مشاهدة النسخة كاملة : لقاء مدفيديف مشعل في ضوء حقل العلاقات الدولية


أبو فاطمة
05-13-2010, 08:43 PM
لقاء مدفيديف مشعل في ضوء حقل العلاقات الدولية

عامر سعد

مما لاشك فيه أن البناءات النظرية في علم السياسة تكتسي أهمية كبيرة ليس لأنها ترفد أنساق الممارسة السياسية بالمعلومات والتصورات اللازمة لتطورها فقط ، بل لأنها أيضا تشكل أداة استراتيجية لدى الأحزاب السياسية تقوم في ضوئها نخبة المثقفين التابعة لها من خلق تجانس ووعي بدورها وسلوكها السياسي والإجتماعي والإقتصادي لدى الإمتدادات الأفقية لتلك الأحزاب ومختلف الشرائح المجتمعية حتى تقوض الجيوب وتزول الغشاوة عن المدركات في ظل عصر يتسم بالصراعات الفكرية والايديولوجية المحمومة .

وفي ضوء ذلك كله فإن إخضاع اللقاء التاريخي بين حركة حماس ودولة بوزن روسيا لحقل العلاقات الدولية باعتباره حقلا أصيلا من حقول علم السياسة سيسهم في خلق تصورات واعية لأبعاد ومضامين هذا اللقاء ودحض سموم الإعلام الجوبلزي التابع لجهات معروفة ونسف مرتكزات الخطاب المتخم بالهرطقة لدى تيارات إسلامية معروفة ، خاصة في ظل مرحلة دقيقة وصعبة تمر بها القضية الفلسطينية .

فمن المسلم به أن حقل العلاقات الدولية مازال يخضع للأسف لقواعد غائرة في التاريخ البشري رغم منافاتها لأسس المجتمعات الإنسانية المدنية ، فمعيار القوة يعتبر الاطار المرجعي والمحدد لشكل أي علاقة تنشأ بين مختلف دول هذا العالم - في مقاربة حقيقة لشريعة الغاب - ، وحتى في الجدل النظري فإن العلاقات الدولية تعرف بأنها تفاعلات ثنائية الأوجه " صراعي وتعاوني " لكن يجمع أكثر العلماء على أن البعد التعاوني هو في حقيقته منبثق من البعد الصراعي كون بناء الأحلاف في ضوء المنهج التاريخي يؤكد ذلك .

وبناء على هذه الحقائق والمسلمات التي يتضمنها حقل العلاقات الدولية فإن دوافع روسيا كدولة وازنة دولياً لزيارة المنطقة وبأعلى المستويات الرسمية ترتدي طابعاً مصلحياً بحتاً يهدف لمد جسور تعاون مع الوحدات السياسية الفاعلة في النطاقات الاقليمية لخلق تحالفات تعزز من مكانتها وقوتها على الساحة الدولية ، وليس من دافع ترفي أو انساني تجاه أحد ، وهذا يقود إلى أن لقاء الرئيس مدفيديف مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يؤكد أن حركة حماس قد أضحت رقماً وازناً في معادلة المنطقة يصعب إغفالها ، وأن الظواهر السياسية الناشئة - بشقيها الخطابي والعملاتي - من تفاعلات تلك الحركة تسهم بشكل كبير في بناء المشهد السياسي الشرق أوسطي ، ولهذا فإن بناء موقف روسي فعال تجاه قضايا الشرق الأوسط يتطلب تعاط روسي مع حركة حماس والعمل الجاد للوقوف على مفاصل رؤيتها السياسية ، وهذا ما أكدته المصادر الإعلامية المقربة من الجهتين حيال الملفات التي تم بحثها خاصة ملفات " العملية السلمية والمفاوضات ، والمصالحة ، تبادل الأسرى " .

ومن جهة حماس – إضافة إلى ما ذكر - فإن التعاطي الروسي شكل اختراقاً كبيراً للحصار الدبلوماسي والسياسي المفروض على الحركة ، ونسفاً للجهود الصهيو – أمريكية لتشويه صورة الحركة وغائية سلوكها السياسي والعسكري ، و تقويضاً للمحاولات الدائبة من الحلف الامريكي الرامي لتعزيز التصورات المغلوطة للمجتمع الدولي والتي كانت ترفض على الدوام اعتبار حماس حركة تحرر وطني ينبغي أن تحظى باعتراف وقبول دولي ، وايضا يعتبر التعاطي الروسي بهذا المستوى دليلا واضحا على أن الجهود التي بذلتها حركة فتح لنفي البعد الشرعي والتمثيلي عن حركة حماس - والتي اكتسبتها ببديهة الحال من نتائج الانتخابات الاخيرة – لم تجد آذاناً صاغية ولم تحظ بقبول دولي كونها لم تشكل عاملاً حاسماً في بناء السياسة الخارجية لدول كبيرة كروسيا .

أيضاً ومن منظور شخص متتبع للممارسة السياسية لحركة حماس فإن اللقاء الأخير يؤكد بأن الحركة مازلت تحقق نضجاً سياسيًا عملاتياً يفوق التوقعات ، فالمزاوجة الناضجة بين الأطر النظرية والأنساق السلوكية الكلاسيكية للسياسة الخارجية وبين التوجهات الايديولوجية والفكرية للحركة قد تجسد بشكل كبير في ثنايا اللقاء الأخير ،رغم كون الايديولوجيا التي تتبناها حماس – والتي تنبثق عنها ببديهة الحال مختلف الأنساق الفكرية والسلوكية للحركة – لا تتفق تماما و مرتكزات السياسية الخارجية والتي ترتدي طابعاً مصلحياً براغماتياً انتهازياً محضاً .

وكنتيجة لكل ذلك فإن حديث الدهماء وبعض المغرر بهم عن كون اللقاء الأخير لحركة حماس مع روسيا قد أضر بصورة الحركة يفقد صحته في ضوء فقه الموازنات والمصالح المرسلة والتي تحتاج لعمليات تشخيص مصالح على درجة عالية من الشمول والدقة ، وتحتاج لفهم غوري للواقع من خلال فهم مسارات التفاعلات في النطاقات الدولية وماهية الوحدات السياسية ودوافع ومآلات ممارستها ، فما أكدته فرضيات حقل العلاقات الدولية تنسف تصوراتهم المرضية وتدحض حججهم الواهية ، وتؤكد أن حركة حماس شكلت رافعة كبيرة للمشروع المقاوم في فلسطين والذي يعتبر السبيل الوحيد لإستعادة الحقوق والثوابت .

نقلا عن المركز الفلسطيني