مشاهدة النسخة كاملة : طبيعة من يحاصرون اللغة العربية وإمكانية فك الحصار عنها


ام خديجة
05-15-2010, 07:07 AM
طبيعة من يحاصرون اللغة العربية وإمكانية فك الحصار عنها



http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2293.imgcache.jpg



محمد عبد الحكم دياب

جاء تناول موضوع اللغة العربية، وعرض بعض احوالها وما جرى ضدها من حصار، وما حدث لها من ضعف، أثر عليها كلغة وطنية جامعة. جاء ذلك في العدد الماضي لينكأ جراحا ويكشف ندوبا على وجه الشخصية الوطنية، ويعري ما أصاب الهوية الثقافية من اهتزاز. بكل ما يحمل ذلك من مخاطر على التماسك الوطني والتواصل بين أبناء المجتمع.
ما يجري للغة العربية في مصر ترك صورا عديدة من المسخ ومستويات متنوعة من الوهن والتحلل. دبت في الجسد الوطني وخلخلت الانسجام القومي. وما كان لذلك أن يحدث لولا ما يحيط اللغة من مناخ عام وتصرفات غريبة وغير سوية من جانب قوى وشرائح صاعدة. تبوأت مكانة ليست لها على مدى العقود الأربعة الأخيرة، وتتكون من جماعات مصالح وفئات سادت بينها الجهالة، وجمعتها ضحالة المعرفة، وربط بينها العداء للثقافة بشتى مستوياتها ومجالاتها وصورها. فتراجعت العلوم والثقافة والفنون والآداب. تحولت الجهالة لوعاء انحطاط ضد الثوابت والقيم الحاكمة للوعي في مجالاته المتعددة والمتنوعة. وتلك القوى والشرائح تشعر دوما بخطر الاندماج والتواصل على وجودها ومستقبلها، وتتعامل مع الناس وكأنهم ليسوا منهم، وكأن البلد ليست بلدهم. ولغتها ليست لغتهم. ومع أن قطاعا كبيرا من تلك القوى والشرائح قد وفد من الخارج، بعد بداية استقرار التبعية أساسا للسياسة الرسمية. وأغلبهم جاء في ركاب الاحتكارات العائدة، وفي حماية المؤسسات المالية والتجارية المهيمنة، وهذا أتاح لهم التحكم والسيطرة على كل شيء تقريبا، وأغرتهم السلطة، بما صنعت من نفوذ وثراء فاحش وبلطجة وإجرام. أغرتهم بممارسة الفاشية، ووجدوا في الانعزالية والمذهبية والطائفية سبلا يضربون بها قواعد الاستقرار والمساواة والمواطنة، وتمكنوا بذلك من إشاعة الفتنة وقيم التفتيت والتقسيم والاقتتال.
كان أغلب أولئك السادة الجدد يعيشون في السابق خارج المجتمع أو على هامشه. يعششون في جحوره، ويتخفون داخل كهوفه، وحين وجدوا أنفسهم في النور، وانتقلوا من وحشة العتمة إلى إبهار الضوء كانوا قد تعودوا على الظلمة، ولم يكن في مقدورهم تغيير طبيعتهم، ولا كانوا بحكم عزلتهم عن المجتمع والناس قادرين على كسب ثقة أحد، أو مهيئين للتكيف مع الأوضاع الجديدة التي لم يحلموا بها يوما. ومع كل ما أحاطهم من وسائل البطش وفرق البلطجة المدججة بالسلاح حتى الأسنان، استمروا أسرى رهاب الجموع والخوف من الناس، ومن يدخل قلاعهم الحصينة، التي يقيمون فيها على تخوم العواصم والمدن وعلى السواحل وفي المنتجعات يكتشف ذلك. وتشعره هذه الحصون وأعداد الحراس بفقدان الشعور بالأمان أو الانتماء للأرض، وحياة تقوم على التوجس من الناس لا يتمتع أصحابها بأي سلام مع الذات أو ثقة بالنفس، ومن تسيطر عليه هذه الكوابيس لا يهمه كسب ثقة أحد. وأناس هذه طبيعتهم يمدون أبصارهم خارج حدود أوطانهم بحثا عن أمن وطلبا لحماية أو تطلعا لانتماء. ومعضلة مصر أن هؤلاء أضحوا أصحاب الكلمة العليا في تقرير مصير البلاد والعباد، وفي التأثير الأكبر على القرار السياسي. يوظفونه في تعزيز مكانتهم وتقوية دورهم. وخدمة مصالحهم المباشرة أكثر من أي مصلحة أخرى. لذا لا يُعتمد عليهم في صون الهوية، أو في الدفاع عن اللغة، وهم منسحقون في داخلهم، ومستأسدون على البسطاء ومتوسطي الحال، وأذلاء أمام النفوذ الأجنبي، ومستسلمون أمام المشروع الصهيوني.
