مشاهدة النسخة كاملة : لا طالبان ولا أردوغان.. بل حماس


أبوسمية
05-19-2010, 02:31 PM
لا طالبان ولا أردوغان.. بل حماس

فارس الظاهر


في الدراسة التي كتبها البروفسور يزيد صايغ تحت عنوان (ثلاث سنوات من حكم حماس في غزة) والصادرة عن مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديز؛ حيث قام مركز الزيتونة في بيروت بترجمتها مشكوراً، يشير إلى نفي قيادات حماس عن نيتها فرض مشروعها الإسلامي على القطاع بالإكراه مؤكدة –أي تلك القيادات- أن نموذج الحكم الذي تطمح إليه حماس هو النموذج التركي المتمثل في حكومة حزب العدالة والتنمية لا النموذج الطالباني، ملخصة رؤيتها بالقول: (أردوغان لا طالبان)، بل إن البروفسور يزيد صايغ في دراسته وفي سياق حديثه عن السياسات الشمولية لحماس في إدارتها للقطاع تساءل في ثنائية قاطعة غريبة في عنوان فرعي قائلاً: (أردوغان أم طالبان؟)

وعلى الرغم من عدم تحديد البروفسور صايغ لصاحب تلك المقولة من بين قيادات حماس، فإنه ذكر كلاً من الدكتور احمد يوسف والدكتور غازي حمد في السياق كمؤيدين لهذا الاتجاه، والحق أنني لم أسمع الدكتور غازي حمد أو اقرأ له أو نقلاً عنه تصريحاً بهذه الحدة والمباشرة والقطع عن الرؤية الفكرية والسياسية الموجهة لحماس في إدارتها للحكم وتنزيل مشروعها الإسلامي بين الناس، وإنما قرأت للدكتور أحمد يوسف حديثاُ في مقالات كتبها لصحيفة القدس في مرات مختلفة عن قرب حماس في رؤيتها السياسية من نموذج أردوغان وإعجابه بتلك التجربة ورغبته في استنساخها في فلسطين، كما قرأت كلاماً منقولاً عن الدكتور أحمد يوسف قيل أنه صرح به في ندوة أقامتها حركة حماس في محافظة رفح في نهاية العام المنصرم ومضمونه: "إن حركة حماس أكدت مراراً للمجتمع الدولي أنها تنتهج نهج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أوردغان وليس نهج حركة طالبان"، ولأنني لم أسمع تلك التصريحات من الدكتور مباشرة أو اقرأ نصها بالكامل فإنه لا يمكن لي التثبت من قصد الدكتور على نحو تطمئن إليه النفس، ولا يمكن لي الجزم أن مراده حشر حماس سواء في أدائها السياسي أو إدارتها الحكومية أو مرجعيتها الفكرية أو ذلك كله معاً بين نموذجين لا ثالث لهما وهما طالبان وأردوغان، فلعله لم يقصد أكثر من التأكيد على سعة ومرونة حماس ونفي تماثلها أو تشابهها مع طالبان، خاصة مع التباس الرؤية لدى الغربيين وعدم قدرة بعضهم على فهم حماس، ومع حملة التشويه التي تبنتها السلطة وقيادة فتح ومن شاركها من مؤسسات سياسية وإعلامية عربية وصهيونية وغربية في الحديث عن عزم حماس على إنشاء إمارة (ظلامية) في قطاع غزة.

على أية حال فإن ما يظهر من فهم البروفسور صايغ في دراسته وفقاً لهذه المقولة هو حشر حماس بين نموذجين متباينين لا ثالث لهما في خطأ منهجي وواقعي يتحمل مسؤوليته من أطلقه ابتداء وأصر عليه في أكثر من مقام، إذ أن ما يترجح لدي من مجموع ما مررت به من مقالات ومقولات للدكتور أحمد يوسف رغبته المطلقة في استنساخ تجربة (أردوغان) –كما يسميها- بكل جوانبها.

