مشاهدة النسخة كاملة : مستقبل التعريب في الوطن العربي


ام خديجة
05-13-2010, 06:36 PM
مستقبل التعريب في الوطن العربي

وجهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومكتب تنسيق التعريب في تحقيق التعريب الشامل


http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2217.imgcache

أ. إسلمو ولد سيدي أحمد / مدير ثان بمكتب تنسيق التعريب – الرباط.

أُنشئت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بموجب المادة الثالثة من ميثاق الوحدة الثقافية العربية وأُعلن رسمياً عن قيامها يوم 25/07/1970، وقد أُلحق بها مكتب تنسيق التعريب عام 1972 ليصبح أحدَ الأجهزة الثقافية التابعة لها. وقد انبثق المكتب عن المؤتمر الأول للتعريب الذي عقدته الدول العربية بالرباط، في المملكة المغربية، عام 1961، وتمتع باستقلال مالي وإداري قبل أن تحتضنه جامعة الدول العربية عام 1969 وتلحقه –بعد ذلك- بالمنظمة في التاريخ المشار إليه آنفا.
إن الغاية من إنشاء المنظمة،كما ورد في المادة الأولى من دستورها، هي: "التمكين للوحدة الفكرية بين أجزاء الوطن العربي عن طريق التربية والثقافة والعلوم، ورفع المستوى الثقافي في هذا الوطن حتى يقوم بواجبه في متابعة الحضارة العالمية والمشاركة الإيجابية فيها".

ولا شك أن اللغة هي البوتقة التي تنصهر فيها الوحدة الفكرية المنشودة. ومن هذا المنطلق جاء اهتمام المنظمة بتنمية اللغة العربية والثقافة العربية داخل الوطن العربي وخارجه، ومد جسور التعاون بين هذه الثقافة والثقافات الأخرى.

وفي هذا الإطار، نلاحظ العناية الفائقة باللغة العربية في جميع قطاعات العمل في المنظمة (قطاع التربية، قطاع الثقافة والاتصال، قطاع العلوم والبحث العلمي، قطاع التوثيق والمعلومات).وعلى الرغم من جهود أجهزة أخرى تابعة للمنظمة (معهد الخرطوم الدولي للغة العربية- المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر (دمشق)-معهد البحوث والدراسات العربية (القاهرة)-معهد المخطوطات العربية (القاهرة)، وما تبذله هذه الأجهزة من جهود محمودة في مجال المحافظة على اللغة العربية، والإسهام في بناء الأسس اللازمة للنهوض بعملية التعريب، فإننا سنركِّز، في هذه الدراسة، على بعض الجوانب المضيئة من إنجازات مكتب تنسيق التعريب، المتعلقة أساساً بالإشراف على إعداد المصطلحات العربية وتوحيدها ونشرها. وقبل أن ننتقل إلى الموضوعات الخاصة بالمكتب، نودّ أن نُذكِّر القارئ الكريم ببعض الاستراتيجيات والخطط التي قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بوضعها، والتي تشكِّل – في رأينا- لبناتٍ أساسيةً لما سيكون عليه مستقبل التعريب في الوطن العربي. من هذه الأعمال الكبرى – على سبيل المثال لا الحصر-الخطة الشاملة للثقافة العربية، واستراتيجيات: تطوير التربية العربية، محو الأمية، تطوير العلوم والتقانة، التوثيق والمعلومات، التقانة الحيوية، الإعلاميات، التنوع البيولوجي، تطوير التعليم العالي، نشر الثقافة العلمية والتقانية، التعليم عن بعد..إلخ.

ولا تكتمل هذه الإشارات الخاطفة، التي خصصناها لذكر بعض إنجازات المنظمة، دون التذكير بخطة تطوير التعليم في الوطن العربي التي أعدتها المنظمة بالتعاون مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وأقرتها قمة دمشق في شهر مارس 2008، هذه الخطة التي تضمّنت اهتماما صريحاً باللغة العربية. وقد جاء في هذه الخطة (أن على نظام التعليم العربي، ومؤسساته التربوية والتعليمية، أن يُعزِّز قدرات المتعلِّم اللغوية على تفسير المعلومات ونقلها، من خلال أساليبَ جديدةٍ، وبالشكل الذي يساعده على إصدار الأحكام بشأنها... وأنَّ "ثراء اللغة العربية ووجوب تطويعها لاستيعاب الجديد من المفاهيم والمصطلحات في العلوم والتقانة يُشكِّل تحدياً حقيقياً، من جانب، وفرصة مهمة للتعلُّم وإرساء قواعد المجتمع المتعلم وامتلاك ناصية المعرفة، من جانب آخر".

ونغتنم هذه المناسبة للتنويه بمصادقة القمة العربية بدمشق على "مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة"، هذا المشروع الذي ركَّز على أهمية "دور اللغة العربية في المحافظة على هويتنا العربية، وتوحيد الأمة العربية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وتحقيق التواصل والتفاعل بين أبناء الأمة العربية".
إن الاهتمام باللغة العربية، لا يقتصر على المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والأجهزة التابعة لها، بل إننا لو تتبعنا ما قيل في هذه اللغة الخالدة من آراء وشهادات –عربية وأجنبية- تشيد بها وتُعلي من شأنها، لألّفنا كتباً، بل موسوعات لا حصر لها. من ذلك قول أ. شحادة الخوري:

" إن اللغة العربية ليست شيئاً منفصلاً عنا، كساءً نرتديه اليوم ونخلعه غداً، أو زينة نقلب فيها أذواقنا، سلباً وإيجاباً، إننا نعيشها منذ الطفولة، فتخالط شعورنا وتفكيرنا ونحسّ بالألفة معها والأنس بها، هي معنا منذ نعومة أظفارنا، هي مثل الأم قرباً إلى النفس وانبثاثاً في حنايا القلب وخلجات الضمير. واللغة العربية تنفرد بخصائص تجعلها من أكثر اللغات غنى ومرونة وقدرة على النماء والتطور، وهي لغة أثرت بالقرآن الكريم الذي تنـزّل بها وحفظها عبر الزمن ونشرها في أرجاء واسعة من الأرض". (1).

