مشاهدة النسخة كاملة : نواطير مصر.. ومعركة النيل


ام خديجة
05-18-2010, 04:13 AM
نواطير مصر.. ومعركة النيل
عبد الباري عطوان


عندما كنا ننتقد بصوت عال حالة الانهيار العربي الراهن، ونحذر من خطورة عدم التصدي لها، ونحمل الحكومة المصرية وحلفاءها مسؤولية هذا الانهيار بسبب رضوخهم للاملاءات الامريكية، ومبادراتهم السلمية العقيمة تجاه اسرائيل، وعدم توظيف الامكانيات والموارد العربية في خدمة قضايا الامة، كان البعض يتهمنا بالمبالغة والتهويل، واحيانا بالعداء لمصر على وجه الخصوص.
اليوم تواجه مصر، والامة العربية بأسرها، ازمة لا تقل خطورة عن هزيمة العرب في فلسطين تتمثل في مخططات تتبناها دول منبع نهر النيل لتحويل مياهه، واعادة النظر في الاتفاقات الدولية المتعلقة بخصوص مصر والسودان دولتي المصب والممر، بدعم مباشر من اسرائيل، وغير مباشر من دول غربية بينها الولايات المتحدة.
فبعد انهيار المفاوضات التي استضافتها القاهرة، وشاركت فيها تسع دول افريقية من دول المنبع لتجديد اتفاقيتي 1929 و1959 المتعلقتين ببروتوكولات توزيع الحصص، اقدمت اربع دول افريقية، هي اثيوبيا واوغندا وتنزانيا ورواندا على توقيع اتفاق جديد حول تقاسم مياه النهر في عنتيبي الاوغندية، واعلنت اثيوبيا يوم الجمعة عن افتتاح سد 'تانابليز' لتخزين المياه وتوليد الكهرباء.
وتشير تقارير الى ان هذا السد هو 'اول الغيث' وان العمل جار على قدم وساق لانشاء سلسلة من السدود الاخرى في اوغندا ورواندا وتنزانيا علاوة على اثيوبيا نفسها، بتمويل ومساعدات تقنية مباشرة من اسرائيل و'لوبياتها' في العالم.
الشعب المصري يدفع اليوم ثمن الفشل المتراكم والمزمن لدبلوماسية النظام الحاكم، فاثيوبيا التي يأتي منها خمسة وثمانون بالمائة من مياه النيل (النيل الازرق) ما زالت تعتبر نفسها امبراطورية عظمى لها ثقل تاريخي وسياسي جعلها الدولة الاهم في شرق افريقيا، وباتت الآن محور السياسة الامريكية في هذه المنطقة، ورأس حربة لتدخلها غير المباشر في الصومال. ومن المؤسف ان دبلوماسية ابو الغيط المتعالية والمنشغلة بتكسير عظام الفلسطينيين دفعت هذه الدولة المهمة (اثيوبيا) الى احضان اسرائيل.

السيد مصطفى اسماعيل مستشار الرئيس السوداني للشؤون الخارجية الذي طار الى القاهرة على رأس وفد لمناقشة 'ما يحاك في ليل' لسلب البلدين من حقوقهما المائية التاريخية مع المسؤولين المصريين والسيد عمرو موسى الامين العام للجامعة، قال في مؤتمر صحافي 'ان قضية مياه النيل هي حياة او موت' و'ان اي اتفاق جديد حولها لن يكون له اي مفعول على ارض الواقع'.
كلام جميل، ولكن اذا نظرنا الى التطبيقات العملية له على الارض نجدها لا تعكس اي تحرك لمواجهة هذا التحدي الوجودي الخطير الذي يواجه البلدين، ومصر على وجه الخصوص.
اولا: كنا نتوقع اجتماعات طوارئ على مستوى القمة بين الرئيسين المصري والسوداني، كخطوة اولى، تتلوها خطوات لعقد قمة عربية لدول محور الاعتدال على الاقل، ولكن لا يوجد اي مؤشر حقيقي على وجود قلق مصري رسمي تجاه ما يحدث.
ثانيا: المعلومات المصرية الرسمية عما يحدث من تحركات في دول المنبع تبدو محدودة او معدومة، فقد ذكرت صحيفة 'المصري اليوم' المصرية يوم امس نقلا عن مصادر عليا 'ان جهات سيادية وسياسية مسؤولة عن ملف النيل اجتمعت امس لبحث اسلوب التعامل مع التطور الجديد، وطلب معلومات تفصيلية عن السد الاثيوبي الجديد تمهيدا لتقديمها الى الرئيس مبارك'... سبحان الله الجهات المعنية تبحث عن معلومات عن سد جديد، وكأنها فوجئت بافتتاحه، مع العلم ان بناء هذا السد يستغرق عدة اشهر فاين كانت المخابرات المصرية، ولماذا هي نشطة جدا في مطاردة المعارضين الذين يطالبون بالاصلاح وتزج بهم في السجون بعد محاكمات امن دولة بتهم ملفقة، وتغط في نوم عميق عندما يتعلق الامر بامن مصر المائي وحقوقها المائية؟
ثالثا: الاعلام المصري الذي استأسد في نهش لحم الجزائريين اثناء 'واقعة' مباراتي كأس العالم في القاهرة والخرطوم، لم يكشر عن انيابه مطلقا دفاعا عن الحقوق التاريخية المائية للبلاد، وباستثناء بعض المقالات كتبها شرفاء في صحف معارضة، تلتزم صحف الحكومة صمت القبور وكأن المؤامرة تتعلق بتحويل مياه نهر الميسيسبي، ربما لان اوامر لم تصدر لكتاب التدخل السريع للهجوم على اوغندا واثيوبيا وتنزانيا مثلما كان عليه الحال مع الجزائر ومشجعيها.
رابعا: عندما تواجه 'دولة ما' ازمة تمس العصب الرئيسي في حياة شعبها، تتجه اولاً الى تعزيز وحدتها الداخلية، واسترضاء شعبها، والبدء في عملية اصلاح جذري، وتنظف بيتها الداخلي من الفساد والفاسدين، وثانياً تنسج علاقات قوية مع دول الجوار وعمقها القومي أو الجغرافي، ولكن ما نراه في مصر حالياً هو عكس ذلك تماماً، فقد جددت الحكومة قوانين الطوارئ فجأة، واقدمت على خطوات زادت من توتر علاقاتها مع الدول العربية.