ثمة خطأ نظري ومنهجي بين في هذه المقاربة التي تختزل الحالة الإسلامية في أبيض وأسود وحسب، بعرض نموذجين متباينين جداً لا وسط بينهما، الأمر الذي يتضاد مع الموضوعية التي ترفض هذا القطع الحاسم في تصور الأشياء، ومن باب أولى رفض هذه الثنائية في عالم السياسة والأفكار إذ أن هذين العالمين أشد رحابة وسعة من أن يملأهما نموذجان متخالفان لا وسط ولا تدرج بينهما؛ فألا تكون كأردوغان –بحسب هذا التصور- يعني أن تكون طالبانياً، وألا تكون كطالبان يعني أن تكون أردوغانياً! فمن الذي يسلم بهذا المنطق العجيب، ويضيق ما جعله الله واسعاً؟ هل الدنيا هكذا حقاً، وهل حماس بين أن تكون كهذا أو كذاك؟

فضلاً عن كون الحالة الإسلامية أصلاً أكثر ثراء وتنوعاً في المجال الفكري والرؤية السياسية بما يتجاوز هذين النموذجين الحديثين نسبياً، وإن كان لهما حق الصدارة في الدراسة والإشارة بحكم كونهما النموذجين السنيين الوحيدين في الحكم في حال أسقطنا التجربة السودانية وسلمنا جدلاً بإسلامية حزب العدالة والتنمية بالمعنى المتبادر إلى الذهن حين إطلاق مصطلح (الإسلامية) على الرغم من نفي قيادة الحزب لصفة الإسلامية عن حزبها بهذا المعنى المشار إليه، وتأكيدها على علمانية الحزب.

أما على المستوى الواقعي فإن تجربة كل من طالبان أو أردوغان إنما هي بنت بيئتها، ودراستها ونقدها وتقييمها ينبغي أن ينطلق ابتداء من تلك البيئة، فما تحمله طالبان من قناعات فقهية وتصورات فكرية لم يكن مقحماً على بيئتها الأفغانية أو على بيئة شبه القارة الهندية عموماً، ففقه طالبان هو فقه المدرسة الديبندية الحنفية المنتشر في شبه القارة الهندية والذي تلتزمه طالبان على نحو صارم، علماً بأن طالبان في الأصول تختلف عن حلفائها من الجهاديين العرب الذين اعترضوا-نظراً لاعتقاداتهم السلفية- على ماتوريدية طالبان ومراعاتها للتصوف المنتشر في أفغانستان عموماً، بل على المستوى السياسي اختلفت طالبان مع حلفائها الجهاديين العرب حين أقامت علاقات دبلوماسية في بداياتها مع كل من السعودية والإمارات وباكستان وهي دول تعتبرها القاعدة وما يسمى بالسلفية الجهادية عموماً دولاً (طاغوتية) وسعت طالبان للاعتراف بها في الأمم المتحدة والتي تحكمها قوانين (طاغوتية شركية) بحسب تلك السلفية الجهادية أيضاً، وكان لطالبان وزير خارجية وسفراء ودبلوماسيون يسعون لفتح قنوات وعلاقات مع جهات وأنظمة تعتبرها القاعدة ومن في فلكها طاغوتية وكافرة، كما أنها قبل الاحتلال الأمريكي وبعده تحصر جهادها على الأرض الأفغانية بخلاف القاعدة وطالبان باكستان.