ويقول مروان المحاسني (2): "إن اللغة العربية من أكثر اللغات مطاوعةً ووُسعاً لما تفتَح لنا من سبل يمكن سلوكها في عملية توليد الألفاظ الجديدة. إنَّها الأساليب المعروفة في مجالات توليد الألفاظ توليداً اشتقاقياً أو مجازاً أو توليداً بالتعريب أو بالنحت ، وجميعها وسائلُ مُعتمَدة في التطور اللغوي اللازم لمسايرة الحداثة وعلومها وتقاناتها".

وجاء في كتاب للأستاذ إدريس بن الحسن العلمي (3) حول اللغة العربية ومكانتها بين لغات الأمم الأخرى، وآراء بعض المفكرين العرب والأجانب فيها. وما تمتاز به عن غيرها من مزايا، ومن قدرة على الإفصاح عن كل الخواطر والمشاعر والأفكار، ما يجعلنا نفتخر ونعتز بهذه اللغة. ونورد في ما يلي، نماذج من آراء بعض الكتاب الوارد ذِكرُهم في الكتاب المشار إليه:

يقول أ. أحمد عبد الرحيم السائح، من جامع الأزهر، "للغة العربية خصائصُ ومميزات بزَّت بها غيرها، لا تدانيها فيها لغة من اللغات... إنَّ طريقة توليد الألفاظ بعضها من بعض تجعل من اللغة جسماً حيّاً تتوالد أجزاؤه، ويتصل بعضها ببعض بأواصر قوية واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة التي كان لا بدّ منها لو عُدِم الاشتقاق". " اللغة العربية من أعرق اللغات منبتا، وأكثرها رسوخا، وأقواها جلادة وأشدها بنياناً".

ويقول أ. أحمد شفيق الخطيب: "إن اللغة العربية تمتاز بمرونة ومطواعية فائقة تيسر صياغة الألفاظ الدقيقة التعبير، والواضحة الدلالة، بحيث إن وزن اللفظة كثيراً ما يحدد مدلولها: إن كان اسم آلة، أو اسم مكان، أو زمان، أو اسم هيئة، أو مرة، أو اسم فاعل أو مفعول، أو اسم تفضيل، أو صفة مشبهة، أو مصدراً، أو صيغة مبالغة، أو تصغيرا، إلى غير ذلك مما ليس له نظير في اللغات الأخرى".

ويقول المؤرخ والفيلسوف الفرنسي"كوستاف لوبـون" في كتابـه "حضـارة العـرب (la civilisation des arabes) الطبعة الفرنسية): "إن اللغة العربية أصبحت اللغة العالمية في جميع الأقطار التي دخلها العرب، حيث خلفت تماماً اللهجات التي كانت مستعملة في تلك البلاد كالسريانية، واليونانية ، والقبطية، والبربرية... ووقع نفس الحادث كذلك في فارس مدة طويلة. ورغم انبعاث الفارسية، بقيت العربية لغة جميع المثقفين".

ويصِف "فيكتور برار" اللغة العربية في القرن الرابع الهجري بأنها " أغنى، وأبسط، وأقوى، وأرقّ، وأمتن وأكثر اللهجات الإنسانية مرونة وروعة. فهي كنـز يزخر بالمفاتن، ويفيض بسحر الخيال، وعجيب المجاز، رقيق الحاشية مهذب الجوانب، رائع التصوير. وأعجب ما في الأمر أن البدْوَ كانوا هم سدنة هذه الذخائر، وجهابذة النثر العربي جبلّةً وطبعاً. ومنهم استمد كل الشعراء ثراءهم اللغوي وعبقريتهم في القريض".

ولعلنا نجد في هذه الشهادات الحية دليلاً قاطعاً –إن كان الأمر يحتاج إلى دليل- على أنّ اللغة العربية هي، بالفعل، أمّ اللغات، لكننا لا نقدرها حق قدرها، مما يؤكّد أننا مقصِّرون في مجال استثمار هذه اللغة العملاقة التي حبانا الله بها.

لماذا التعريـــب

أوصت المنظمة العالمية للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) باستخدام اللغة القومية في التعليم في جميع مراحله، كلما كان ذلك ممكنا. كما دعت الاستراتيجيات القطاعية التي وضعتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ووافقت عليها المؤتمرات الوزارية العربية، إلى اعتماد اللغة العربية الفصيحة لغة للتعليم في جميع مراحله ومجالاته، وإلى توطين الثقافة واستنبات العلم عربيّاً.

وفي هذا المجال يقول: أ.د. محيي الدين صابر (يرحمه الله) (4). "هي حاجة قومية، وطموح حضاري مندوب إليه، أن تكون اللغة العربية هي الوعاء الثقافي للنشاط الفكري والعلمي العربي، وأن تكون لغة التعليم في كل المراحل التعليمية، وفي كل مجالات المعرفة، وأن تكون لغة العلم تعليماً وتعلُّماً وإنتاجاً، بحيث يتم استنبات التقدّم الثقافي المعاصر في لغتنا، فاللغات هي أوطان المعرفة، وهي جنسيتها التي إليها تنتسب".

