مشاهدة النسخة كاملة : استقالة بايكال وفرصة التغيير


أبوسمية
05-20-2010, 07:56 PM
استقالة بايكال وفرصة التغيير




محمد نور الدين


مرة جديدة تحفل الساحة التركية الداخلية بتطورات مهمة تفتح على احتمالات تغير المشهد السياسي في اتجاهات مختلفة عن المشهد الحالي .



لا شك أن مرور الإصلاحات، باستثناء مادة تعديل شروط إغلاق الأحزاب، في البرلمان التركي يعتبر محطة أولى على طريق إقرارها لاحقاً . والمحطة الثانية كانت في مصادقة الرئيس التركي عبدالله غول وبسرعة قياسية لم تتجاوز الخمسة أيام على التعديلات رغم أن المهلة الممنوحة له هي أسبوعان، وهذا يعكس الشعور بالحاجة إلى إنهاء هذا الملف الذي تأخر إنجازه .



أما المحطة الثالثة المهمة في هذا المسار فقد تكون حاسمة . حزب الشعب الجمهوري قدّم بالتعاون مع نواب آخرين طعنا بالإصلاحات إلى المحكمة الدستورية لاعتبارها متناقضة مع الدستور في مواده المتعلقة بالعلمنة .



الآن تتجه الأنظار كلها إلى المحكمة الدستورية فإن وافقت على مضمون الطعن وأبطلت الإصلاحات أو جزءاً منها، فسوف تعود المعركة بين دعاة الإصلاح ومعارضيه إلى نقطة الصفر، وسوف يجري البحث عن سبل أخرى لدى حزب العدالة والتنمية لكيفية مواجهة العراقيل، وربما يكون ذلك بإعداد دستور جديد شامل لطرحه على استفتاء شعبي .



أما إذا مرت التعديلات في المحكمة الدستورية، فسوف يكون الطريق مفتوحاً أمام طرحها على استفتاء شعبي يحتمل أن يكون في منتصف تموز/يوليو المقبل أو بعده بشهرين .



الإصلاحات لم تعد مخفية فهي تشكل، إن نجحت، انقلاباً في موازين القوى الداخلية لصالح الحركة التغييرية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، والتي خرج منها وللأسف قادة الحركة الكردية عندما عارضوها بالجملة، على رغم أنها تفيد نضال الأكراد في العديد من الجوانب، وأفضل من أن يبقوا في ظل الوضع الراهن .



ولعل أهم ما في هذه الإصلاحات أنها تكسر استبداد القضاء بالحياة السياسية بطريقة لا تقل عن تجاوزات العسكر بانقلاباتهم العسكرية السابقة . كما أنها تقلل من طغيان الذهنية العسكرية بالسماح بمحاكمة عسكريين أمام المحاكم المدنية .



الاستطلاعات كلها تشير إلى أن الإصلاحات إن وصلت إلى مرحلة الاستفتاء سوف تنال ما لايقل عن ستين في المائة . لكن من الآن وإلى حينها ستنشغل تركيا بتطورات ديناميكية غير مسبوقة، ومع أن القضية محلية لكنها تتجاوز بتداعياتها وتأثيراتها إلى مستقبل تركيا ودورها ومكانتها في الخارج أيضاً .



فللمرة الأولى يسقط زعيم سياسي مزمن في فخ فضيحة جنسية مع نائبة من حزبه، الزعيم هو دينيز بايكال والنائبة هي نسرين بايقوت . بايكال في الثانية والسبعين في العمر وبايقوت في الخمسين .



ليست الفضيحة الجنسية الأولى لرجل سياسي في العالم؛ فقد سبقه الكثيرون من جون كينيدي إلى سيلفيو برلسكوني وبيل كلينتون وغيرهم الكثير، لكن فضيحة بايكال جاءت في لحظة حساسة من المشهد السياسي في تركيا وفرصة ذهبية للتغيير .



بايكال نفسه اتهم الحكومة بأنها الوحيدة القادرة على امتلاك أدوات التنصت والتصوير في غرفة في فندق وبهذه الطريقة، غير أن رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان وصف اتهامات بايكال بأنها، بقدر فعلته، شنيعة وغير أخلاقية ومنحطة .



لم يشأ بايكال أن ينهي حياته السياسية بالاستقالة من رئاسة الحزب فقط والاعتراف بفعلته، بل أراد أن يوظف حتى فضيحة أخلاقية وهو المتزوج من أجل التشويش على مسيرة حزب العدالة والتنمية .



بعض المتابعين كتب في تركيا أن لكل إنسان جوانب ضعيفة من شخصيته توقعه في الخطأ، لكن خطأ بايكال كان خطيئة لأنه وجّه ضربة قاسية إلى دعاة التمدن الذين يتهمون الإسلاميين بالتخلف، ويريدون منهم أن تخلع نساؤهم الحجاب، فإذا بحجاب الأخلاق هو الذي يسقط عن بايكال ودعاة التغريب الذين وقفوا ضد الإصلاحات التي تتم وفقاً للشروط الغربية نفسها ومع ذلك وقف بايكال يعارضها بشدة .



وإذا كانت مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن أفضل درس يمكن أن يؤخذ منها هو أن يغيّر “حزب الشعب الجمهوري” سلوكه، ويمد يده إلى حزب العدالة والتنمية ليعملا على تأسيس تركيا حديثة وديمقراطية وحرّة، تحترم حقوق الإنسان بدلاً من أن تستنزف هذه البلاد الكبيرة بطاقاتها في معارك وقضايا هامشية . أما إذا استمر سلوك الحزب بعد بايكال كما كان عليه معه، فلينتظر الحزب تراجعاً في شعبيته، لأن التاريخ والتقدم لا يرحمان ولا ينتظران المتخلفين عن الركب .



إنها فرصة للتغيير، وسيكون عملاً تاريخياً أن يلتقط اليسار التركي هذه الفرصة ليكون إلى جانب العدالة والحريات .

نقلا عن الخليج الإماراتية