وحين انتقل هؤلاء من الهامش إلى دوائر الضوء أحدثوا تحولات ونقلات في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وكانت اللغة احدى ضحاياهم، فعلى الرغم من أن الدساتير والتشريعات تقر الحفاظ عليها والدفاع عنها، وتعاقب من يسيء إليها أو يعاديها ويحاربها، فإن السلطات التي تدعي التزامها بهذه الدساتير هي أول من تخلى عنها ولم يلتزم بها، وأعطت بقراراتها غير الدستورية وإجراءاتها غير القانونية السيادة للغات الأجنبية، ومنحت الهيمنة لمنظومة القيم وأساليب الحياة المرتبطة بها. لم تتوقف السلطات الرسمية عن إضعاف اللغة الوطنية، وأخطر ما قامت به إهمال متعمد للتعليم العام وإفساده والتقليل من شأنه، وتمادت في ذلك عن طريق السماح - بلا ضوابط - لأنساق تعليمية وتربوية ملتبسة ومتناقضة، ليس بينها رابط. وضعت التعليم العام، الذي كان متميزا وحقا للجميع. وضعته في أدنى درجات الاهتمام، وحطت بمستواه بصورة غير معهودة، وسلمت بالتعليم الخاص على أوسع نطاق، وشجعت الاستثمار في مدارس اللغات. منحتها التراخيص وأعطتها السيادة والريادة على اللغة الوطنية، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام التعليم الأجنبي الخالص بأنساقه العديدة.. أمريكية وبريطانية وكندية وفرنسية وألمانية وإيطالية وغيرها. أنساق ونظم تطبق بكاملها على كل المستويات، من الحضانة حتى الجامعة. وامتدت بالعشوائية التي صارت تتحكم في كل شيء. امتدت بها إلى التعليم واللغة والثقافة. وانتهى الأمر بوضع قرارات وزارات وإدارات حكومية عليا في أيدي خريجي التعليم الأجنبي، وحرمان خريجي التعليم العام منها، فيوسف بطرس غالي، وزير المالية، المعروف بناظر الجباية، أسند المناصب العليا والحساسة في إدارات وزارته إلى خريجي الجامعة الأمريكية بالقاهرة وخريجي جامعات أمريكا داخل الولايات المتحدة. وفرضت طبيعة العلاقة مع المصرف الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي نفسها وشروطهما وألزمته الاعتماد على أولئك الخريجين، أما وزارة الاتصالات اختارت خريجي الجامعات الكندية، منذ أن كان أحمد نظيف، رئيس الوزراء، وزيرا لها، وهو الحاصل على شهاداته العليا من هناك. أما وزارة الاستثمار وهيئاتها فتقع تحت نفوذ خريجي الجامعات البريطانية. وتأتي لجنة جمال مبارك، المعروفة باسم لجنة السياسات فغلَّبت الأمركة وتماهت مع الصهينة. وتلك خريطة تبين نوعية من يحصارون اللغة الوطنية في دوائر الحكم، وإضعافها داخل دهاليز الإدارات العليا، إلى أن أضحى القرار لسياسي نصيرا للمشروع الصهيوني وخادما في بلاطه.
لم يقتصر هذا الموقف على مصر الرسمية بل امتد إلى أغلب البلدان العربية. على مساحة ممتدة من دول الخليج العربية والعراق حتى المغرب العربي، هناك إمارات ومشيخات تتراسل دوائرها الحكومية وشركاتها ومؤسساتها بالانكليزية. وتصادفت زيارة لي لبلد عربي خليجي مع احتفال احدى المدارس الأمريكية فيها بانتهاء العام الدراسي، وهي مدرسة يتعلم بها أبناء المسؤولين الكبار وأصحاب الشركات والأثرياء، ومن الأعلام التي رفعت في الحفل كان علم الدولة الصهيونية، وطُلب من التلاميذ الوقوف تحية له. وفور انتشار خبر ما جرى في الحفل بين ربوع الدولة الصغيرة هب الأباء وأولياء الأمور احتجاجا على ذلك