ويقول أ.د. أحمد دويدار البسيوني (5): "أجمع كل اللغويين في جميع أنحاء المعمورة، وعلى اختلاف أجناسهم ولغاتهم، أنّ التعليم باللغة القومية يمثل تصوُّراً أفضل للذات وسهولة أكثر في التعبير والتعلّم وسعة أكثر فيهما، فضلاً عن استيفاء المعلومات في الأذهان ممّا يعطي قدرة أكبر على الإبداع، وهو الهدف الرئيسي للتعليم والتعلّم والبحث العلمي. كما أضافوا أن في اللغة القومية تكمن أفكار الأمة وتقاليدها وتاريخها ودينها وأسس حياتها وقلوب أبنائها وأرواحهم، ولذا أشار اللغويون إلى أن اللغة تتكون من عاطفة وفكر. وبالتالي فهي الأداة المثلى للتواصل بين أفراد المجتمع بجميع مستوياته، وهي الوسيلة الفضلى لانتقال الأفكار والإبداع، من المبدعين إلى العامّة، ومن المختصّين إلى أصحاب الحاجة لهذا التخصص، وبذلك تتطور المجتمعات وتتقدّم".

وبخصوص أهمية تعريب العلوم، يقول د. عبد الغني أبو العزم (6): " تشكل العلوم مادة حيوية في تنشيط حركة التنمية والأنشطة الإنسانية في كل أبعادها الفنية والعملية، ولم تعد ميادين خاصة بالباحثين والعلماء إذ إن قيمتها الفعلية في مدى استيعاب المواطن لتقنيتها وكيفية استخدامها والاستفادة من مردوديتها، ويصعب تفعيل ذلك بلغة أجنبية في أي بلد كان".

ويقول: د. مروان المحاسني (7): "التعريب هو قبل كل شيء مطلب قومي ومطلب علمي حضاري، كما أنه مطلب لغوي يحثّنا على التسريع والتوسّع في الترجمة لتعضيد لغتنا العلمية التي ما زالت في طور التكوين في مجال استيعاب العلوم الحديثة".

من مهام مكتب تنسيق التعريب
لا يتّسع المجال لذكر جميع المهام المنوطة بالمكتب والأهداف التي أُنشئ من أجلها، ومع ذلك فلا بأس أن نشير إلى ما يلي:
1. تنسيق الجهود التي تُبذَل للتوسع في استعمال اللغة العربية في التدريس في جميع مراحل التعليم.
2. تتبع حركة التعريب وتطوّر اللغة العلمية والحضارية في الوطن العربي وفي العالم وجمع الدراسات المتعلقة بهذا الموضوع ونشرها والتعريف بها.
3. تنسيق الجهود التي تُبذَل لإغناء اللغة العربية بالمصطلحات الحديثة ولتوحيد المصطلح العلمي الحضاري في الوطن العربي بكل الوسائل الممكنة.

وبخصوص أهمية توحيد المصطلحات العربية عند القيام بترجمة العلوم والمعارف إلى اللغة العربية، يقول: أ.د. محيي الدين صابر (يرحمه الله(8).
...المعاصرة التقانية، وهي حضارة العصر، تستدعي تملُّك المعرفة تملُّكاً ذاتيا عن طريق اللغة. والعلوم الطبيعية والحيوية والهندسية والرياضية هي قوام ذلك كله، وهذه العلوم التطبيقية التي ترود الطبيعة وتكتشف نواميسها وتلتمس قوانينها والتي تنمو بالبحث في المخابر والمعامل والتي تتسع كل يوم، تتخذ أوطانها في اللغات العالمية الحية، لغات الشعوب المتقدمة. ومن هنا قامت الحاجة الحاكمة إلى ترجمة هذه العلوم وتوطينها في لغتنا، مَعْرِفَةً وتطبيقاً، نظرياتٍ وتقانةً، لأن هذه أمور لا يمكن استيرادها، فهي ليست سِلَعاً، ولكنها مقومات التقدّم. وترجمة العلوم تحتاج إلى شروط ليس أقلها الإحاطة بمقوّماتها والتمكن من اللغتين المترجم منها والمترجم إليها، وبالنسبة إلى اللغة العربية، تقوم هناك عقبة خاصة، هي أن المجال الواسع لانتشار اللغة العربية وقيام الحكومات القُطرية، وعدم مركزية المؤسسات الثقافية والعلمية، كل ذلك أعطى للترجمة حرية في اختيار الكلمات، وبخاصة مع اتِّساع قدرات اللغة العربية التعبيرية وكثرة المترادفات فيها، مما استدعى التنسيق في الترجمة، باختيار مصطلح واحد ، في مجال العلوم، للمفهوم الواحد، وذلك لخلق لغة علمية عربية واحدة، ينمو فيها التطور العلمي والثقافي ويستجيب لحاجات التعليم في كل مراحل التعليم العام والجامعي، ولحاجات الإنتاج في مراكز البحوث العلمية...".

ويقول د. علي القاسمي (9) إن الهدف الأساسي من توفير المصطلحات العربية الموحدة، هو: "إيجاد لغة علمية عربية مشتركة يفهمها جميع العلميين والتقنيين في مختلف الأقطار العربية، وتكون أداة فاعلة للتعليم والبحث والتأليف والترجمة في مجال العلوم والتقنيات الحديثة، وشبكات المعلومات العربية والدولية، والدوريات العلمية، ووسائل الإعلام والاتصال المسموعة والمرئية والمقروءة، بحيث تُيسِّر التبادل العلمي بين الجامعات العربية، وتبادل الأساتذة والباحثين، وانتقال الطلاب من جامعة عربية إلى أخرى".

ولعلنا نستنتج مما سبق أهمية دور المصطلحات العربية الموحَّدة في عملية التعريب وما يتطلّبه ذلك من ضرورة تقنين وضع المصطلحات وتوحيد المناهج الدراسية، انطلاقاً من المصطلحات العربية الموحدَّة، على مستوى الوطن العربي.

