه الناس أو يهرب خارج وطنه الغني بالبشر والموارد. والصورة أمامنا تقول: لا اكتناز المال جعل العرب أغنياء، ولا تكديس السلاح حماهم من عودة الغزو والاحتلال. فنحن الأضعف بين الأمم، والأفقر بين الشعوب. أموالنا وفيرة، وبلادنا شاسعة، ومواردنا متنوعة، لكنها مهدرة ومبددة. تقدم قربانا للأعداء. تمول حروبهم، وتسد العجز في موازين مدفوعاتهم. ونموذج الحكم في مصر يعطي مثلا صارخا على هذا الصعيد. يقتطع من فقراء ومحدودي الدخل فيها ليزيد الخزينة الصهيونية تخمة، ويمكنها من دعم وتوسيع رقعة الاستيطان، ويوظف سياسته لخدمة حروبه وحصاراته ضد قوى المقاومة والممانعة.
ذلك الحكم يقوم بما يقوم به عمدا. يحشد مجهوده الاقتصادي والسياسي والعسكري لصالح الجهد الاستراتيجي للدولة الصهيونية. يُحرم المواطن من الدعم ويقدمه لها، بصور عدة، غازا ونفطا وحديدا وأسمنتا وأمنا، مساهمة منه في دعم الآلة الصناعية والعسكرية، ومساعدتها في تشييد جدار الفصل العنصري، لتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية. وإغلاق حدودها واحكام الحصار حولها، وقتل مواطنيها بالتجويع والعنف والحرمان من الغذاء والدواء. وذلك لا يختلف كثيرا عما يحدث للمصريين. ويبدو الأمر وكأن أهل الحكم يعملون على تحويل مصر إلى دول فاشلة. تتقطع أوصالها ويتقاتل أبناؤها. وقد تمكن من إهدار قيمة مصر، وهي قيمة مستمدة من ثروتها البشرية ومستوى عطاء وتحمل مواطنيها وتضحياتهم. ويبني وجوده على جماجم وأشلاء النابهين والمتميزين. وما دعاني لقول هذا هو ما لمسته في خلال الأيام الماضية أثناء زيارتي لمصر من استفحال نهج ملاحقة ومطاردة العناصر المتميزة ومصدر فخر البلاد واعتزازها، ونموذجه الصارخ ما يحدث لأكبر وأنجح الخبراء والعلماء المصريين في التصميمات الهندسية والإنشاءات، ليس في مصر وحدها بل غطت شهرته العالم. بما فى ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، وحصل على جوائز عالمية رفيعة عدة. إنه المهندس الاستشاري ممدوح حمزة فخر العرب والمصريين بلا منازع
أشهر مشروعاته مكتبة الإسكندرية، ببنائها الدائري المتميز، وهي الأكبر في العالم. تتسع لملايين الكتب والمخطوطات . وتضم عدة متاحف ومركز للاجتماعات، وقاعات للمعارض ومختبرات للحفظ والترميم ومركزا للتدريب . بجانب مشروعاته الأخرى في شرق التفريعة و العين السخنة و خليج العقبة بالأردن. وهو مصمم مبنى وزارة المالية في الجزائر. وما يميز ممدوح حمزة عن غيره هو إحساسه بالمسؤولية تجاه المواطنين، ومنها مساهمته الشخصية بنحو 2 . 5 مليون جنيه لبناء مستشفى السرطان، وله العديد من المساهمات في مشروعات تعود بالنفع والفائدة على المواطنين، فبدا منحازا لهم. وهو ما يجلب عليه المشاكل، في دولة تحولت إلى شركة لمن استولى عليها، وفي وطن جعلوا منه مزرعة لحكامه. وآخر مشاكله مع محافظة أسوان. والسبب أنه تحمس لبناء مساكن بديلة لضحايا السيول التي تعرضت لها المحافظة من عدة شهور.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها لحرب من هذا النوع. وقد تعرض من ست سنوات تقريبا لحادث غريب كانت وراءه أصابع مصرية متنفذة. أصابت الدهشة الرأي العام، وهز الحادث أوساطا عدة.. أكاديمية وسياسية. في مصر وخارجها، وكان ذلك على أثر قيام السلطات البريطانية في يوليو/ تموز 2004 باعتقاله واتهامه بالتحريض والتآمر لاغتيال وزراء ومسؤولين كبار في الحزب الحاكم والحكومة المصرية. منهم رئيس مجلس الشعب فتحي سرور، ووزير الإسكان الأسبق محمد ابراهيم سليمان، وأمين التنظيم السابق بالحزب الوطني الحاكم. كمال الشاذلي. فوجئ الجميع بالقبض على الدكتور ممدوح حمزة في بريطانيا حين توجه الى لندن لحضور حفل الاستقبال السنوي الذي تقيمه الملكة اليزابيث الثانية باسم ' حدائق الملكة ' تكريما للشخصيات ذات المكانة والمتميزة على مستوى العالم. وقتها صرح حمزة بأن ما حدث مكيدة سوف يتم كشفها، وعلى الرغم من براءته مما اتهم به إلا أن أسرار ما حدث لم تكشف كلها بعد. من وراءها؟ ومن صاحب المصلحة في تشويه صورة شخصية بهذا المستوى أمام الرأي العام؟ ممدوح حمزة يملك ويدير مكتبا للاستشارات الهندسية. يرتبط بعلاقات ودودة ومهمة مع الكثيرين، واعتاد السفر لإلقاء المحاضرات في مجال تخصصه، وهو ميكانيكا التربة، وله فيها 35 بحثا علميا. و يقتصر عمل مكتبه على النواحي المهنية والعلمية، ومعظم كتاباته في الصحف والمجلات تركز على الجوانب العلمية والمتخصصة، وكانت آخر محاضرة قد ألقاها قبل شهرين من القبض عليه في لندن في امريكا، حول قناة السويس والجانب العلمي لها، وكانت بدعوة من جمعية المهندسين المدنيين الامريكية .
وحكاية ممدوح حمزة الجديدة لفتت الانتباه وتناولتها الصحف والفضائيات، وكانت مادة صالون الكاتب والروائي علاء الأسواني يوم الخميس قبل الماضي (13/5/2010)، وقد دعيت لحضوره مع عدد من الشخصيات العامة مثل كريمة الحفناوي، من قادة حركة 'كفاية'، والمهندس يحيى حسين أبرز قادة جماعة 'لا لبيع مصر' المتصدية لبيع وتصفية القطاع العام، بجانب عدد من الصحافيين والإعلاميين من الجرائد المستقلة والفضائيات الخاصة، وعرض ممدوح حمزة مشكلته على الحضور وموقف محافظ أسوان من مساهمته في مشروع بناء مساكن بديلة للمساكن التي اكتسحها السيل، وكان علاء الأسواني صاحب الصالون قد نشر القصة في صحيفة الشروق الجديد المصرية قبلها بيومين (الثلاثاء 11/5/2010)، وأبرز الأسواني العقدة التي تثير حفيظة الجهات الرسمية المصرية ضد ممدوح حمزة، وقال: إنه بالإضافة إلى نبوغه المهني، يتمتع بإحساس عميق بالواجب العام، وأشار إلى ما يذكره دائما من أنه تعلم فى جامعة القاهرة على حساب الفقراء، ومن واجبه تكريس علمه لمساعدتهم. ودفعه إحساسه بضرورة عمل شيء لمنكوبي السيول، مبديا استعداده في برنامج فضائي لقناة من القنوات العربية غير المصرية. أبدى استعداده، متطوعا، لإنشاء مساكن بديلة لمن شردتهم السيول. وتدفقت التبرعات على البرنامج. ووصلت إلى 28 مليون جنيه مصري. أودعت فى حساب جمعية المواساة الخيرية بأسوان.
سافر ممدوح حمزة إلى أسوان ليشرف متطوعا على بناء تلك المساكن، ورحب به المحافظ، وشكره على تبرعه بمجهوده ووقته. وخصص له قطعة من الأرض ينفذ عليها المشروع، لكن المحافظ عاد واستبدلها بأخرى ذات طبيعة صخرية وعرة يصعب البناء عليها، لكن الدكتور حمزة عالج صعوبة الأرض، وتغلب على وعورتها وقام ببناء 29 وحدة فى زمن قياسي مدته ثلاثة أسابيع، أما الأهم فهو تكلفة الوحدة السكنية. فقد نزل بها إلى 35 ألف جنيه، وهو سعر أقل من نصف تكلفة المساكن التي تنفذها المحافظة، وتدفع فيها 80 ألف جنيه. ورأى الأسواني أنه من المفترض أن تلك التكلفة تبشر بإمكانية تعميم المشروع في أنحاء مصر، من أجل إيواء الملايين الذين يعيشون في ظروف غير إنسانية. تغير موقف محافظة أسوان. منعت تزويد المشروع بالمياه، ورفضت استخراج تراخيص البناء، وصادرت مستحقات العمال والبنائين، وجمدت أموال المتبرعين . وأبلغت الشرطة التى قبضت على المهندسين والعمال أثناء العمل، واحتلت الموقع وأوقفت العمل فيه، ورفضت شرطتها تحرير محاضر إثبات حالة لصالح المشروع والمسؤولين عنه، وأبى معظم المهندسين الذين استعانت بهم المحافظة مخالفة ضمائرهم المهنية والعلمية وكتبوا تقارير تشيد بالمشروع وقيمته الهندسية وجدواه الاقتصادية، وهي التقارير التي أخفاها المحافظ لأنها لم تأت على هوى السلطات.
