مشاهدة النسخة كاملة : نظرية في التدافع و التوازن الطبيعي


أبو فاطمة
05-19-2010, 05:26 PM
نظرية في التدافع و التوازن الطبيعي
/ الشيخ ولد حمادي

بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى : " وَ لَوْلاَ دَفْعُ اللهِ الْنَاسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَ لَكِنَ اللهَ ذُوُ فَضْلٍ عَلَىَ الْعَالَمِينَ " البقرة 251 , وقال تعالى :" وَ لَوْلاَ دَفْعُ اللهِ الْنَاسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعُ وَ صَلَوَاتُ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيَهَا إِسْمُ اللهِ كَثِيرَاًُ " الحج 40 .
إن نظرية التوازن الطبيعي بين مكونات المجتمع تقوم على فلسفة التدافع و الانخراط في ديناميكية وطنية تحفظ التماسك المجتمعي وتغذي الوعي العمومي وتضع الدولة أمام مسؤوليتها في حماية التنوع , و إطلاق المبادرات التواصلية وفتح النقاشات الجادة من أجل توسيع دوائر المشترك.
أما نحن المواطنين فتضع كل واحد منا في مواجهة الآخر الذي من حقه أن يعبر عن آرائه و يبث إيديولوجيته و ينشر معتقداته التي قد نختلف معها , بل قد تصدمنا لغرابتها و تطرفها و شذوذها و يبقى المتاح أمامنا هو المجاهرة بآرائنا و الدفع بأفكارنا إلى ساحات النقاش و فضاءاته ؛ وهذا التدافع هو سر التوازن وآليته , وكل من لا يشارك في هذه العملية إنما يفسح المجال أمام الآخرين ليملؤا الفراغ الذي يتركه ويشغلوا المساحات التي يخليها , ويترك المجال لأفكارهم و آرائهم لكي تقود المجتمع إلى ما لا يريد.
و إذا أردنا أن نشرح بطريقة رياضية فكرتنا عن التوازن الطبيعي بين مكونات المجتمع , وتشتتها حسب التوجهات الفكرية و الانتماءات الأيديولوجية فإننا نستطيع تمثيلها بيانياًُ على شكل منحنى التوزع الطبيعي المعروف بمنحنى غوس ( أو الجرس ) ففي المركز الأغلبية التي تنحو نحو الاعتدال و التوسط في اختياراتها و توجهاتها , أما في الأطراف فهناك دائماً أقلية تندفع باتجاه اليمين وأخرى باتجاه اليسار ويبقى التدافع و التجاذب هو سمة العلاقة بين هذه المجموعات وهو ما يحفظ للمنحنى توازنه الديناميكي الدقيق , وتلك هي حال المجتمع السوي السليم الذي تنفتح مكوناته على بعضها البعض لتتواصل دون أن تفصل بينها أسوار السياسة ومتاريس الايديولوجيا , حيث يشغل كل مواطن نقطة على هذا المنحنى محققاً بذلك معادلة الانتماء للوطن.
إن التنوع ظاهرة طبيعية وكما هو سر من أسرار بيئتنا فهو أيضاً جزء من طبيعة مجتمعنا , ولا نعني فقط التنوع في الأعراق و الأجناس والألوان و اللغات بل نعني التنوع في الآراء والمعتقدات و في التوجهات و المذاهب الفكرية و الإيديولوجية داخل المجتمع الواحد .
أما إذا أردنا أن نشرح الفكرة بمثال موريتاني فنستطيع تشبيه الوطن بالخيمة التي تشدها حبال من اليمين وأخرى من اليسار وترفعها ركيزتان في الوسط لتبدو منتصبة و متوازنة و إذا ألغينا أحد مكوناتها وقعت فوق رؤؤسنا , وكذلك الوطن فهو مدين ببقائه لكل مكوناته و أطيافه و ما يتم استئصاله أو إقصاءه يعود على النحو الاسوء و الأكثر تطرفاً .
ولذلك فمن الضروري الاعتراف بالتيارات و الجماعات المختلفة واحترام تطلعاتها وطموحاتها باعتبارها مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع لها حقوقها وعليها واجباتها .
فلا جدوى إذاً من محاولات إلغاء الآخر الذي هو شريكنا في الوطن بل الأجدى هو فتح خطوط التواصل بين مختلف المشروعات الوطنية وبناء علاقات التعايش و التبادل و إظهار كل ما هو مصلحة مشتركة ومنفعة عامة .
و في الأخير فإن التاريخ يقدم لنا أمثلة لا تحصى لأمم عطلت آليات التدافع و قضت على أشكال التنوع فدالت دولها و انقرضت حضاراتها ؛ وخلال القرن الماضي فقط سببت الإيديولوجيات الاستئصالية و الاقصائية كالفاشية و النازية و الشيوعية السوفيتية حروباً و كوارث و تركت جرحاً إنسانياً عميقاً , وكانت وبالاً على الدول التي ظهرت فيها و في النهاية اندثرت لأنها كانت تحمل في طياتها بذور فنائها .
لقد آن الأوان ليحمل كل طرف الآخر على محمل الجد , و أن نفهم أن احترام التنوع وقبول الشراكة والاعتراف بالتطلعات المتناقضة للأفراد و الجماعات ليست ترفاً يمارسه السياسيون و إنما هي حاجة و واجب و شرط من شروط بقائنا وهو ما لا يتم إلا بعقلية التفاعل و التوسط ولا يقوم إلا على منهج الإقناع بدل الإخضاع , لأن كل نصر نحققه من خلال إلغاء الآخر أو إخضاعه هو نصر زائف ومؤقت ويقود إلى الكارثة .
ختاماً قد يقول قائل أليس ما تدعو إليه هو الديمقراطية؟ و الجواب هو نعم ! إنها الديمقراطية بعينها ما نطالب به ولا نرضى بأقل منه ؛ ولكن في انتظار أن تصبح واقعاً ملموساً في أوطاننا فإننا ندعوا إلى وقف التجريف السياسي الذي يمارس داخل مجتمعاتنا فيقضي على تنوعها الجميل.

نقلا عن السراج الإخباري