ومهما يكن من أمر، فإن المصطلحات اليوم تُشكِّل جزءاً مهما من اللغة، باعتبارها مفاتيح للمعرفة الإنسانية في شتى فروعها، ووسيلة التفاهم والتواصل بين الناس في مختلف المجالات العلمية والعملية. وتقدر بعض الدراسات أن أكثر من 50% من مفردات لغات البلدان المتقدمة علميا هو مصطلحات علمية أو حضارية مسْتَجِدَّة والكثير من هذه الألفاظ يستخدم على نطاق عالمـي. ومن هنا فلا بد من وضع مقابلات تُعَرَّف بِهَا هذه المستجدات وتُتَداول كمصطلحات.

يقول أ.د. رشاد الحمزاوي (10): "إن تقدمنا الحضاري، سيكون حتماً على قدر رصيدنا من المصطلحات – موضوعةً أو مترجمةً أو مُعرَّبةً – والتي تدلّ على تمكّننا من العلوم وسيطرتنا على قضايا الإنسان المعاصرة". ويضع معادلة لهذه الفكرة في الصيغة التالية: الحضارة = رصيد مصطلحي كمِّي وكيفيّ.

ولو أردنا أن نتحدث عن تجربة مكتب تنسيق التعريب في إعداد المصطلح العربي وتوحيده ونشره، يمكن أن نسلّط الضوء على ثلاث مراحل، تتميز كل واحدة منها بسمات خاصة(11).

المرحلة الأولى (1961-1981)، عكف المكتب فيها على إعداد قوائم مصطلحية، بثلاث لغات (الإنجليزية والفرنسية والعربية)، على أن تكون المقابلات العربية مأخوذةً مما يروج من مصطلحات لدى المؤسسات العلمية والتعليمية المتخصصة في الوطن العربي، بغض النظر عن المنهجيات المتبعة في وضع هذه المصطلحات، حيث لم تكن هناك منهجية عربيّة موحدة، على الرغم من جهود المجامع العلمية واللغوية في هذا المجال، ولأن الهدف الأساسي،حينئذ، هـو الوصول إلى مصطلح عربي موحّد يعبر عن مفهوم المصطلح الأجنبي. واستطاع المكتب أن يُعدّ، بهذه الطريقة، مشروعات معجمية، في موضوعات: الحيوان، والفيزياء، والكيمياء، والرياضيات والجيولوجيا، والجغرافيا والفلك، والتاريخ ، والفلسفة والمنطق وعلم النفس، والصحة وجسم الإنسان، والكهرباء، وهندسة البناء، والتجارة والمحاسبة، والنفظ.

عُرضت هذه المشروعات المعجمية على مؤتمرات التعريب (الثاني والثالث والرابع) التي عُقدت، على التوالي: 1973 بالجزائر، 1977 بليبيا،1981 بالمغرب، وقام المكتب، بعد المصادقة عليها، بطبعها ونشرها وتوزيعها – حسب إمكاناته- على الجهات المعنية والمهتمة، في الأقطار العربية.

المرحلة الثانية: (1982-1998)، اتسمت هذه المرحلة بإعادة النظر، بكيفية جذرية، في الأسلوب الذي كان المكتب يتبعه في جمع المصطلحات ومعالجتها، قبل عرضها على مؤتمرات التعريب، حيث اتّضح، من خلال المناقشات التي كانت تدور بين الخبراء، المشاركين في ندوات دراسة المشروعات المعجمية، وفي مؤتمرات التعريب، أن هذه المقابلات العربية، المستقاة أصلاً من جهات عربية مختلفة، يشوبها أحياناً نوع من الاضطراب، ناتج عن عدم مراعاة منهجية علمية دقيقة، عند وضع هذه المصطلحات.

ومن هنا بدأ التفكير في إيجاد هذه المنهجية المفقودة، لتكون مرشداً ومعيناً للخبراء الذين يقومون بإعداد المعاجم الصادرة عن المكتب.

وهكذا، وتنفيذاً للتّوجّهات والتوصيات الصادرة عن مؤتمرات التعريب، واسترشاداً باقتراحات الخبـراء، عقد المكتب سلسلة من الندوات في موضوع منهجية وضع المصطلحات، تصدَّرتها ندوة الرباط سنة 1981، بعنوان: "ندوة توحيد منهجيات وضع المصطلحات العلمية الجديدة، التـي وَضَعَت المبادئ الأساسية فـي اختيار المصطلحات العلمية ووضعها. وذلك على النحو التالي:

