مشاهدة النسخة كاملة : حقيقة الإعلام... بين المعارضة والنظام


ام خديجة
05-13-2010, 10:13 AM
حقيقة الإعلام... بين المعارضة والنظام

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2158.imgcache.jpg

سيد الأمين ولد باب

يعتبر النقد في الأدب والفكر والسياسة ، وفي الإعلام وشتي مجالات المعرفة ، من أهم ما تستمد منه تلك الميادين حياتها واستمرارها ، علي اعتبار أن الحياة هي الصيرورة لا مجرد الوجود الثابت ، وهو بهذا المعني كالتجربة بالنسبة للحاذق للبيب من ناحية، وكالإخصاب بالنسبة للكائنات الحية من ناحية أخري . وقبل أيام نظمت وزارة الاتصال والعلاقات مع البرلمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة ، تم التعرض فيها لكل ما يشهده قطاع الإعلام في موريتانيا من عراقيل تمنعه من أداء واجبه الوطني علي الوجه المطلوب، وقد تعددت الآراء وأصاب معظمها في تشخيص الوضع وتحديد مكامن الخلل ، وكانت الحلول المقترحة فعلا علي قدر كبير من الجدوائية . ههنا بالذات تظهر أهمية المبادرة الممتازة التي قامت بها الوزارة ، والتي وإن كانت ظاهريا بدافع تخليد اليوم العالمي لحرية الصحافة ـ غيرأنه لا يبقي أي عمل علي مستواه من الأهمية إذاما أنجز خارج وقته ا لمناسب ـ ومع ذلك فإنها لم تخف الحاجة الملحة و الرغبة العارمة لإصلاح القطاع، من قبل السلطات عند القيام بالمبادرة ومن المتدخلين عندما حان دور كل منهم .



فما قام به الصحفيون من نقد ذاتي في هذه الندوة رغم أهميته البالغة ،فإنه يبقي نقدا للقطاع من الداخل يركز فيه كل واحد علي هذه الجزئية أو تلك حسب تصوره ، الأمر الذي أدي بالأغلبية إلي التسلح قبل المجيء إلي هناك بأفكار ومعارف عامة حول مفهومي الحرية والمسؤولية ، ينطلقون منها لتحديد مشاكلهم ويعودون إليها لتدعيم مقترحاتهم ،وكل ذلك في ضوء المعطيات الواقعية . ورغم أهمية ذلك ـ كما أسلفت ـ في تبيان مكامن الخلل ونقاط الضعف في قطاع الإعلام ، إلا أنه حسب وجهة نظري يحتاج إلي نظرة من الخارج حتى تبدوا المعالجة جدية وحقيقية. تأخذ بعين الاعتبار النفاذ إلي أصول المشكلة التي يعانيها الإعلام فينا ، ولن يتأتي لنا ذلك إلا من خلال معالجة مشاكل القطاع انطلاقا من تناول مفهومي الحرية والمسؤولية داخل القاموس الإعلامي وحقله المفاهيمي .

فالحرية والمسؤولية عند الماركسيين مثلا تقحم في الحديث عن مفاهيم مثل صراع الطبقات والاغتراب ، وعند الليبراليين يتطلب الأمر تناول مفاهيم السلعة والمنافسة والمنطقة الحرة....فلكل حقل معرفي خصوصيته إذا ، لذلك فإن الإعلام الذي وضعته ثورة المعلومات علي قمة الهرم لأهم المعارف ، فوق علم الهندسة الذي تربع عليه منذ الثورة الصناعية ، لا يمكن الخروج فيه عن بعض المفاهيم المركزية لمعالجة أزماته وحل مشاكله ، وهذه المفاهيم منها علي سبيل المثال: مفهوم النزاهة ومفهوم الحياد الايجابي ، والنظافة السياسة ، فالسياسة ليست بالضرورة لعبة قذرة كما يحلوا للبعض أن يصفها، والمنافسة ليست عداء والعداء ليس هو حب الموت للآخر ، بل إن المنافسة هي تكوين الذات والعداء هو الحفاظ عليها ، وحين نطبق الوجه الآخر الايجابي لأي مفهوم لا نجد صعوبة تذكر ، في التعامل مع الآخر،خصوصا في السياسة المرتكزة علي ممارسة الديمقراطية ، لأنها هي التدبير الرشيد لأمور الناس بإذنهم ، وعلي مرئ ومسمع منهم ، لذلك ينبغي أن لا يستسهل السياسي إعلاميا كان أو غيره إهانة الشعب ويستخف بوعيه ونضجه ، ويعمل بمقتضي عبارة الغاية تبرر الوسيلة .