التصرف. توجهوا إلى المدرسة وإلى السفارة الأمريكية الراعية للمدرسة. عبروا عن رفضهم واحتجاجهم، وكان من بين حضور الحفل دبلوماسيون أمريكيون ومسؤولون من ذلك البلد الخليجي الشقيق، وهناك بلدان عربية خليجية اعتمدت اللغة الانكليزية في دوائرها الرسمية وغير الرسمية، وفي مصارفها وفنادقها ومتاجرها، وفي عقودها واتفاقياتها، مع الأفراد والشركات والدول، ولا تعبأ بشيء. وكأن مواطنيهم من المهاجرين والوافدين الذين لا يعرفون اللغة الوطنية، فينطقونها بلسان أعوج ورطانة لقيطة. ولا يختلف الأمر كثيرا في المغرب العربي. والوضع هناك يدعو إلى القلق. تُحاصر اللغة العربية من الفرانكفونيين. ويتم التعامل بالفرنسية في عوالم السياسة والأعمال والتجارة والمال، وكذلك في المراسلات والمداولات الحكومية، وصارت اللغة العربية غريبة في الأسواق التجارية والحياة العامة، في تحد واضح للدستور والقانون والعرف السائد. ومن المعروف أن مخطط الإبادة الثقافية يقوم على التشكيك في الهوية، ويبدأ التشكيك بطرح سؤال من نحن بإلحاح شديد. ليس هدف السؤال هو تعزيز الهوية إنما التشكيك فيها وطمس معالمها، وإعادة إنتاج وتصنيع هويات بديلة والتماهي فيها. وأول وسيلة تحقق ذلك هي ابعاد المواطن عن لغته، وإلغاء الذاكرة الجماعية والتاريخية بطرق عدة منها: دراسة التاريخ الأجنبي وحده باعتباره أبا التواريخ، والجدير بالتسجيل والاتباع.، وإعادة صياغة التاريخ الوطني والقومي من منظور يعزز الاستسلام، ويقر بتفوق ثقافة الرجل الأبيض العنصرية وحقه في السيادة على ما عداه، وإدانة حقب كاملة وشطبها من سجلات الذاكرة الوطنية والقومية وتشويه صناعها وأبطالها وشهدائها.
إذن ما العمل؟ قبل الدخول في صلب الإجابة على السؤال نشير إلى وجود حريصين على اللغة العربية، كلغة وطنية، ومن بين هؤلاء من قام بتكوين جمعيات وجماعات أهلية تحميها وتدافع عنها. وهؤلاء موجودون في مصر وفي أكثر من بلد عربي..الجزائر والمغرب والخليج. والتعامل مع هذه الجمعيات والجماعات كفيل بالرد على السؤال. وتلك الأشكال الموجودة يمكن أن تمثل قاعدة للعمل، ونقطة إنطلاق لفك حصار اللغة وتعزيز وضعها في البلاد العربية. ومعناه الانطلاق مما هو قائم والعمل على محورين.. الأول هو التواصل بين هذه الأشكال ومتابعة نشاطها وإبرازه ونشره. الثاني هو الدفع إلى تأسيس هيئة عليا تجمعها لتنسيق وتوحيد الجهود بينها. تكون لها مؤتمراتها السنوية، المعنية بمناقشة أوضاع اللغة العربية وتذليل مشاكلها، ومن الممكن الاستعانة بالمؤتمر القومي العربي، ليتبنى دعوة هذه الجمعيات والجماعات لمؤتمر تأسيسي تتمخض عنه هيئة فاعلة، تغطي بنشاطها ودورها المنطقة العربية بأسرها. وبذلك تولد هذه الهيئة العربية الجامعة، وتكون مهمتها الأولى حماية اللغة العربية والدفاع عنها. على أن تضم الأشكال الحالية كفروع لها، مع تأسيس فروع جديدة في البلدان التي لم تظهر فيها أي من تلك الأشكال بعد.
بذلك تدب الحياة في أوصال حركة ثقافية لغوية واعية. تعنى بشؤون اللغة، وتتولى التوعية بها، وفي مقدور هذه الهيئة تعويض ما عجزت عنه السلطات الرسمية وتفنيد وكشف طبيعة مخطط الحصار والطمس والتشكيك في اللغة والثقافة والهوية. وبهذا نكون قد بدأنا مسيرة الألف ميل بخطوة أولى واثقة ومناسبة. وإن لم نفعل فبذلك نتيح الفرصة لمخطط الإبادة الثقافية بأن يستمر ويكسب أرضا جديدة، ويدخل إلى آفاق ومجالات أوسع.

' كاتب من مصر يقيم في لندن

نقلا عن القدس العربي