1- ضرورة وجود مناسبة أو مشاركة أو مشابهة بين مدلول المصطلح اللغوي ومدلوله الاصطلاحي، ولا يشترط في المصطلح أن يستوعب كلَّ معناه العلمي.
2- وضع مصطلح واحد للمفهوم العلمي الواحد ذي المضمون الواحد في الحقل الواحد.
3- تجنب تعدد الدلالات للمصطلح الواحد في الحقل الواحد، وتفضيلُ اللفظ المختصِّ على اللفظ المشترك.
4- استقراء وإحياء التراث العربي، وخاصة ما استُعمل منه، أو ما استقر منه من مصطلحات علمية عربية، صالحة للاستعمال الحديث، وما ورد فيه من ألفاظ معرَّبة.
5- مسايرة المنهج الدولي في اختيار المصطلحات العلمية، مما يقتضي:
أ‌- مراعاة التقريب بين المصطلحات العربية والعالمية، لتسهيل المقابلة بينهما للمشتغلين بالعلم والدارسين.
ب‌- اعتماد التصنيف العشري الدولي لتصنيف المصطلحات، حسب حقولها وفروعها.
ج‌- تقسيم المفاهيم واستكمالها وتجديدها وتعريفهـا وترتيبها، حسب كل حقل.
د‌- اشتراك المتخصصـين والمستهلكـين فـي وضـع المصطلحات.
هـ- مواصلة البحوث والدراسات لتيسير الاتصال، بدوام، بين واضعي المصطلحات ومستعمليها.
6- استخدام الوسائل اللغوية في توليد المصطلحات العلمية الجديدة بالأفضلية، طبقاً للترتيب التالي: التراث، فالتوليد ( لما فيه من مجاز، واشتقاق، وتعريب، ونحت).
7- تفضيل الكلمات العربية الفصيحة المتواترة على الكلمات المعربة.
8- تَجَنُّب الكلمات العامية، إلا عند الاقتضاء، بشرط أن تكون مشتركةً بين لهجات عربيـة عديدة، وأن يُشار إلى عاميتها، بأن توضع بين قوسين، مثلا.
9- تفضيل الصيغة الجزلة الواضحة، و تَجَنُّب النافر والمحظور من الألفاظ.
10- تفضيل الكلمة التي تسمح بالاشتقاق على الكلمة التي لا تسمح به.
11-تفضيل الكلمة المفردة، لأنها تساعد على تسهيل الاشتقاق، والنسبة، والإضافة، والتثنية، والجمع.
12- تفضيل الكلمة الدقيقة على الكلمة العامة أو المبهمة، ومراعاة اتفاق المصطلح العربي مع المدلول العلمي للمصطلح الأجنبي، دون التقيـد بالدَّلالة اللفظية للمصطلح الأجنبي.
13- في حالة المترادفات أو القريبة من الترادف، تُفضّل اللفظةُ التي يوحي جذرها بالمفهوم الأصلي بصفة أوضح.
14- تُفَضَّل الكلمة الشائعة على الكلمة النادرة أو الغريبة، إلا إذا التبس معنى المصطلح العلمي بالمعنى الشائع المتداول لتلك الكلمة.
15- عند وجود ألفاظ مترادفة أو متقاربة في مدلولها، ينبغي تحديدُ الدَّلالة العلمية الدقيقة لكل واحد منها، وانتقاء اللفظ العلمي الذي يقابلها. ويَحْسُن عند انتقاء مصطلحات من هذا النوع، أن تُجمع كل الألفاظ ذات المعاني القريبة أو المتشابهة، وتُعَالجَ كلها مجموعة واحدة.
16- مراعاة ما اتّفق المختصون على استعماله من مصطلحات ودَلالات علمية خاصة بهم، مُعرَّبة كانت أو مترجمةً.
17- التعريب، عند الحاجة، وخاصة المصطلحات ذات الصيغة العالمية، كالألفاظ ذات الأصل اليوناني أو اللاتيني، أو أسماء العلماء المستعملة مصطلحات، أو العناصر والمركبات الكيميائية.
18- عند تعريب الألفاظ الأجنبية، يُراعى ما يأتي:
أ- ترجيح ما سَهُل نُطقُه في رسم الألفاظ المعربة، عند اختلاف نطقها في اللغات الأجنبية.
ب- التغيير في شكله، حتى يُصبح موافقا للصيغة العربية ومستساغا.
جـ-اعتبار المصطلح المعرب عربيا، يخضع لقواعد اللغة، ويجوز فيه الاشتقاق والنحت، وتستخدم فيه أدوات البدء والإلحاق، مع موافقته للصيغة العربية.
د- تصويب الكلمات العربية التي حَرَّفَتْها اللغاتُ الأجنبية، واستعمالها باعتماد أصلها الفصيح.
هـ- ضبط المصطلحات عامة، والمعرب منها خاصة، بالشكل، حرصا على صحة نطقه، ودقة أدائه.

وبعد وضع هذه المبادئ الأساسية، وتزويـد الخبراء، معدّي المشروعات المعجمية ، بها، لاحظنا تحسنا نوعيا كبيرا على مصطلحات المشروعات المعجمية التي أعدّها المكتب، في موضوعات: الفيزياء النووية، والتربية والأنثروبولوجيا، والفيزياء العامة، والكيمياء العامـة، وعلم اللغة واللسانيات، والألعاب الرياضية، والاقتصاد، والجغرافيا، والموسيقى، والآثار والفنون، والسياحة، والزلازل، والطاقات المتجددة، والبيئة. عُرضت هذه المشروعات المعجمية على مؤتمرات التعريب (الخامس والسادس والسابع) التي عُقدت على التوالي: 1985 بالأردن، 1988 بالمغرب، و1994 بالسودان، وقام المكتب، بعد المصادقة عليها، بطبعها ونشرها وتوزيعها على الجهات المعنية والمهتمة.

وعلى الرغم من أهمية المبادئ الأساسية التي تمخّضت عنها ندوة الرباط (1981)، فقد ارتأى المكتب أن موضوع منهجية وضع المصطلح، ليس بالسهولة التي قد يتخيلها بعض المهتمين بهذا المجال، ومن ثم فلا بد من بذل جهود إضافية حتى نقترب من وضع منهجية محكمة، يرضى عنها المكتب، وتنال استحسان الجهات المتخصصة، وهكذا جاءت ندوة عمّان (الأردن) سنة 1993، التي عقدها المكتب، بعنوان : " ندوة تطوير منهجية وضع المصطلح العربي، وبحث سبل نشر المصطلح الموحد وإشاعته".

عُرضت على الندوة دراسات وبحوث وأوراق عمل قيمة، نشرها المكتب في عدد خاص، من مجلته المتخصصة "اللسان العربي"، العدد 39 يونيو 1995.

وقد اعتبر المشاركون، في ندوة عمّان، ما ورد بخصوص منهجية وضع المصطلح العلمي العربي في ندوة الرباط عام 1981، الأساس الذي ينطلق منه تطوير هذه المنهجية، وتجميع ما استجد بهذا الصدد في البحوث والأوراق التي قدمت لندوة عمّان، وإضافته إليها.

