مشاهدة النسخة كاملة : هل تشهد موريتانيا "ثورة قمصان"؟


ابن تيارت
05-14-2010, 11:00 AM
هل تشهد موريتانيا "ثورة قمصان"؟


نواكشوط - المختار السالم:



ثلاثة مناحٍ حادة، ميزت الأسبوع السياسي الحالي في موريتانيا . ومما لا شك فيه أنها “تدمغ” وبقوة المرحلة القادمة في البلد، وستكون نتائجها معروفة قبل نهاية السنة القامة (2011) مع الانتخابات البرلمانية، خصوصاً مع تحركات معلنة وسرية للمعارضة لتهييج الشارع ضد النظام من خلال ما يسمى “ثورة قمصان” على غرار تلك التي حدثت في أوكرانيا وتايلاند .

الحدث الجديد كلياً هو تحرك “منسقية أحزاب العمل القومي والإسلامي” نحو الشارع، والشروع في تنظيم سلسلة مهرجانات شعبية حول أهداف المنسقية وبرنامجها السياسي والاجتماعي لأول مرة منذ تشكيلها قبل شهر، وقد كشف قادة منسقية العمل القومي في أول مهرجاناتهم بمقاطعة “عرفات”، كبرى مقاطعات العاصمة نواكشوط يوم السبت الماضي، عن الملامح العامة لأهداف المنسقية .

أكد قادة منسقية أحزاب العمل القومي أن هدفهم الرئيس هو الحوار القومي الإسلامي ووحدة الصف بين أنصار التيارين على المستوى العمومي (العالم العربي)، وعلى مستوى موريتانيا خاصة التي تواجه تحديات متعددة .

وبرروا هذا الخيار بكون التكالب الخارجي على الأمة العربية، والذي يعرف أوجه في هذه الفترة، يتطلب المواجهة بصفوف موحدة وليس بكيانات مشتتة ومتنافرة .

وعلى المستوى الداخلي أكد قادة المنسقية أن التشاور والحوار والتنسيق مطلوب في ظل الظروف الراهنة التي يتعرض فيها البلد لهزات كبيرة .

وقالوا إن هذا الحوار مطلب ملح ومن الضروري أن يجري في ظل الانفتاح والقبول بالآخر والابتعاد عن التخندق والانغلاق وذلك لإعادة تأسيس الدولة التي ظلت مؤسساتها عاجزة عن حسم الملفات الخلافية التي تمثل جوهر الصراع الداخلي وعدم الاستقرار .

وشددوا على رؤيتهم لضرورة حسم الهوية العربية باعتبار العروبة عاملاً جامعاً لكل الموريتانيين بعربهم وأفارقتهم كما كان الحال قبل الاستعمار .
وأعلنوا تمسكهم المطلق بمطلب سيادة اللغة العربية للتعليم والإدارة في موريتانيا باعتبارها لغة حضارية وروحية لكل العرقيات الموريتانية .

كما أعلنوا انفتاح المنسقية على جميع القوى السياسية الموريتانية بما فيها التيار القومي في الأقلية الإفريقية في البلاد .

وكانت منسقية أحزاب العمل القومي والإسلامي قد تشكلت من أربعة أحزاب سياسية هي حزب “حاتم” الذي يقوده صالح ولد حننه (المحسوب على الناصريين)، وحزب “الصواب” (المحسوب على البعث)، وحزب “الديمقراطية المباشرة” (اللجان الثورية الموريتانية)، وحزب “الفضيلة” الذي يقوده الوزير السابق والعالم عثمان ولد الشيخ أبي المعالي، (قومي إسلامي معتدل) .


وكانت هذه الأحزاب، بقيادة شخصيات ناصرية من خارجها، ومن أبرزهم النائب البرلماني الخليل ولد الطيب، الذي يعد من أهم زعماء الحركة الناصرية في البلاد، قد أثاروا غضب المعارضة الموريتانية بعد مبايعتهم للزعيم الليبي معمر القذافي بوصفه قائدا للتيار القومي في الوطن العربي . ما رأته المعارضة الموريتانية “ولاء لجهة أجنبية” على حساب الوطن . فرد وقتها قادة الأحزاب القومية بنقد لاذع متهمين المعارضة بالعمالة للغرب وبأنها مسيرة من طرف أمريكا .

لكن المراقبين لاحظوا الاجتماع الذي عقده الرئيس محمد ولد عبد العزيز مع النائب البرلماني الخليل ولد الطيب، وفسر اللقاء بأنه “تأشيرة” رئاسية للأحزاب القومية الموريتانية بمد أذرعها داخلياً وخارجياً .

