مشاهدة النسخة كاملة : لا دول في حاضر العرب بل نُظُم


أبوسمية
05-22-2010, 02:37 AM
لا دول في حاضر العرب بل نُظُم
عصام نعمان

أحيت سوريا، تحت رعاية رئيسها الدكتور بشار الأسد ومشاركة نائبته الدكتورة نجاح العطار، مؤتمرها السنوي الفكري السياسي من 15 إلى 19 مايو/ أيار ،2010 بعنوان “العروبة والمستقبل”، تضمّن أبحاثاً ودراسات جرت مناقشتها في 16 جلسة شارك فيها نحو 35 باحثاً وجمهور كبير من المتابعين للفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

أُسندت إليّ رئاسة جلسة محورها “العروبة بين الدولة الأمة والدولة القطر”، قدّمتُ لها بمداخلة على النحو الآتي:

العرب في أزمة مزمنة . مردها جملة عوامل داخلية بنيوية، وخارجية وافدة . الأولى تصنع، كما لاحظ مالك بن نبي، قابلية للثانية . ثم تستوطن الثانية بين ظهرانينا مادياً وفكرياً، فتتداخل مع أمراضنا الذاتية، وتشكّل مجتمعة حالة مرَضَية شاملة .

لعل أخطرَ مظاهر الأزمة غيابُ الدولة، الدولة الأمة والدولة القُطر، أو قلّ ضعفها وهزالها . لا دولَ في حاضر الأمة بل نُظُم . الدولة إطار حقوقي سياسي ينطوي على شعب ومؤسسات، يحكمها دستور وقوانين، ويتساوى الجميع أمامها، لاسيما المواطنين، في الحقوق والواجبات . ما نقع عليه في حاضرنا ونظّن أنه دولة هو، في الواقع، نظام بمعنى آلية Mechanism لتقاسم السلطة والمصالح والنفوذ والمغانم . في النظام، تكون الكائنات والأشياء، القيم المادية والمعنوية والعلاقات الاجتماعية في خدمة السلطة وأصحابها .

أين نقطة البداية في تلمّس جذور الأزمة؟ لعلها تعود إلى فجر الإسلام . فالإسلام كان ثورة العصر في منطلقه، ثورة في مثله العليا وقيمه الأخلاقية وأحكامه الشرعية . والصحيفة، في مبناها ومعناها وأطرافِها، كانت أول صك تعاهدي يبتدئ به تاريخ الحركة الدستورية في العالم أجمع . والإسلام، بما هو عقيدة وحركة، كان موحد العرب الأول في التاريخ . ونظام الحكم في المدينة كان إرهاصاً بتجربة شورية واعدة بل بدولةٍ رائدة كاد يتساوى فيها، على صعيد الحقوق، مجتمعها السياسي وأصحاب القرار مع مجتمعها الأهلي أفراداً وفعاليات .

هذه التجربة الوليدة الواعدة جرى إجهاضها باكراً بتحويل الخلافة زمنَ الأمويين وبعدهم مُلْكاً عضوضاً، أي سلطة يستحوذ فيها أصحابها على كل شيء ممكن استحواذه ويضعونه في خدمتهم .

صحيح أن نظام الخلافة في ظل الأمويين والعباسيين والفاطميين توطّد وتوسع وانتشر وساد بفعل عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية وموازين قوى وأدوارٍ وإنجازات لقادة ورجالات، لكن الحقيقة الساطعة تبقى ماثلة، وهي أن نظام الحكم في منطلق الإسلام إسلام الثورة والحركة كان مظهر فيض للمجتمع الأهلي، وأنه بعد تحويل الخلافة مُلْكاً عضوضاً أصبحت الغلبة للسلطة، في منظور استبدادي، على حساب المجتمع الأهلي والتجربة الشورية البازغة .

ما كان ذلك كله ليحدث ويتوطد في الزمان والمكان لولا جملة عوامل ثقافية وعسكرية واقتصادية وسياسية . فقد سبق العدوان الخارجي المديد على بلاد العرب ورافقه عدوان داخلي على الفكر والثقافة بتغليب المدرسة النظامية على الجامع وبيت الحكمة . الجامع كان في آن بيتَ صلاة، ومحلَ بيعة الخلفاء، ومجلس شورى لبحث أمور الحرب والسلم . لكن، مع فرض المدرسة النظامية، بما هي مؤسسة فقهية رسمية تشرف السلطة على برامجها وتعيّن شيوخها وتستكتب مفتيها فتاوى واجتهادات لمصلحتها، أصبحت الثقافة خادمة للسلطة .