وجاء في البند (4) من تقرير لجنة الصياغة المنبثقة عن الندوة، اقتراح منهجية لتوحيد المصطلح بطريقة عملية تقويمية، ترتكز على أربعة عناصر، هي:
أ – الاطراد والشيوع،
ب- يُسر التداول (قلة حروف الكلمة الواحدة)،
جـ - الملاءمة (تفرع المصطلح إلى ميادين مختلفة)،
د- التوليد (كثرة الاشتقاق من المصطلح)،
على أن يُتفق على مقياس لرصد درجات لكل عنصر، ويُختار المصطلح، كمصطلح واحد، على أساس تلك الدرجات.

كما ورد في البند (9): ضرورة استعانة المؤسسات العلمية العربية، المعنية بالمصطلـح العربـي الموحـد، بكـل الوسائـل والآليات التقنية، وما لها من منهجيات، فـي معالجة المصطلحـات وتوحيـدها ونشرهـا وتطبيقهـا، في البحث والتدريس والتأليف.

عُرضت أعمال الندوة على مؤتمر التعريب السابع بالخرطوم، فوافق عليها.

واستجابةً لهذا التوجه، نحو التحديث، والاستفادة مما يتيحه الحاسوب من توفير للجهد والوقت والمال، ركّز المكتب على تفعيل جهوده في هذا المجال. وللتذكير، فإن المكتب سبق أن عقد ندوة في رحاب مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، سنة 1995، بعنوان: "ندوة التقنيات الحاسوبية في خدمة المصطلح العلمي والمعجم المختص" ، وكان الهدف الأساسي من هذه الندوة، تحديد المسار الصحيح للاستعانة بالحاسوب في إعداد المصطلح العلمي العربي الدقيق، في مجالات المعرفة المختلفة ، لكي لا يشكِّل العامل اللغوي حجر عثرة في طريق استنبات العلوم العصرية، على الأرض العربية، وبلسان عربي مبين، خاصة وأن الوسائل اليدوية التقليدية لم تعد قادرة على معالجة هذا الكم الهائل من المصطلحات الجديدة.

وتنفيذا لتوصيات هذه الندوة، التي شارك فيها سبعة عشر باحثا عربيا، من المتخصصين في المصطلحية والمعجمية والمعلوميات وبنوك المصطلحات، أنشأ المكتب شبكة معلوماتية تتضمن بنكا للمصطلحات يتوفر على أجهزة حديثة ومتطورة، تقوم بتخزين المصطلحات ومعالجتها واسترجاعها ونشرها وتوزيعها.

وهكذا، يلاحِظ المتتبع لأعمال مكتب تنسيق التعريب أن مصطلحات المعاجم التي خضعت لمعالجة حاسوبية، عرفت تطورا إيجابيا، كمّاً وكيفاً، فضلا عن سهولة الضبط والتنظيم والترتيب. ومن هنا نصل إلى ما يمكن أن نسميه، تجاوزاً: المرحلة الثالثة (1998 – حتى الآن). وقد أعدّ المكتب في هذه الفترة مشروعات معجمية، في موضوعات: التقنيات التربوية، والفنون التشكيلية، والإعلام، والاستشعار عن بعد، والأرصاد الجوية، وعلوم البحار، وعلوم المياه، والمعلوماتية، والهندسة الميكانيكية، والصيدلة، والطب البيطري، وتقانات الأغذية، وعلم الوراثة، والحرب الإلكترونية، وعرضت هذه المشروعات على مؤتمر التعريب الثامن والتاسع، سنة 1998،بالمغرب، ومؤتمر التعريب العاشر، سنة 2002، بسوريا، وقام المكتب بطبع بعضها، وما زال بعضها تحت الطبع. كما أعّد المكتب مشروعات معجمية أخرى، في مجال الطب (علم التشريح)، والنقل، والتواصل اللغوي، والهندسة المدنية، و تقانة (تكنولوجيا) المعلومات، والملابس، والغزل والنسيج، وألفاظ الحضارة، والتدبير المنزلي، وعُرضت هذه المشروعات على مؤتمر التعريب الحادي عشر، سنة 2008، بالأردن، ويقوم خبراء المكتب حالياً بوضع اللمسات الأخيرة عليها، تمهيداً لطبعها وتوزيعها على الجهات المعنية.

وفضلاً عما سبق، فإن مكتب تنسيق التعريب، يُعِدّ الآن لإنشاء مرصد لغوي عربي للمصطلحات العلمية والتقانية ولألفاظ الحضارة ولأوضاع اللغة العربية عامة. كما يُعِدّ لإصدار معاجم إلكترونية لتيسير وصول إصداراته إلى كل من يريد الاطلاع عليها والاستفادة منها، بالسرعة التي تتيحها التقانات الجديدة. كما شرع المكتب في تطوير مجلته المتخصصة "اللسان العربي" التي أصدر منها – حتى الآن- 63 عدداً. ضمت هذه الأعداد ما يناهز (3000) بحث ودراسة في مختلف المجالات اللغوية. وعالجت العديد من قضايا اللغة العربية والتعريب والترجمة والمصطلح، فضلاً عن مجالات التربية والثقافة والعلوم والاتصال. وتحظى هذه المجلة باهتمام الأوساط العلمية والثقافية ويحرص على اقتنائها الباحثون والمتخصصون وأساتذة الجامعات. وقد أصبحت المجلة "مُحَكَّمة" وسيخرج العدد القادم منها في ثوب جديد، بعد أن تم تطويرها، شَكْلاً ومضموناً.

ولا يفوتنا، في هذا المقام ، أن ننوّه بالتعاون المثمر القائم بين مكتب تنسيق التعريب، والعديد من المؤسسات العربية المتخصصة – من مجامع وجامعات ومعاهد وجمعيات وهيآت، وخبراء – في هذا المجال الحيوي.