من المؤلم انه في الوقت الذي تواجه فيه مصر هذا التهديد الخطير، وتحتاج الى اشقائها العرب، نجد ان علاقاتها متوترة مع معظم الدول العربية، والافريقية منها على وجه الخصوص.
حتى لا نتهم بالتعميم، نعيد التذكير بأن علاقة مصر مع الجزائر متوترة على المستوى الشعبي قبل الرسمي، وفاترة جداً مع تونس، وجامدة او شبه معدومة مع المغرب، وسيئة مع موريتانيا لأن الاخيرة قطعت علاقاتها مع اسرائيل واغلقت سفارة الاخيرة فيها احتجاجاً على مجازر قطاع غزة، وهي مجازر صمتت عليها الحكومة المصرية، وشاركت في تعميق معاناة اهلها بتشديد الحصار.
واذا نظرنا الى الشق العربي الآسيوي، نجد ان العلاقة مع سورية 'عدائية'، ومع المملكة العربية السعودية الحليف التقليدي لمصر 'باردة'، اما مع قطر فحدث ولا حرج.
والأهم من كل ذلك، ان مسؤولين مقربين من النظام في مصر يشنون حملات اعلامية شرسة ضد القومية العربية، ويخطئون الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وسياساته الوحدوية، ويحملون الرابطة القومية هذه مسؤولية كل مصائب مصر، رغم ان آخر حرب شاركت فيها مصر من اجل نصرة قضايا الامة كانت قبل 37 عاماً نعمت فيها بالسلام الذي من المفترض ان يكون وفر الوظائف والرخاء وربما سيارة لكل مواطن مصري حسب وعود الحكومة، وليس وقوف ابناء مصر الطيبين في طوابير خبز، يقتلون فيها من شدة التزاحم او انفلات الاعصاب.
السياسة المصرية التي جرى اتباعها على مدى ثلاثين عاماً، وتقوم على 'اللامبالاة' وارضاء اسرائيل وامريكا بكل الطرق والوسائل لم تضعف مصر، وتلغي دورها، وتقلص هيبتها الى الحدود الدنيا فقط، وانما بدأت ايضاً تهدد اسباب حياة ثمانين مليون مصري في لقمة عيشهم، ولهذا يجب مراجعتها وفي اسرع وقت ممكن تقليصاً للخسائر اذا لم يتأت منعها.
محمد علي باشا اسس وحدة عسكرية للتدخل السريع لمواجهة اي تدخل يمكن ان يهدد حصة مصر من مياه النيل، هذا حدث قبل قرنين، وعندما كان عدد سكان البلاد بضعة ملايين فقط، فهل شكلت الحكومة المصرية مثل هذه القوات، او وضعت الخطط العسكرية والدبلوماسية مبكراً لمواجهة الاخطار الزاحفة بسرعة من دول المنبع؟.. نشك في ذلك فمن يطلب معلومات عن سد اثيوبي جرى افتتاحه مؤخراً لا نعتقد انه يعرف ما يجري حول منابع شريان الدم الوحيد الذي يحفظ لبلاده اسباب البقاء.
مشكلة مصر الحقيقية ليست في اعالي النيل او واطيه، وانما في 'نوم نواطيرها' عن ما يحاك لها من مؤامرات من ثعالب كثيرة ماكرة، ابرزها الحليف الاستراتيجي الاسرائيلي الذي احكم الطوق مبكراً، ووضع الخطط، ورصد الاموال والخبرات، للاجهاز على مصر وشعبها بعد ان اجهز على دورها الاقليمي والدولي.

نقلا عن القدس العربي