ولاشك أن ما بين المعارضة والنظام أصلا من عدم التوافق وقلة الانسجام، يسحب أذياله علي أغلب الاهتمامات مسببا بعض المشاكل . فمن يسير في فلك المعارضة لا تبصر عيناه أي حسنة للنظام ،ويحمله مسؤولية ... حتي المناخ إن هو تغير ، ومن يسير في كنف النظام يكون غالبا في موقف المدافع وسيكون محرجا عن كان النظام سيئا ، لأن حجة الخصم ستكون قوية ، والعكس صحيح، فإن كان النظام جيدا كان المدافع في سعة من أمره لضعف حجة خصمه وقوته هو بكثرة ما لديه من أدلة داعمة ومرجحة . هذه أمور يمكن أن نفهمها بين صفوف العامة من الناس ، علي أنها تعكس درجة وعيهم وتعبر عن مستوي تعاملهم مع الواقع السياسي ، لكن ما لا يمكن فهمه علي أنه يعكس الصورة الحقيقية لنضج النخبة السياسية في البلد ، هو ما يكون من أمر المنخرطين من النخبة في صفوف المعارضة ، أعني المعارضة في أي زمن ولأي نظام ، أي أن المبدأ الذي تقوم عليه المعارضة عندنا هو أن النظام ينهب ثرواة الشعب ويمتص دمائهم وبالتالي : كن معارضا ليكون لك شرف القضاء علي النظام بأي وسيلة فالوسائل كلها مباحة!! .

فإذا كنت في حقل الإعلام مثلا عليك أن تنال من أعراض أولائك الكبار معنويا أو ماديا في النظام، ولو بتلفيق التهم ونشرها في الإعلام ... عليك أن تنشر الخبر الذي يسيء إلي النظام دون أن يكون مبنيا علي أي دليل ... عليك أن لا تذكر جميلا قامت به السلطة ، بل عليك تأويله حتي يكون تافها، وأكثر من ذلك عليك أن تقنع الآخرين بذلك التأويل . أيعود ذلك إلي عدم النضج ؟ أم أن نهجا معينا ترسخ في أذهان نخبنا، وفهما طغي علي نظرتنا إلي السياسة ؟ أليست السياسة ذاتها هي مجموعة من المتغيرات؟ كيف نستسلم لتصورات آخرين أصبحت أوهاما بفعل هذا النظام أو ذاك ؟ ألا يجدر بنا نحن الإعلاميون أن نمنح الحرية لأنفسنا قبل أن نريد ها من الآخر ؟ ألسنا نحن من سلبها بالتطرف في ولاءاتنا ؟.

إن الحرية إذا في حقل الإعلام هي الحياد النظيف،والمسؤولية في الابتعاد عن الغطرسة السياسية عند ممارسة هذه المهنة، التي من المفترض أن تكون في خدمة المجتمع كله ، إذ لا سبيل إلي تسارع وتيرة الإصلاح المبدوء فيه ما لم يكن هناك إعلام وطني .
أقولها وطني ....فالإعلام المتحيز إنما يخدم الطرف الذي يميل إليه فقط ، حتى ولو كان في ذلك تهديد للوطن وللنظام العام إلا من رحم ربك ، فلكل صحيفة خلفية معينه ، ولكل موقع الكتروني قلم بمداده الخاص . فالبعض محسوب علي المعارضة ولا يعرف حدودا لها، إما منحة من الله ، وإما تدبيرا، تستغله في الوقت المناسب . يحاول وبدن خجل زعزعة النظام العام ، ومنه من يحاول الحصول علي المصداقية والانتشار لتتسع دائرة خطاب المعارضة من خلال الإعلام ، أما هذه فلا بأس ، وأما الأولي فلا . والنظام يحسب عليه الإعلام العام رغم أنه لا يقوم إلا بدوره الوظيفي ـ فلو وصل المعارضون حاليا إلي السلطة، فإن الإعلام العام سيظل يقوم بما يقوم به الآن . إنها وظيفة لا تتغير بتغير الأنظمة .