واقع التعريب في الوطن العربي

في كل مرة نتحدث فيها عن التعريب، في الأقطار العربية، فإن أول ما يخطر يبالنا هو أن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي تستعمل اللغة العربية في التدريس في جميع مراحل التعليم، وفي جميع التخصصات، ثم ننتقل بعد ذلك مباشرة للحديث عن تجربة السودان الذي قرر تعريب المناهج الدراسية للجامعات والسير بخطى ثابتة في عملية التعريب.

وبصفة عامة فإن اللغة الأجنبية ما زالت – مع الأسف- تحتكر لنفسها المجالات العلمية في العديد من المؤسسات والمرافق العربية. ولعل أخطر ذلك هو أن المواد العلمية في الجامعات والمعاهد المتخصصة العربية ما زالت تُدرَّس باللغة الأجنبية (الانجليزية أو الفرنسية).
وبخصوص التعريب في السودان، يخبرنا أ.د. دفع الله عبد الله الترابي (12)، أن التعريب في المنهج الدراسي، للمرحلة الثانوية، قد اكتمل عام 1969.
وتمّ إنشاء الهيئة العليا للتعريب عام 1990 للإشراف على سير حركة التعريب في الجامعات والمعاهد العليا السودانية.

وقد اكتمل تعريب المناهج الدراسية للجامعات السودانية في عام 1996، عقب القرار السياسي الذي صدر في عام 1990.

وفي مجال إعداد المصطلح العلمي وتوحيده على مستوى الجامعات السودانية، أشرفت الهيئة على إعداد ونشر العديد من المصطلحات العلمية في مجالات الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والزراعة و البيطرة وعلوم الأرض والحاسوب.

كما أصدرت دراسات مهمة في مجال نظم الكتابة العلمية العربية، والرموز العلمية وكيفية أدائها باللغة العربية، وغير ذلك من الدراسات والأعمال التي لا يتسع المجال لذكرها...

ويسعدنا أن نشيد، في هذا المجال، بالتعاون المثمر القائم بين مكتب تنسيق التعريب والهيئة العليا للتعريب.

وبعد أن أشرنا بإيجاز إلى نموذجين عربيين ناجحين في مجال التعريب (سوريا والسودان)، ارتأينا أن نأتي بنموذج من المغرب العربي وبآخر من دول الخليج العربي، يمكن القياس عليهما لأخذ فكرة عامة عن واقع التعريب في بقية البلدان الأخرى، في الجناحين، الشرقي والغربي، للوطن العربي.
النموذج الأول، من المغرب، حيث لاحظنا أن المواد العلمية، في الجامعات وما في مستواها، ما زالت تُدَرَّس باللغة الأجنبية، على غرار معظم الدول العربية، باستثناء سوريا، وبعض التخصصات في السودان، حيث لم تكتمل بعدُ عملية التعريب – حسب ما لدينا من معلومات- في جميع المناهج الدراسية للجامعات. ويشير د. محمد بن موسى (13) إلى اختلاف النخبة السياسية والثقافية –في المغرب- فيما يتعلق بالتعريب، فيقول: " وعلى العموم، فسواء أولئك الذين لا يرون في التعريب مشكلاً يذكر ولا يرونه إلا شاملاًَ كاملاً، أو أولئك الذين يعتبرونه مستحيلاً،خاصة في الميادين العلمية المتخصصة ومجالات التجارة والاقتصاد، تنقصهم النظرة المتعمقة لمسألة التعريب، إذ يعانون من عقدة النقص، إما بسبب جهلهم باللغة، أو بسبب مصالحهم وارتباطاتهم بالمراكز الأجنبية التي تبذل، قصارى الجهود من أجل نشر لغتها على حساب اللغات الوطنية، سواء أكانت اللغة العربية أم غيرها من اللغات المحلية".

والنموذج الثاني، من السعودية. إذ يقول د. سعد بن عادي القحطاني (14)، "إنَّ سياسة التعليم العالي في المملكة تدعو إلى التعريب ولكنها لم تحدّد كيف يمكن إنجاز هذا الهدف، وسياسة الإعلام تدعو إلى صيانة اللغة العربية، ولكنها لم تحدّد كيفية التعامل مع الكلمات المعرَّبة- مثلاً- في الصحافة، نجد كاتباً يستخدم "تكنولوجيا" وآخر يستخدم تقنية " وثالث يستخدم "تقانة" ورابع يستخدم "technology" وهكذا. وبالتالي فإن عملية التعريب ستبقى تدور في حلقة مفرغة".

ولا شك أن هذا الاضطراب الواضح، في اختيار المصطلح العربي المناسب للتعبير عن لفظة (technology) يؤكد ما أشرنا إليه من ضرورة إيجاد مصطلحات عربية موحدة يلتزم بها المهتمون بالتعريب. وبالمناسبة، فإن المصطلح العربي الذي صادقت عليها مؤتمرات التعريب – في هذه الحالة-، هو: تقانة، مع وضع (تكنولوجيا) بعده بين قوسين، إلى أن يكتسب الشيوع، أو يفشل في ذلك، لأنَّ المصطلح الجيِّد يفرض نفسه.

