مشاهدة النسخة كاملة : «الواقعية الجديدة».. الأرض مقابل المقاومة


أبو فاطمة
05-21-2010, 06:37 AM
«الواقعية الجديدة».. الأرض مقابل المقاومة
[ 20/05/2010 - 12:11 ص ]
بقلم: صبحي غندور



«الأرض.. مقابل المقاومة» ليس مجرّد شعار للاستهلاك العاطفي. هو واقع حال الصراع العربي/ الإسرائيلي منذ قيام الكيان الصهيوني قبل 62 عاماً. لكن هذه النتيجة العملية لكيفيّة استرجاع الأراضي المحتلة، برزت ساطعةً دون أيّ تشويه، من خلال تجربة المقاومة اللبنانية التي أجبرت "إسرائيل" قبل عشر سنوات تحديداً (مايو 2000)، على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ودون أيَّة شروط أو معاهدات أو تنازلات.

وها هي "إسرائيل" مرّةً جديدة تكرّر خطأها التاريخي، في محاولة تصفية ظاهرة المقاومة الفلسطينية ضدّ احتلالها الغاشم، عوضاً عن إنهاء الاحتلال نفسه.. ومرّةً جديدةً أيضاً وقفت بعض الحكومات الغربية مع "إسرائيل" وخلفها، في هذه السياسة المخالفة لكلّ الشرائع والقوانين الدولية التي تُقرّ حقّ الشعوب في مقاومة المحتلّ.

لكن هذه السياسة الإسرائيلية ليست جهلاً بدروس التاريخ وحقائق الشرائع الدولية، بل هي استمرار في المراهنة على القائم عربياً وفلسطينياً من صراعات وانقسامات. إذ هل كان ممكناً أن تقوم "إسرائيل" بهذا الحجم الكبير من القتل والتدمير في قطاع غزّة (كما فعلت سابقاً عام 2006 في لبنان)، لو لم تكن هناك موافقات ضمنية من بعض أطراف المنطقة على إنهاء ظاهرة المقاومة الفلسطينية المسلّحة؟

فلو كان في حسبان "إسرائيل" أن عدوانها على قطاع غزّة سيؤدّي إلى تعديلٍ مثلاً في موقف قيادة السلطة الفلسطينية، وإلى إعلان هذه السلطة عودتها إلى نهج المقاومة ضدّ الاحتلال، هل كان ل"إسرائيل" أن تقوم بمغامرتها العسكرية هذه؟! ولو كانت "إسرائيل" تحسب أنّ عدوانها على لبنان ثمّ على قطاع غزّة، سيدفع الدول العربية والإسلامية التي تقيم علاقات مع "إسرائيل" إلى قطع هذه العلاقات ووقف كلّ أشكال التطبيع معها، هل كانت "إسرائيل" لتتحمّل هذه الخسارة السياسية والاقتصادية الكبرى مقابل عدوانها؟!

المشكلة الأساس كانت وستبقى في ما هو حاصلٌ فلسطينياً وعربياً من مواقف وانقسامات وصراعات، يبني عليها العدوان الإسرائيلي. وهي في تنازلات عربية وفلسطينية جرت وتجري في المحافل الدولية، وفي المفاوضات والاتفاقيات مع "إسرائيل". فلِمَ، في الحدّ الأدنى، لا تشترط الحكومات العربية على مجلس الأمن وأطراف اللجنة الرباعية، اعتبار "إسرائيل" دولة محتلّة؟! فهذا توصيف حقيقي ينزع الشرعية الدولية عن المحتلّ الإسرائيلي ويضمن، متى فشل أسلوب المفاوضات، حقّ المقاومة.

لقد انتقل الصراع العربي/ الإسرائيلي من تقزيمٍ له أساساً بالقول إنّه صراع فلسطيني/ إسرائيلي، إلى تقزيمٍ أكبر بوصفه الآن صراع "إسرائيل" مع «منظمات مسلّحة»! فالطرف العربي المفاوض قبِل بتجزئة الجبهات العربية، وبإلغاء مقولة «الصراع العربي/ الإسرائيلي» أو شمولية المسؤولية عن القضية الفلسطينية، فتحوّلت المعاهدات مع "إسرائيل" إلى تسويات جزئية منفردة، استفادت منها الحكومات الإسرائيلية كي تمارس حروباً وضغوطاً أكثر على الفلسطينيين وعلى الجبهات الأخرى التي لم تشملها بعدُ مثل تلك التسويات.