و يحسب علي النظام أيضا حبسه للصحفيين علي أنه مناقض لحرية الإعلام ـ كما تحب المعارضة أن يقال ـ دون أن يتذكروا أن ذلك جزاءا لمخالفات تعود في أصلها إلي استغلالهم الإعلام لأغراضهم السياسية ، وربما يكون حبس الصحفيين نفسه مطلوبا عندهم لإضفاء صفة الدكتاتورية علي النظام الذي لا يرغبون فيه، ولو كانت مصداقيته بادية للعيان في ميدان الإعلام ، وفي أكثر من ميدان آخر .

الخاسر في المقام الأول معركة الإعلام هذه ظاهريا هو النظام الذي لا يملك في ميدان الإعلام إلا بالتبني (الإعلام العام ) وفي نظر الآخرين فقط ـ وهو من يقع عليه عبئ النهوض بالدولة والمجتمع ـ وذلك من خلال وضعه في حرج التعامل مع إعلام حر غير ملتزم في أغلبه ...وربما قد يُِنفق عليه لكي يكون كذلك! ، فإما أن ينهد النظام العام وتنتشر الفوضى، وإما أن يكون النظام دكتاتوريا يحبس الصحفيين ، فلماذا كل هذه الغطرسة؟!.

وأما الخاسر حقيقة في هذه المعركة الإعلامية هو الشعب أو المجتمع الموريتاني الذي كتب عليه أن يبقي متخلفا، قدر انجراف نخبته وراء الأهواء والأغراض الشخصية في السياسة وفي غيرها ، أو هو المعارصة التي تخسر الشعب أو تتقلص مصداقيتها فيه، لشططه في البحث عن السلطة واستخدام الإعلام ،واستغلال تظاهرات الطلاب و العمال وإضرابات الموظفين ، وحتى الحمالين والنفاذ من خلال أي تظاهرة سلمية أخري لإشعال نار الفتنة ، وهو الأمر الذي تنبه له الشعب الموريتاني ، الذي لم يعد يري جدوائية من المعارضة ، مادامت السلطات الحالية ماضية في تلبية حوائجهم الضرورية الأولي أولا .

فكل مشاكل قطاع الإعلام التي أثيرت إذا في الندوة الإعلامية الماضية، إنما تعود في مجملها إلي غياب الحياد النظيف في حقلنا الإعلامي ـ دون أن ننسي حضور النسبية ـ ومهما كان مؤداه: السياسة ، أو الطمع ـ الذي لم يعد في النظام أكثر منه في المعارضة بالنسبة للإعلام ـ فإن عدم الحياد النظيف هو أصل كل تلك المشاكل التي أثيرت ولا سبيل إلي حلها، إلا عندما يكون الضمير الجمعي حاضرا عند ممارسة المهنة . فليس عيبا أن يكون الصحفي صاحب موقف سياسي ، وليس عيبا كذلك أن يخدم موقفه في حقل الإعلام ، لكن العيب كل العيب في أن يستخدم الصحفي سلاحه ليضر غيره بغير وجه حق ، لا لينفع نفسه وموقفه ظنا منه أنه لا يمكن العبور إلا من علي القبور .

كذبة كبيرة هذه فلا تصدقها ...ويمكنك يا وطني يا صحفي أن تنافس بشرف ، وتترك الاستخدام السلبي للإعلام لتستعمله في المنافسة الشريفة بما ينفع موقفك ، فقد يكون ما ينفعك لا يسر خصمك ،وليس بالضرورة ما يضر خصمك عندك يضره عند غيرك ،إذا كنت أنت السبب ، بل الأقرب أن يقيم عليك الحجة في حقل يقوم علي صناعة الحجج. أما من يوصفون علي أنهم مرتزقة يتطفلون علي الميدان فقد كان وضعهم صعبا للغاية ولكنه شكل تجربة ثمينة دفعوا ثمنها باهظا لما نزلوا مستنقع الشتائم دون حماية .. وهم الآن ينتظرون قادما يحسدون عليه ، عندما تمتد إليهم الأيادي تحت قسطل حرية قطاع السمعيات البصرية ،الذي لن ينجلي إلا عن الاستعداد للتحلي بالمسؤولية والتمتع بعدالة الحرية الإعلامية.



نقلا عن نواكشوط للأنباء