الخاتمة:

يُلاحظ أنّنا لم نتحدَّث في هذه الدراسة عن المفهوم الضيّق للتعريب الخاص بنقل كلمة أجنبية إلى اللغة العربية، طبقاً للقواعد والمقاييس المتعارف عليها لدى المتخصصين، وإنما انصبّ اهتمامُنا على ما نسمّيه "التعريب الشامل" الذي يعني استعمال اللغة العربية في مراحل التعليم كافّة، وفي الإدارة والإعلام والاتصال وجميع أوجه الحياة. وقد أشرنا آنفا إلى أن اللغة العربية هي البوتقة التي تنصهر فيها الوحدة الفكرية لأمتنا، ولهذا فلا بد من المحافظة عليها وتنميتها. ولن يتمّ ذلك إلا باستعمالها في جميع شؤون الحياة. كما أشرنا إلى أن العناية باللغة العربية هي الخطوة الأولى على درب التعريب، لأن لغة مهجورة ستظل عاجزة عن منافسة اللغات التي يتعهّدها أهلُها بالرعاية، عن طريق استعمالها وتطويرها. وقد سجلنا العديد من آراء العلماء والمفكرين-العرب والأجانب- الذين يتغزَّلون بهذه اللغة الجميلة الأنيقة، المتألقة على مر التاريخ والتي لم تستطع عوادي الدهر النيل منها. كما تعرضنا لمسوِّغات التعريب، من خلال ما جادت به قرائح بعض أبناء هذه الأمة، وأشرنا إلى بعض التجارب العربية الناجحة في هذا المجال. وقد اغتنمنا المناسبة للتعريف ببعض جهود المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والأجهزة التابعة لها، في وضع اللبنات الأساسية للانطلاق –بنجاح- في عملية التعريب، مع التركيز على إنجازات مكتب تنسيق التعريب فيما يتعلق بإعداد المصطلحات العربية وتوحيدها ونشرها، وذلك لقناعتنا الراسخة بالعلاقة العضوية بين التعريب والمصطلح، خاصة فيما يتعلق بتدريس العلوم التي تُعتبر المصطلحات مفاتيحَها.

ومن جهة أخرى، فقد سجلنا باهتمام بالغ توجّهات القمم العربية الأخيرة الداعية إلى العناية باللغة العربية، وقرار مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة بدمشق ذي الرقم 435 بتاريخ 30/03/2008، المتضمن الموافقة على مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة.

كما لاحظنا أن البند الثاني من القرار تضمن ضرورة "تعريب العلوم والتقانات وتوطينها لدى القوى العاملة العربية في جميع القطاعات، تعليماً وتأليفاً وترجمةً، مع الاهتمام باللغات الأجنبية اهتماماً كبيراً، وفصل مسألة إتقان اللغات الأجنبية عن مسألة التعليم بها، إذ لم يرى التاريخ تقدم أمة من الأمم بغير لغتها".
ونحن نعدّ هذه الدراسة، قرأنا في جريدة "المساء" المغربية (العدد 995 بتاريخ 03/12/2009) تصريحاً لوزير مغربي جاء فيه أن الاهتمام المتزايد باللغة العربية ينمّ عن حظوتها بين باقي اللغات، وقال بهذا الخصوص: "إن ذلك يعبر عن مدى احترامنا للعربية، باستعمالها في محيطنا الإداري كأداة للتواصل والتعامل، خصوصاً وأنها تشكل عنواناً للهوية الوطنية ورمزاً من رموز الحضارة المغربية والعربية، خاصة وأنها لغة القرآن الكريم، كما أنها تعتبر اللغة الرسمية للبلاد كما هو وارد في الدستور المغربي".

إننا نجد في هذا الاهتمام المتزايد بالتعريب، فرصة سانحة للمزيد من التنسيق وتضافر الجهود بين مؤسسات العمل العربي المشترك التي تُعنى بالتعريب، من أجل تزويد الجهات العربية المعنية والمهتمة بما يتوافر من رصيد يخدم هذا الهدف النبيل، سواء أتعلق الأمر بالدراسات العلمية المتخصصة أم بالمصطلحات العربية الموحّدة التي تُعتبر مفاتيح العلوم، فضلاً عن دورها الحيوي في عملية التعريب والترجمة.

وفي الختام، فإننا متفائلون بمستقبل التعريب في الوطن العربي، ومع ذلك، وحتى يكون تفاؤلنا في محلّه، فإننا نعتقد أنه لا بد من اتخاذ مبادرة، في إطار سياسة عامة للتعريب، ويقتضي ذلك عدم الاقتصار على مطلب تعريب لغة التدريس – على أهمية ذلك- بل العمل على أن تصبح اللغة العربية لغة المجتمع ولغة الإدارة ولغة البحث العلمي، بل لغة المستقبل. ولِمَ لا، وهي اللغة التي نزل بها الوحي وستظل محفوظة بما حُفظ به القرآن الكريم (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). صدق الله العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
المراجع:

1- أ. شحادة الخوري: مجلة "اللسان العربي" الصادرة عن مكتب تنسيق التعريب بالرباط، العدد المزدوج (55-56).
2- د. مروان المحاسني (مجمع اللغة العربية بدمشق) –اللسان العربي- العدد 62.
3- أ. إدريس بن الحسن العلمي –كاتب مغربي- مُؤلِّف كتاب: "في اللغة"، مطبعة دار النجاح الجديدة-الدار البيضاء (المغرب)-الطبعة الأولى 1422هـ-2001م.
4- أ.د. محيي الدين صابر، المدير العام السابق للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. انظر تقديم الطبعة الأولى من المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات الصادر عن مكتب تنسيق التعريب بالرباط.
5- أ.د. أحمد دويدار البسيوني: اللسان العربي، العدد المزدوج (55-56).
6- .د. عبد الغني أبو العزم: اللسان العربي – العدد 53.
7- د. مروان المحاسني: اللسان العربي- العدد 62.
8- أ.د. محيي الدين صابر ( المرجع السابق رقم 4).
9- د. علي القاسمي: اللسان العربي- العدد المزدوج (55-56).
10- أ. رشاد الحمزاوي- اللسان العربي –العدد 39.
11- أ. إسلمو ولد سيدي أحمد –اللسان العربي – العدد 61.
12- أ.د. دفع الله عبد الله الترابي- اللسان العربي- العدد 53.
13- د. محمد بن موسى- اللسان العربي- العدد 62.
14- د. سعد بن هادي القحطاني- اللسان العربي –العدد 54.

نقلا عن الأخبار