لذلك، فإنّ المراهنة على دور أميركي «نزيه ومحايد»، يتطلّب أيضاً تحسين الواقع التفاوضي الفلسطيني والعربي، بل تغيير نهج معتمد منذ أكثر من ثلاثة عقود. فواقع الحال الفلسطيني والعربي عموماً، لا يمكن أن يشكّل الآن قوّة ضاغطة، لا على الحكومة الإسرائيلية ولا على الموقفين الأميركي والأوروبي. فالقضية ليست ما تريده إدارة أوباما وما قد تفعله، ففي الاحتمالات كلّها هناك مسؤولية كبيرة تقع على الفلسطينيين خصوصاً، وعلى العرب عموماً، وبداية الطريق تكون بوحدة الموقف الفلسطيني، على أسس تجمع بين السير في المفاوضات وبين الحرص على نهج المقاومة.

أمّا عربياً، فإنّ الحدّ الأدنى المطلوب الآن للتعامل مع «عواصف نتانياهو» و«ضبابية أوباما»، يكون في رفض أي شكل من أشكال الاعتراف ب"إسرائيل" أو التطبيع معها، قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وتحرير الأراضي المحتلّة، وفي دعم التوافق الفلسطيني على برنامج وطني توحيدي.

إنّ شعار «الوطن أولاً» الذي رفعه بعض الأطراف العربية، لم يكن من أجل تحريض المواطنين على الولاء الوطني أولاً والتخلّي عن الانقسامات الداخلية القائم معظمها على انتماءات طائفية أو مذهبية أو أصول إثنية، بل كان الشعار وما زال يطرح ويستخدم لتبرير الابتعاد عن الصراع العربي/ الإسرائيلي، والتخلّص من الواجب الديني والقومي في المساهمة في تحرير الأراضي المقدسة في فلسطين. كما جرى استخدام هذا الشعار (الوطن أولاً) في مواجهة دول عربية أخرى، وليس طبعاً في مواجهة "إسرائيل" وأطماعها في الأرض والثروات العربية!

الحكومات العربية أجمعت مؤخراً على مقولة: «السلام مقابل الأرض»، فلم يتحقق السلام ولم تتحرر الأرض! لكن انتصار المقاومة اللبنانية في إجلاء الاحتلال الإسرائيلي عن لبنان في أيّار/ مايو العام 2000، أوجد خياراً من نوع آخر في الصراع مع "إسرائيل" وحرّك نبض الشارع العربي عموماً.

والفلسطينيين في الأراضي المحتلة خصوصاً. فأصل مقولة «الأرض مقابل السلام» يعود إلى ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء إسرائيلي عام 1948)، وهي مقولة لم تحدّد حجم مساحة الأرض التي ترغب "إسرائيل" في «التنازل» عنها، بينما لا حدود ولا آفاق لحجم مضامين «السلام» وأثمانه المطلوبة إسرائيلياً.

أمّا المقاومة اللبنانية فإنها كانت - ولا تزال - واضحةً في حجم وحدود الأرض اللبنانية المطلوب الانسحاب منها (بما في ذلك مزارع شبعا)، وأنّ تحرير هذه الأرض لا يفرض ثمناً إلا كفاحاً شجاعاً من أجل التحرير.

فانتصار المقاومة اللبنانية العام 2000 هو انتصار لمقولة «الأرض مقابل المقاومة»، وفي هذا الانتصار حيوية لنهج جديد في المنطقة، هي حيوية الرفض للذلّ والاستهتار والاحتلال، حيوية المقاومة والانتفاضة لاستعادة الأرض والكرامة. حيوية تضع خطاً فاصلاً بين اليأس من واقع المفاوضات، وبين اليأس من إمكان تصحيح هذا الواقع، بحيث يستطيع الشارع العربي أن يميّز بدقّةٍ الآن بين ما هو ميؤوسٌ منه وما هو مطموحٌ إليه، عن طريق رفض الاستسلام للأمر الواقع.

هذه هي «الواقعية الجديدة» التي أفرزتها تجربة المقاومة اللبنانية، التي تحتفل الآن بمرور عقدٍ من الزمن على انتصارها، ثمّ في حفاظها على هذا الانتصار رغم صعوبة الظروف المحلية والإقليمية والدولية، طيلة السنوات العشر الماضية. «واقعية» ترى مصدر العجز وسبب المشكلة في الواقع المرفوض، فتعمل على سدّ العجز وتجاوز المشكلة «واقعية» ترفض التراوح المذِل في المكان نفسه، فتتحرّك بإقدامٍ وصبر وعزيمةٍ وثقة بالله وبالأمّة وبالنفس، فتنتصر رغم حجم التحديات.

مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن


نقلا عن المركز الفلسطيني