ولعل من أبرز عوامل تهميش المجتمع الأهلي وتغييبه التكوينُ الاجتماعي للحكومات في المشرق العربي . فقد كان من المألوف، لما يزيد على ألف عام، أن يكون الحكام من أصول أجنبية تركاً وكرداً وفرساً، وأن تتركز أوجه النشاط الاقتصادي في أيدي الأجانب أو أبناء الأقليات، وأن “يصبح جهاز السلطة منذ انهيار الخلافة الفاطمية، في أيدي العسكر والبيروقراطية مع بعض الاستعانة بالعلماء” .

إلى ذلك كله، أنهكت الحروب التي شنّها الفرنجة والمغول وبعدهم دول أوروبا وأمريكا، بدءاً بنابليون بونابرت وانتهاء بجورج بوش، بلاد العرب واستنزفتها وحرمتها حقبات طويلة من الاستقرار الضروري لتوسيع العمران والإفادة من تراكم الخبرات والتثمير في مشروعات التنمية، وأورثتها مديونية خارجية هائلة، هي الأولى في العالم إذا ما أخذت أقطارها مجتمعة في الحسبان .

من مجمل هذه العوامل والظواهر يمكن تشخيص أزمة الأمة على النحو الآتي:

* أولاً، ثمة قصور تاريخي في فهم الإسلام وممارسته . فقد تراجع إسلام المُثُل العليا والقيم الأخلاقية، وتلاشت التجربة الشورية الوليدة بتحويل الخلافة حكومة سلطانية وأنظمة بيروقراطية سخّرت الدين لخدمة مصالح الحكام .

* ثانياً، ترسخ التخلّف في شتى مناحي حياتنا بفعل عوامل داخلية بنيوية سابقة لعهود الاستعمار وهيمنة الغرب . فالاستبداد والفساد تسبّبا في اندلاع فتنٍ أهلية أضحت سمة الحياة العربية منذ مقتل الخليفة الثالث حتى الوقت الحاضر .

* ثالثاً، إلى هذه العوامل المحبطة يضاف أيضاً الجهل، الأمية، تهميش المرأة، تفشي الأمراض المهلكة، الجفاف، التصحّر، سيطرة الأجانب على التجارة الخارجية واستشراء الاضطرابات الطائفية والمذهبية والاثنية . كل هذه الظواهر انهكت مجتمعاتنا الأهلية وعطّلت حوافز الإبداع .

* رابعاً، نجم عن هذه العوامل والظواهر شلل في الإرادة الوطنية، أنتج بدوره حالاً مديدة من الاستكانة والركود على مدى قرون وأجيال .

* خامساً، انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، مكّن “إسرائيل” من مضاعفة توسعها الاستيطاني سعياً وراء صيغتها الكبرى في وقت وجدت النظم القطرية العربية العاجزة “خلاصها” في إجراء مفاوضات غير متكافئة معها وسط خلل فادح في موازين القوى .

ومع ذلك، تلتمع في غمرة العتمة المخيمة نقاط مضيئة بل إرادة مقاومة مدنية وميدانية متوثبة، تشير إلى استمرار جذوة التمرد والتحرر وسريان شرارة الوعي وتباشير النهوض في صفوف الجماهير الظامئة للحرية والعدالة والكرامة، واقتران ذلك كله بنمو ملحوظ وواعد لقوى حية ونخب ثقافية وسياسية ملتزمة قضية الأمة على امتداد القارة العربية، لاسيما في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق .

هذه القوى والنخب الحية الملتزمة تبدو منخرطة اليوم حيث يجب أن تكون وتناضل: ميدانياً في مواجهة العدو، ومدنياً في فضاء الثقافة والدعوة إلى الحرية والديمقراطية وحكم القانون والعدالة والتنمية .

بمقدار ما تنتصر القوى الحية بمقدار ما ترتسم معالم الدولة المغيّبة، الدولة المدنية الديمقراطية، بما هي الشرط والإطار اللازمان لاغتناء المجتمع بالحرية، والمواطنة، والتعددية في إطار وحدة المصير .
نقلا عن الخليج الإماراتية