وفي تطور مهم علمت “الخليج” أن الأحزاب القومية بدأت المشاورات داخليا للاندماج في كيان حزبي واحد . وهو ما توقع مصدر مطلع أن يستمر النقاش بشأنه لبعض الوقت .

لكن قادة الأحزاب القومية توصلوا فيما يبدو لعدة اتفاقات من بينها:


1 توحيد لائحة الترشح في أي انتخابات قادمة وخاصة الانتخابات النيابية والبلدية .

2 توحيد الأنشطة السياسية التعبوية (المؤتمرات، المهرجانات، الخطاب السياسي) .

3 فتح حوار مع رموز التيارات القومية في الأحزاب الأخرى .
4 فتح حوار مع رموز التيار القومي الإفريقي وخاصة جناح المرشح الرئاسي السابق صار إبراهيما مختار .

هذا الحراك القومي يواجه الكثير من المصاعب ومن بينها نقص التمويل وغياب المنابر الإعلامية و”الحرب الضروس” من القوى السياسية الأخرى والصراع القوي بين الأجنحة القومية ذاتها وتشرذمها بين المعارضة والموالاة (الحركة الناصرية مثلا أربعة أجنحة) .

إلا أن هذه “التجربة الوحدوية” الأولى من نوعها بين قوميين موريتانيين، وإن كانت تمت بين ما يوصف ب”الأجنحة الضعيفة” لن تثبت جدارتها وفاعليتها ما لم تحقق خطوتين، الأولى: كسب قيادات قومية ذات وزن مؤثر، والثانية تحقيق مكاسب انتخابية تخولها دخول المجالس الانتخابية (البرلمان، البلديات) .

المعارضة تبحث عن “قمصان”

عقد كافة قادة أحزاب وقوى المعارضة الموريتانية اجتماعاً استثنائياً تمثل في جلسة سرية لمناقشة “السبيل الأمثل” للإطاحة بنظام الرئيس محمد ولد العزيز المنتخب الذي لم يكمل بعد شهره التاسع في “رحم الحكم” .

وقبيل الجلسة قال أحمد وولد داداه، زعيم المعارضة والرئيس الدوري لمنسقية أحزاب المعارضة إن هذه الأخيرة “تسعى لبلورة قراءة موحدة لأوضاع موريتانيا من أجل تخليصها من الورطة التي تعيشها” .

وأضاف ولد داداه “أن المرحلة التي تمر بها موريتانيا اليوم تجعلها في خطر أكثر من أي وقت مضي”، مضيفا أن ذلك يقتضي “رص صفوف المناضلين من أجل البلد ومن أجل الظروف التي يعيشها المواطنون” حسب تعبيره .

وقال ولد داداه إن قادة المعارضة بلقائهم مع الأطر والشخصيات ذات التأثير على الساحتين السياسية والوطنية، يسعون عبر النقاشات والحوارات إلى “بلورة قراءة موحدة لأوضاع البلاد “من أجل تخليص موريتانيا” .

وحسب المعلومات المسربة، فقد ناقش الاجتماع المغلق لزعماء المعارضة وثيقة تم إعدادها وتتناول الرؤية السياسية للمعارضة ومواقفها من النظام القائم وطرق التعامل معه وذلك من أجل تحديد أولويات خطاب المعارضة وبرامجها في الفترة القادمة .

ويبدو أن قادة وأطر المعارضة توصلوا ل”حل وسط” من بين الخيارات المقترحة لمواجهة الوضع الحالي، ويتلخص ذلك في ضرورة القيام بأنشطة “ديمقراطية وسلمية” بهدف تنفيذ تعهدهم بإسقاط ولد عبد العزيز .

وكان الرأي الأكثر تداولات هو قيام قادة المعارضة بزيارات إلى المدن الداخلية وتنظيم لقاءات تشاورية مع الفاعلين الميدانيين في المعارضة لتعميم وشرح “الخطة النهائية” لعمل المعارضة مستقبلا .


ويؤكد مقربون من المعارضة أن خيار النزول للشارع وإقامة احتجاجات دائمة حتى سقوط نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز هو الهدف من التحرك الحالي .

إلا أن شكل تلك الاحتجاجات وأماكنها ومدى حجمها سيكون هو مثار التساؤل عن جدية وواقعية التصعيد المرتقب . وتشعر المعارضة الموريتانية بضيق المساحة الزمنية للقيام بعمل مؤثر قبل اجتماع المانحين (الممولين الدوليين) والانتخابات التشريعية والبلدية القادمة، وكذلك تنفيذ الرئيس ولد عبد العزيز لسلسلة المشاريع الاستعجالية التي أعلن عنها وتضم حزمة مهمة من بينها تسوية أوضاع أحياء الصفيح (تشكل نصف سكان المدن)، وتعميم المياه والكهرباء وشبكات الطرق، ورفع المستوى الصحي عبر تشييد العديد من المستشفيات والنقاط الصحية، والحملة الزراعية القادمة التي يبدو أن النظام ألقى كل ثقله ليحقق من خلالها نقلة نوعية في القطاع الزراعي الحيوي لآلاف السكان وللأمن الغذائي في البلد .

