مشاهدة النسخة كاملة : مجانية الألفاظ


أبو فاطمة
05-16-2010, 01:56 AM
مجانية الألفاظ
بقلم: موسى ولد مفتاح الخير

أحيانا تجد نفسك أمام سطور نالت منك الإعجاب، وإذا بك تحتفظ بها في ذاكرة الحاسوب. أعجبتك لأنها جميلة، لأنها أنيقة، لأنها موضوعية، لأنها رزينة، لأنها صادقة...وأحيانا كثيرة أعجبتك لأنها رديئة الشكل وسخيفة المحتوى، فاحتفظت بها على سبيل التعجب والاستغراب! ثم تمضي الليالي وإذا بك أمام مدونة غريبة، بها الغث والسمين، ولكل منهما نصيب من الإعجاب وشيء غير يسير من الإكبار والتقدير أو السخرية والاستغراب!

أمام مدونتي التي اخترت بيدي على مدا سنين استوقفتني أسماء كثيرة قرأنا لها ولا نزال نقرأ، سحرت القلوب بجمال الكلمات ورونق الأسلوب وجدية الخطاب واستنارة الفكرة. ثم تجاوزت قليلا وأنا أستنطق بعض القوانين المشتركة في بعض السجالات والتصريحات لكوكبة من المثقفين والنخبة، استقرأت الردود والردود على الردود ففوجئت بما يمكن أن يطلق عليه بدوية الحوار وسهولة التنابز بالألقاب ومجانية استخدام الألفاظ. فالكلمات بالمجان. نستخدم منها ما نشاء متى نشاء وكيفما نشاء. كأنها لا تكتب لتقرأ، وإنما لترى وتنسى.

وقفت أسائل عن مدى مطابقة هذه الألفاظ لمدلولاتها اللغوية والاصطلاحية في ثنايا الخطاب النموذجي الذي يمكن تصنيفه بسهولة في خانة الجودة والامتياز. وحتى لا أكون فضوليا من حيث لا أريد فقد آثرت خطاب اليوم والساعة، المتعلق بالشأن العام في جوانبه الاجتماعية، الثقافية والسياسية. فهل تعني الكلمات حقا، في هذا الخطاب، ما تعني؟ أم أنها كتبت لتنشر وتنسى، لا لتقرأ وتحفظ؟

طبعا لا تهمني ترهات "الصحفي الحطيئة"، يهجو الناس ويستحل أعراضهم، ولا صيحات "الدكتور الدكتاتور"، يدعو ب"الوضع" على محاوره، ولا زلات "الطالب العاطفي"، يدافع عن رؤية عانقها أو عن شخصية رمزية قد تعني له الكثير. فإن لم تشفع للصحفي مهنته ولا للدكتور أكاديميته ولا للطالب مستواه، فإني أخاف لسان الحطيئة وبطش الحجاج أو أن أوصف بالفسق والفجور، بالرجعية والتطرف، بالتملق والخيانة وغيرها من الأوصاف التي لا تخلو منها كتابة أورد أو رد على رد، حتى أضحت قوالب بدون مضمون!

تهمني مثلا تساؤلات المثقف، على سبيل التورية والرمز والإيحاء، ثم يأتي المثقف ليجيب على المسكوت عنه والمضمر على سبيل التقدير والتأويل. فكأن للكلمات معان غير تلك المتعارف عليها اصطلاحيا!

تهمني مثلا فتوى الفقيه، تحرم المعارضة وتوجب طاعة ولي الأمر الذي كيفت خروجه من قبل على الشرعية معصية وخيانة. فهل هي طاعة ولي الأمر أم طاعة الحاكم المغتصب، طبقا لنفس النظرية واستخداما لنفس المصطلحات؟

تهمني مثلا تصريحات السياسي، يدافع عن الديمقراطية والتعدد، لكنه الوحيد الذي يستطيع تحقيق التقدم والإصلاح. يدافع عن الشرعية ودولة القانون، لكنه يسعى لإطاحة الحكم الشرعي ولو بحمل السلاح!

تهمني مثلا تصريحات المسئول، تتحدث النقابات عن إضرابات ناجحة بنسبة 40%، ويأتي المسئول يتحدث عن مشاغبين وعن إضرابات فاشلة، لم تصل نسبة 2%. فشتان الفرق بين الرقمين! تهمني تصريحاته عندما ينفي مسؤولية شركة عن جرائم ارتكبتها سرا وعلانية ضد الإنسان والحيوان والجماد، واعترفت بها على لسان ناطقها الرسمي، ثم يأتي المسئول ليتحدث عن "مخلفات عادية"، رغم أن البحر قد قذف حمله وأثقاله! تهمني تصريحاته عندما يتحدث عن سياسات ستمس اللغة والهوية، ثم يأتي المسئول ليتهمنا بالنقص في الفهم والضعف في التحليل!

لكن ما يهمني أكثر من هذا وذاك هو انتقادات المحامي اللاذعة، تتهم القضاء بالظلم والفساد وتصف النيابة العامة بكل ما شان من الأوصاف. يطالعنا بوقائع غامضة ونصوص قانونية معقدة ليبرهن بالوقائع والأدلة على الفوضى والظلم والفساد. ثم تأتي النيابة، تتهم المحامين بالزور والبهتان وتكيل لهم من التهم ما يكفي لإدانتهم بالسجن مدى الحياة. تتهمهم بالزور والبهتان لتدافع عن اتهاماتهم لها بالظلم والفساد. وهكذا دواليك. تبادل للشتائم والنعوت، تضيع فيه الحقيقة خلف غبار الكلمات! وبعد فترة من الزمن يتوصل الطرفان لتفاهم واتفاق! فهل صار الظلم عدالة والفساد إصلاحا والزور والبهتان مهنية ومصداقية؟ أم أن الكلمات لم تكن تعني ما كانت تعنيه؟
ما يهمني أولا وأخيرا هو احترام القارئ الكريم.

نقلا عن الأخبار