مشاهدة النسخة كاملة : الحاجز النفسي


ام عمار
05-16-2010, 07:43 AM
الحاجز النفسي



http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2386.imgcache.jpg

[COLOR="Green"][SIZE="4"]
عزمى بشارة

رددنا في شبابنا بسخرية عبارات من "مأثور" الرئيس المصري الراحل أنور السادات. ومنها قوله بضرورة تجاوز الحاجز النفسي مع إسرائيل كشرط للسلام. جاء ذلك في سياق تبريره لزيارته إلى القدس ومخاطبة الكنيست في مقابلاته مع باربرا وولترز، وهي التي كان يتوجه إليها بتحبب وندية لم ينلها صحفي عربي مرددا قبل كل إجابة "دِيَر بَرْبَارا"، وكان ذلك حاله مع هنري كيسنجر الذي صار اسمه على لساننا "عزيزي هنري" محاكاة للسادات.

ولكن إسرائيل لم تسخر. لقد أخذت عبارة "الحاجز النفسي" بمنتهى الجدية.

وأعترِفُ الآن ( المتكلم هو الكاتب وليس المغنية ماجدة الرومي)، أن تشخيص السادات لزيارته كان بليغا. فما كان بوسعه أن يصف ما فعل بإيجاز أدق. وكنتُ قد وُلِدتُ قبل مرور عقد على النكبة، ولكني ولدتُ في الجانب الآخر من حاجز السادات النفسي. وما أن استشعرته حتى أخذت أغادر سياسيا وثقافيا إلى الجانب العربي، وقد كانت مغادرةً مُراوحِةً في المكان، وعدّتُها مناقضة ومناهضة ومثاقفة مع من أقام مؤسساته على خرائب شعب فلسطين.

"
كانت سرقة جزء هو في القلب من الوطن العربي وتشريد شعبه والاستيطان مكانه حاجزا نفسيا نوعيا كافيا لإعاقة مقاربتها كدولة طبيعية في حالة خصومة، أو حتى كدولة جارة في حالة صراع حدودي
"
وربما كان وقع زيارة السادات التاريخية كي يخاطب الكنيست عظيما علينا وصادما لنا، لأنه فيما كنا نكتشف أحلامنا العربية وننضجها على نار الرجولة والبلوغ، وفيما كنا نتجه نفسيا باتجاه العرب، تجاوز السادات ذلك الحاجز النفسي نحو إسرائيل. فمن فينا كان "ذاهبا إلى الحج والناس عائدة". لم يجبنا التاريخ بعد. وما زال المتفائل منا يؤمن أن بوسعه صنع الإجابة.

فما المقصود بالحاجز النفسي؟ بغض النظر عن توزيعهم الأيديولوجي والسياسي تعامل العرب مع إسرائيل بعد النكبة ككائن استيطاني استعماري، وبالتالي غير طبيعي، ولا يجوز التعامل معه. (وقد كان لأكثر مما هو متوقع من السياسيين العرب مغامرات مع الوكالة اليهودية قبل النكبة، سوف يكتب عنها المؤرخون حين يزول الحرج الشرقي).

كانت سرقة جزء هو في القلب من الوطن العربي وتشريد شعبه والاستيطان مكانه حاجزا نفسيا نوعيا كافيا لإعاقة مقاربتها كدولة طبيعية في حالة خصومة، أو حتى كدولة جارة في حالة صراع حدودي. وكافيا لمنع قياس ما يجري فيها قياسا كميا لأغراض المقارنة والمفاضلة.

في تلك الظروف كانت إسرائيل تطالب العرب بالاعتراف بها. ولم يطلب أحد منها اعترافا. لم ينشغل العرب بتخمين هل سوف تشن إسرائيل الحرب؟ وكانت تشغل نفسها بمثل هذه الأسئلة. ولكنها كانت تجهز نفسها بنجاح لما يخطط لها العرب بدون نجاح.

لم يطالبها العرب بتطبيق شروط من أجل عقد السلام، فما بالك بمحاولة إقناعها أن السلام هو الضمان لأمنها.

في تلك الفترة لم ينكر أحد أنه يسلّح المقاومة، بل كان يعتبر تحرير فلسطين مهمة عربية. ودار النقاش حول حق الفلسطينيين بحمل السلاح بمعزل عن العرب الذين يحملون السلاح، وعن الحاجة إلى ذلك.

وكمنت المشكلة في طبيعة الأنظمة، وفشلها في توحيد الأمة، وإخفاقها البنيوي في بناء الدولة، وفي خصوماتها وتنابذها وتخاوفها.

وبعد خطوة واحدة من تجاوز الحاجز النفسي، لا تبقى حدود وينهار كل شيء. يصبح السلام والاعتراف مطلوبا من إسرائيل. وهي التي تهدد بالحرب.

في عصر تجاوز الحاجز النفسي يتحدث العربي عن كون السلام مصلحة إسرائيلية، وعن الاحترام المتبادل، وعن "ضمان أمن ووحدة أراضي كافة دول المنطقة".

كنت في الماضي أتفاجأ من أي تعبير عربي عن إعجاب بإسرائيل وديمقراطيتها ومؤسساتها، وأنا الذي عشت غالبية عمري داخلها، وولدت فيها. اختلفت بحدة وبرقة مع أصدقاء عرب حضروا إلى المناطق المحتلة عام 1967 في أعقاب اتفاقيات أوسلو. ولكنني كنت أصعق لدى ظهور معالم إعجاب خفيٍ أو سافرٍ بإسرائيل لدى بعضهم.

من يريد أن يعجب بديمقراطية فليعجب بغيرها. لا ينقص دول تحكمها مؤسسات، فليعجب بدولة أوروبية مثلا!! فلماذا يختار صديقي الفلسطيني العائد مع جهاز المنظمة أن يعجب ويعبر عن إعجابه بالدولة التي قامت مؤسساتها على أنقاضنا؟

"
من عبر الحاجز النفسي بقبول إسرائيل، لكي يبرر لنفسه قبول السلام والتسوية معها، لا تبقى حواجز تمنعه من الإعجاب بها, وإذا طويت النكبة في النسيان، وجرى تجاهل كيف قام كيان الصهيونية السياسي، فما الذي يمنع من الإعجاب به؟
"
هنا لب المسألة. فمن عبر الحاجز النفسي بقبول إسرائيل، لكي يبرر لنفسه قبول السلام والتسوية معها، لا تبقى حواجز تمنعه من الإعجاب بها. وإذا طويت النكبة في النسيان، وجرى تجاهل كيف قام كيان الصهيونية السياسي؟ وإذا غدا مجرد دولة طبيعية جارة مختلف معها على الأراضي التي احتلت عام 1967، فما الذي يمنع من الإعجاب بها؟ أليست دولة حديثة وديمقراطية لليهود؟ ألا تقوم بكل شيء، بما فيه مصادرة الأرض بشكل قانوني؟ ألا تقيم لجان تحقيق بعد المجازر؟ ألا تقيل قادتها وتحاكمهم على قضايا فساد؟ أليست لديها جامعات أفضل، وتأمينات اجتماعية وسيادة قانون؟

والغريب أن ما يمكن تعلمه فعلا من تجربتها ألا وهو عملية بناء الأمة من شتات وهجرات، وتجديد واستخدام اللغة العبرية والمؤسسات والجيش في بنائها، في الوقت الذي جرى فيه تشتيت الفلسطينيين وتفتيت الأمة العربية،%2