هذه المشاريع قيد التنفيذ إذا تحققت ستجعل مهمة المعارضة أصعب، لكن أنصار المعارضة يقللون من أهمية وعود الحكومة، ويتوعدون بأنه لا مفر من “ثورة قمصان”، وأن المسألة ليست إلا مسألة وقت واختيار لون القميص المناسب .

لكن الذي لا يضعه الكثيرون في البال هو أن “حجم” القميص في موريتانيا أهم من لونه . خاصة وأن النظام بدأ بالفعل ترتيبات “سحق” المعارضة سواء عن طريق الانتخابات أو طريق القوة إذا اختارت الطريق الآخر .

مآلات الأمور هنا لا تخرج عن نسقين: حراك جماهيري سلمي لا يؤثر كثيرا في النظام، بل هو “عمل نمطي” في الساحة الموريتانية منذ عشرين سنة . أو حراك يتخذ شكل تعطيل المؤسسات وهو ما يشكك الكثير من المراقبين في إمكانية حدوثه، ليس فقط بسبب استعداد النظام للضرب بيد من حديد، وهو الذي أثبت أنه لا يرحم خصومه، وإنما لرفض بعض قادة المعارضة أنفسهم لأي عمل قد يمس بالسلم الأهلي في البلد .

نسخة طبق الأصل

المعلومات الواردة من مختلف ولايات موريتانيا هذا الأسبوع أثبتت أن حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” (الحاكم) امتص الأغلبية المطلقة من القواعد الشعبية، بما فيها نسبة كبيرة من منتسبي أحزاب المعارضة، كما أدى التنافس على رئاسة الوحدات القاعدية والاتحاديات الحزبية المقاطعية والولائية، إلى فتح “نافورة” الخلافات الداخلية في كل حي وكل قرية ومدينة . ما دفع أحد كتاب المعارضة لوصف الحزب الجديد الحاكم بأنه نسخة طبق الأصل من الحزب الجمهوري الحاكم في عهد ولد الطايع، وسماه ب”الحزب دوللي” (النعجة الشهيرة المستنسخة) .

وإذا كانت الأنظمة الموريتانية المتعاقبة قد برعت بشكل كبير في عميلة استنساخ الأحزاب، فإن الصراع داخل الحزب الحاكم الجديد سيلقي بأعباء إضافية على الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي عليه إرضاء القيادات المهزومة بالانتخاب الحزبي أو التي تعرضت للغش من لجان الانتساب . ما سمح لمنافسيها بالصعود بدلا منها .

لا يعرف حتى الآن أسلوب “الترضيات” الذي سيتبعه ولد عبد العزيز للحفاظ على مكاسب حزبه المتحققة من عمليات الانتساب، خاصة وأن الصراع داخل الحزب اتخذ بعديه: عموديا وأفقيا بشكل فاجأ الكثيرين . وربما كان “الإقبال الكبير” من طرف المواطنين على عمليات الانتساب عامل إرباك إضافي، كما أن دخول الوزراء وقادة الجيش - عبر مجموعاتهم المحلية والجهوية - في عملية تنافس على الحزب زاد الطين بلة .

وأمام ولد عبد العزيز ثلاثة خيارات حاسمة في مصير الحزب ووحدته: فإما التدخل المباشر وتعيين اتحاديي الحزب (يشكلون القيادة العامة)، وهي عملية لا تتماشى مع رغبة قواعد الحزب ورجاله الأقوياء شعبيا، وإما ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي بشفافية وهو ما لا يقبل به “الحرس الاجتماعي القديم”، وإما العمل على إجراء تحويرات وفرض حلول توافقية على المجموعات المتنافسة .

وأيا كان الخيار الذي سيحلو للرئيس، فهو بحاجة ماسة لحزب متماسك في وجه فورة “بركان المعارضة” والانتخابات القادمة .

وإذا كان ولد عبد العزيز قد تعهد ببناء حزب شفاف خارج النسق المألوف (حزب للشعب وليس حزب الدولة)، فإن التجربة أثبتت أن “النسخ” أرخص وأسهل من الأصول . الأسابيع القادمة ستعطي

"""عن الخليج """