فطالبان إذن هي بنت بيئتها ولم تكن صنيعة فكر خارجي فرض على المجتمع الأفغاني ولا يصح بحال نقدها وتقييمها بإغفال هذا الأساس المهم، وهذا ما يمكن قوله عن تجربة أردوغان والتي استوعبت التجارب الإسلامية التركية الماضية في صراعها المرير مع نظام علماني فريد في فولاذيته، ونخبة علمانية نافذة ومتغولة، ومجتمع تركي متغرب تكاد تقتصر صلته بالدين على شعائر شكلية من قبيل تغسيل الميت ودفنه على الطريقة الإسلامية وقراءة الفاتحة على قبره فيما يشبه صلة المجتمعات الأوروبية بمسيحيتها إلى حد ما، وهو الأمر الذي لا تكاد تجد له مثيلاً في عالمنا العربي، فحتى أكثر المجتمعات العربية تغرباً وتؤثراً بالاستعمار ينتشر فيها التدين بمستوياته المختلفة، حتى في تلك المجتمعات الأكثر تحرراً من قيم الإسلام نجد ما يقابل ذلك التحرر التزاماً عميقاً بتلك القيم شكلاً ومضموناً وحرصاً على تعظيم حرمات الله وشعائره على نحو يكاد يساوي أو يفوق ذلك التحرر حتى في المدن والحواضر وليس فقط في الأرياف المحافظة تقليدياً، فضلاً عن كون النخب العلمانية المتطرفة في عالمنا العربي معزولة في الغالب عن الجماهير بينما شوّهت العلمانية التركية فهم الجماهير التركية للدين، أما على المستوى الرسمي فإننا لا نكاد نجد دستوراً عربياً لا ينص على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي من مصادر التشريع بخلاف الدستور التركي العلماني المتطرف، بل حتى النخب الحاكمة في عالمنا العربي وعلى الرغم من نمط حياتها المتغرب وسياساتها المناوئة للحركة الإسلامية وممالأتها للغرب نجدها تدرك أن من مقومات مشروعيتها إظهار إسلامها بشكل أو بآخر، فالحاكم في المغرب هو أمير المؤمنين وراعي الدروس الحسنية، والحاكم في ليبيا يؤم المسلمين في بعض الصلوات ويخطب فيهم وله آراء في الإسلام والفقه، وحاكم السعودية هو خادم الحرمين الشريفين، وحاكم الأردن هو سليل الأسرة النبوية وخادم المسجد الأقصى المبارك، بل إن في كل بلد عربي –بما في ذلك تونس- مثال على حرص الحاكم على إظهار إسلامه وتدينه؛ مما لن تجد له مثيلاً في تركيا، مما يجعل التجربة التركية خاصة إلى حد بعيد، هذا في حال رجّحنا أن أردوغان يحمل مشروعاً إسلامياً يهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية في تركيا على غرار تلك المشاريع التي تحملها الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي مع الاختلاف في الأسلوب الذي يختفي وراء علمانية مدعاة مراعاة للخصوصية التركية، إلا أن هذا الترجيح لا يتجاوز التحليل ولا يمكن الجزم به، وهو غالباً ما يكون رغبوياً صادراً عن مجرد عواطف وأمنيات وإعجاب مبني على إحسان الظن.

فمجرد الدعوة لاستنساخ تلك التجربة دون مراعاة الفوارق بين الظروف التركية في الجوانب كلها وظروف مجتمعاتنا العربية بما في ذلك فلسطين هي دعوة ساذجة مسلوبة الذات والفكرة أمام الانبهار الطفولي بنموذج العدالة والتنمية (أو نموذج أردوغان كما يسميه الدكتور احمد يوسف)، هذا فضلاً عن الزعم أصلاً بأن نهج حماس هو عينه نهج أردوغان مما يخالف الواقع والمشاهد بل حتى انتقادات أردوغان نفسه لبعض أوجه سياسة حماس.

أي شيء أبرز طالبان وأردوغان كنموذجين للدراسة أو الاقتداء غير أنهما جرّبا في الحكم؟ بينما قبل ذلك لم يكن يدري بهما احد خارج نطاق حدود بلديهما، بخلاف حماس التي أشهرتها مقاومتها للاحتلال، وهي الآن لها تجربتها الخاصة في الحكم في ظروف خاصة جداً لم يكن لها مثيل في أفغانستان حيث حكمتها طالبان وهي خالية من الاحتلال الأجنبي وحيث اقتصر صراعها في حينه مع قوى محلية لا أجنبية، ولا في تركيا الدولة المستقلة والكبيرة الضخمة، فحماس اليوم لها تجربة حكم خاصة وفريدة إذ أنها واقعة تحت الاحتلال وإدارتها ليست إدارة لدولة وإنما لسكان محاصرين، بينما شقها الآخر (أي حماس) واقع تحت إدارة أخرى معادية لها (إدارة السلطة برئاسة كل من عباس وفياض) وواقعة بشكل مباشر تحت الاحتلال، فهي حركة حاكمة ومحكومة ومقاومة للمحتل في آن واحد وهو نموذج لا أعرف له مثيلاً ولا شبيهاً.

