مشاهدة النسخة كاملة : القبطان والقرصان


أبو فاطمة
05-22-2010, 07:45 AM
القبطان والقرصان

خيري منصور

أسطول آخر أخضر، يبحر من شواطئ تركيا إلى ذلك القوس الملتهب على تخوم القطاع المحاصر الذي أراد له الاحتلال أن يتحول إلى قطيعة، وعلى الفور أعلن القرصان حكمه على القبطان، وهو المنع من الوصول إلى الهدف الإنساني النبيل الذي حمل أبهى اسم أطلقه البشر على امتيازهم الآدمي الخالد وهو "الحرية".

ما من مرة أبحر فيها القبطان إلى شاطئ غزة إلا وكان القرصان المسلح بانتظاره حيث كل موجة من البحر كمين، وكل شفق أو غسق مضمخ بالدم. فالعصافير محكوم عليها بالإعدام إن حلقت في سماء غزة بلا إذن من الجنرال ولو استطاعوا لنفذوا وصية غولدا مائير وخنقوا الأطفال في الأرحام، لأنهم المستقبل المصادر والبراعم التي تشبثت بالأغصان رغم احتراق الغابة كلها، وحين تطالب حكومة نتنياهو أو الائتلاف على دم العرب ولا شيء آخر حكومات العالم بإيقاف هذه الحملة الإنسانية، فإن الحصار يتمدد من مجاله الموضعي في القطاع ليشمل الكوكب بأسره، والآن ما من سبيل للتأويل أو الحذلقة في البحث عن مخارج فالموقف بائن، والطلاق بين تل أبيب والعالم بمجمل سكانه بائن أيضاً.

حدث من قبل أن حوصر من أتوا من كل فجٍ لاختراق الحصار، لأن الحصار كمفهوم ووسيلة إخضاع عبر التجويع لا يتجزأ، فمن لا يستطيع أن يوصل جرعة الماء أو الدواء هو كمن يحتاج إليهما، وحين يقول ناشطون أوروبيون إن الاحتلال يطال إراداتهم وحرياتهم فذلك ليس على سبيل المجاز، لأن من يطالب الآخرين بأن يحرموا عباد الله من الرحمة يتصورون بأنهم قدر هذا العالم، وخاتمة هذا التاريخ.

إن السجال الذي بدأ بين دعاة حق ومتعهدي دفاع عن الشيطان، يتلخص الآن في ثنائية بحرية زرقاء، طرفاها قبطان مسالم يقود سفينة في عرض البحر لإنقاذ مريض أو طفل، وبين قرصان لغّمَ البحر بكل ما استطاع من الكراهية والاحتقان الأعمى.

المسألة إذن في أحد أبعادها الأخلاقية اختبار عسير لما تبقى من ضمير عالمي وعصيان على تعاليم الاسخريوطي الجديد، فهل سيعود الأسطول الذي يخلو من مسكين أو حتى حجر إلى نقطة الإقلاع؟ أم يخترق ذلك الحاجز الفولاذي الذي شمل البحر واليابسة والفضاء.

البحر الآن ساحة حرب، فما سوف يحدث على سطحه الأزرق الهادئ لا يختلف عما يدور في أعماقه، وهي حرب تدور بين حرباء تنفخ النار وضفدع ينقل ما استطاع من الماء إلى الجسد المحترق حسب الحكاية السليمانية الحكيمة، أما من الذي سوف ينتصر في النهاية فذلك أمر يتولى التاريخ الإجابة عليه، ليس في المدى المشهود فقط بل بعد عشرات الأعوام.

لم يحمل القبطان غير أكياس غذاء ودواء وتحية إنسانية بمختلف لغات العالم، لكن القرصان الذي حول البحر إلى فخ شحذ نابه الأزرق وأفعى كذئب مقابل شاطئ غزة.

إنها بداية البداية والقادم أشجع وأمهر وأكرم.

نقلا عن المركز الفلسطيني