أحال المحافظ الموضوع إلى النيابة . و ليس هناك من يتفاءل بهذه الخطوة، فالنائب العام لا يتمتع بالاستقلال اللازم عن السلطة التنفيذية. ولخص علاء الأسواني أسباب انقلاب السلطات على مشروع ممدوح حمزة ومحاربته بعد الترحيب به في رخص تكلفة الوحدات السكنية، مقارنة بما تتكلفه الوحدات التي تنفذها المحافظة. وعادة ما يذهب الفرق بين الرقمين إلى جيوب المقاولين، وتأسيس نموذج جديد لإسكان الفقراء يجعله قابلا للتقليد والانتشار، وهو ما يهدد مصالح المقاولين ورجال الأعمال، ويعريهم أمام الرأي العام، وليس أمامهم من سبيل إلا القضاء على مشروع الدكتور حمزة وتحطيمه . ونبه الأسواني إلى أن مشروعات المحافظة تُفتتح بواسطة السيدة سوزان مبارك، وما يمكن أن يترتب على ذلك لو نما إلى علمها نجاح ممدوح حمزة في بناء مساكن أفضل بأقل من نصف التكلفة، مما يحرجها ويحرج المسؤولين معها. وأضاف أن نجاح المشروع يلفت النظر إلى مهارات صاحبه الإدارية بجانب نبوغه المشهود في مجال الهندسة، الأمر الذى قد يهدد مسؤولين كبارا أقل كفاءة وخبرة في مناصبهم ومواقعهم. والدلالة الأهم التي استخلصها الأسواني هي اعتماد مشروع ممدوح حمزة بالكامل على تبرعات الأهالي. وما يترتب عليه من اعتماد الحلول الذاتية وما يستتبعها من ظهور إرادة شعبية تقف وتنفذ مشروعات أفضل، ومثل ذلك التوجه غير مرحب به من طرف حكم مستبد لا يرتاح لإطلاق الطاقات الشعبية ودائم المصادرة على تحريرها من عقالها.
إن أزمة ممدوح حمزة مع السلطات المصرية أكبر من مشكلة فرد، وأخطر من تحكم سلطة هنا أو هناك. إنها حالة عربية مستفحلة ومزمنة. تخصصت في قتل المواهب وتبديد إمكانيات التميز والإبداع بين المواطنين، فهل نسي أحد ما جرى لمشروع أحمد زويل العلمي، أو مشروع شيخ الجيولوجيين المصريين رشدي سعيد، الذي بلغ التسعين من أيام.. مشروع 'مصر المستقبل'.. الذي لم يهتم به مسؤول قط، وفكرة المشروع تقوم على رسم خريطة تنموية جديدة لمصر. مادتها الماء والغاز والصحراء، وانزوى بعيدا مغتربا في الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يتحقق حلمه. وهل لو وجدت المعمارية العراقية المتألقة زها حديد فرصتها في الوطن العربي ما كانت لتستقر في الغرب وتقدم أعظم مشروعاتها المعمارية له، وتحصل على أعلى الجوائز منه تقديرا لها واحتراما لإنجازاتها. والقائمة تطول، وما زال نظامنا العربي على جهالته وفساده وتبعيته.. قاتلا للمواهب وطاردا للنابهين والمتميزين. والنموذج الأكثر جهالة وفسادا وتبعية هو الذي يمسك بزمام الحكم في مصر. وهو مستمر في غيه إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .

' كاتب من مصر يقيم في لندن

نقلا عن القدس العربي