فكما أن طالبان بنت بيئتها، وكما أن العدالة والتنمية اختط لنفسه طريقاً يناسب البيئة السياسية والاجتماعية التركية الخاصة، وكما أن حماس اجترحت لنفسها مساراً خاصاً بها في الدعوة والفكر والجهاد وقد كانت حركة مقاومة خالصة لم تعان بعد تحمل مسؤولية الحكم أو الإدارة العامة للشعب أو لقطاع كبير منه، فإن المنطق السليم يقضي بأن يكون لحماس نموذجها الخاص في الإدارة والحكم يناسب ظروفها وواقعها وطبيعة شعبها والقيم السائدة فيه فضلاً عن الأفكار التي تحملها الحركة والرؤى والتصورات التي تتبناها قواعدها؛ ليكون لدينا نموذج جديد إضافة للنماذج الأخرى المذكورة، وهذا لا يمنع أبداً أن تستفيد حماس من تجارب الآخرين حيث أمكنت الاستفادة، بل هذه ضرورة لا بد منها وقد باتت من المسلمات إذ الحكمة ضالة المؤمن، فالذي نرفضه إطلاق دعوى التماثل مع الآخرين أو الدعوة لاستنساخ تجاربهم لما في هذه الإطلاقات المرسلة من عوار سبق بيانه، وتسطيح شديد، واختزال ضيق، وانبهار بدائي بالآخرين لا يقوم على ساق قوية وليس له أساس متين يبنى عليه شيء مفيد.

لم يكن أردوغان أول من قال –من بين الإسلاميين- باحترام إرادة الإنسان، والالتزام بحقوقه، والقبول بالتعدية الحزبية والشراكة السياسية والتداول السلمي للسلطة، بل هذه قناعات فقهية وفكرية وممارسات سياسية للحركة الإسلامية سابقة بسنوات كثيرة في العالم العربي والإسلامي لتجربة أردوغان، وتبني حماس لهذه القناعات والممارسات لا يعني بحال أن حماس نسخة فلسطينية من حزب العدالة والتنمية التركي، كما أن المرونة التي تتمتع بها حماس وفق مقاصد الشريعة وأصول السياسة الشرعية المعتبرة لا تعني بحال أن تتسع إلى درجة يتم فيها تجاوز الثوابت الأساسية التي انطلقت من أجلها الحركة وغدت مبررات وجودها؛ بحجة أن حماس إن لم تكن كحزب العدالة والتنمية فإنها ستكون بالضرورة كطالبان! وبحجة أن حزب العدالة والتنمية بات نموذجاً (إسلامياً) صالحاً للاقتداء في ظل انعدام التجارب الأخرى سوى طالبان!

وفي هذا السياق قد يكون من الضروري الإشارة العاجلة إلى بعض تلك الثوابت التي لا يمكن قبول تجاوزها من خلال تسويق نموذج أردوغان ومحاولة إلزام حماس به:

1. لا يصح التنازل عن شبر واحد من فلسطين الانتدابية عبر الاعتراف بـ "إسرائيل"، وأن أية مقاربة سياسية لاختراق الحصار والعدوان على الحركة لا يجوز أن تمس هذا الثابت، كما أن تجربة الانتخابات ومن ثم الحكم ومن ثم الحسم العسكري كلها كانت لخدمة المقاومة فلا يصح لإمضاء تجربة الحكم إسقاط المقاومة أو التخلي عن الثابت الأساس الذي انطلقت من أجله هذه المقاومة وهو الحفاظ على حقنا وحق أجيالنا القادمة في كل فلسطين ونزع الشرعية عن الكيان الغاصب وتأكيد غصبه لكل أرضنا.

2. حق العودة هو حق وطني عام وليس حقاً شخصياً لكل لاجئ ونازح، وهذه القضية تندرج في إطار التأكيد على حقنا في كل فلسطين وإنكار شرعية الكيان الغاصب، أما التعويض فهو حق بدل التهجير والعدوان والاعتداء على الأرض طيلة سنوات اللجوء، وليس بديلاً عن العودة أو الأرض المغتصبة، أما اعتبار حق العودة حقاً شخصياً وقبول التعويض بدل العودة فإنما هو في حقيقته بيع للأرض، ولا فرق في ذلك بين بيع الأرض في الضفة لليهود، أو بيع الأرض لهم في فلسطين المحتلة عام 48 طالما أن حماس لا تقر بشرعية هذا الكيان الغاصب، ومن رغب عن العودة إلى فلسطين فليس من حقه قبض ثمن أرضه وتحويلها إلى العدو الغاصب، وإنما تبقى أرضه ملكاً للفلسطينيين كلهم.

3. إن أي سلوك سياسي بما في ذلك التهدئة أو الهدنة ينبغي أن تدور في إطار المقاومة، فتكون التهدئة أو الهدنة عملاً مقاوماً، مما يعني أن المقاومة فكراً وإعداداً حاضرة لا تغيب، أما ممارسة فهي خاضعة للتقدير السياسي والإمكانية الميدانية، وهذا يعني أن المقاومة ثابت طالما بقي هناك احتلال، وأن تجريد الحركة من قدراتها العسكرية، أو التوقف عن الإعداد والبناء والتنظيم العسكري والاستعاضة عن ذلك بمجرد العمل السياسي هو مس بثابت أساسي من ثوابت الحركة، وإغفال لطبيعة الصراع، وطبيعة العدو المتربص، بل تجرد من العقل وضروراته كالفطنة والبداهة واليقظة.

4. الحركة ذات مشروع إسلامي واضح وصريح، وهي وإن كانت لن تفرض مشروعها على الناس ولن تكرههم عليه، فإنها لن تتخلى عن هويتها الإسلامية، ولن تنكر أنها ذات مشروع إسلامي، وليس في هذا ما يخيف الناس، وليس ثمة ضرورة للمراوغة في هذه القضية، بل إن خوف الناس من مشروع الحركة موهوم وهو لا يعدو خوف نخب معزولة، أو مادة للمناكفات السياسية لن تضر الحركة بحال، فشعبنا مسلم، ومشروع الحركة أكثر انسجاماً مع جذور الشعب وأصوله وتراثه وقيمه وحاضره من بقية المشاريع والأجندات الأخرى، وليس للناس أكثر من أن الحركة لن تكرههم على ما لا يريدون، وهذا لن يصادر حقها في حال كانت حكومة كما في القطاع من تعظيم حرمات الله وشعائره ورعاية الدعوة وحراسة الدين ومراعاة مشاعر الشعب المسلم المتدين بطبيعته، طالما أن هذه هي جذور وهذا هو واقع شعبنا، وطالما أن الناس حينما انتخبوا الحركة واختاروها قد علموا عنها هويتها ومشروعها، بل عرفوها حركة دعوية قبل أن يعرفوها حركة جهادية أو حكومة، أما في حال كانت خارج الحكم فمن حقها أن تكون لها أدواتها ووسائلها في الدعوة دون أن يكون من تلك الوسائل الإكراه والقهر، فتمسك حماس الصريح والمعلن بمشروعها الإسلامي وعملها على إنزاله حقيقة في واقع الناس لا يجعلها طالبانية، وعدم إكراه الناس على الالتزام بمشروعها وتبنيها لرؤية فقهية وفكرية سمحة ومرنة وواقعية وإيمانها بالتعددية ومحاسبة الحاكم والتداول السلمي للسلطة لا يجعلها (أردوغانية).

- كما أن إسلامية الحركة، وعملها حقيقة على تنفيذ مشروعها الإسلامي، لا يعني تجردها من الوطنية والعروبة، إذ أن التناقض بين الإسلام عقيدة وهوية، مع الهوية الوطنية، أو الهوية العروبية، تناقض موهوم ولا يلزم الحركة، حتى لو قال به العلمانيون الذين ينفون عن حماس وطنيتها أو عروبتها، أو بعض غلاة الإسلاميين ممن يرون في وطنية حماس تجرداً من إسلاميتها، وبيان ذلك ليس هذا محله.

وختاماً فإن إلزام الناس بنموذج العدالة والتنمية التركي في مقابل نموذج طالبان حجر وتضييق وتعسف يأباه العقل وطبائع الأشياء إذ لكل بيئته وظروفه، ومن حق أي كان أن يتلمس طريقه منطلقاً من قناعات ورؤى يطمئن إليها مستفيداً من تجارب الآخرين دون استلاب أو انبهار أو تقليد أعمى أو شعور بالنقص وتنكر للذات.

نقلا عن المركز الفلسطيني