مشاهدة النسخة كاملة : التبلد العربي مقدمة للانتحار الجماعي!


أبو فاطمة
05-11-2010, 10:33 AM
التبلد العربي مقدمة للانتحار الجماعي!

فهمي هويدي

ليست مشكلة غزة، لكنها مشكلة التبلد الذي ران على العالم العربي، بحيث صار يتذرع بالانقسام لينفض يده من القضية الفلسطينية وهي تصفى، ناسياً أنها إذا ضاعت، ضعنا جميعاً.

(1)

«لماذا لا تسمح "إسرائيل" لسكان غزة باستيراد البقدونس؟» كان ذلك عنواناً لمقالة كتبتها صحفية محترمة هي أميرة هاس في صحيفة «هاآرتس» يوم الجمعة الماضي 7/5. وعبرت فيما كتبته عن الدهشة والسخرية من قرار غريب أصدرته الحكومة الإسرائيلية بمنع إدخال البقدونس مع بعض المنتجات الأخرى إلى غزة (شملت القائمة الكزبرة والمربى والحلاوة والكمون واللحم الطازج والفاكهة المجففة. وسلعاً أخرى مثل ألعاب الأطفال والدفاتر والصحف وشفرات الحلاقة). وفي نفس العدد كتب جدعون ليفي منتقداً يهودياً شهيراً حائزاً على جائزة نوبل هو إيلى فيزيل، ومستغرباً منه دعوته إلى استمرار احتلال الضفة الغربية، ومتمنياً عليه أن يطالب الرئيس أوباما بالتشدد مع الدولة العبرية، لا بالتراخي معها كما هي الحال الآن.

لم أجد في صحفنا المصرية صدى للقرار الإسرائيلي الأخير بتوسيع نطاق الحصار لكي يشمل البقدونس والكزبرة والمربى... إلخ، لكن وجدت أن صحيفة «الأهرام» أبرزت على صفحتها الأولى يوم الاثنين 3/5 خبراً «حماس تبتكر ضرائب على زيارة المرضى والذهاب للبحر في غزة». وتحت العنوان تقرير تحدث عن قائمة الضرائب والرسوم التي فرضتها حكومة حماس على سكان القطاع ووصفت بأنها «إتاوات» و«غريبة». وختم بالإشارة إلى أن «هذه الإجراءات [جاءت] نتيجة للسيطرة على شبكات الأنفاق من الجانب المصري، ومواجهة المهربين الذين كانوا يستخدمون الأنفاق في تهريب الأموال والبضائع من مصر إلى قطاع غزة».

المقابلة بين الموقفين تكشف عن مفارقة محزنة ومخجلة، فما نشرته «هاآرتس» يفضح الحصار ويدين الاحتلال، أما ما نشرته «الأهرام» فلا ذكر فيه للحصار والاحتلال، لكنه يعبر عن الشماتة في حكومة حماس التي اضطرت في العام الثالث للحصار لأن تفرض على الناس ضرائب جديدة لتسير عجلة الحياة في القطاع، وفى الوقت ذاته اعتبر التقرير أن هذه الضائقة بمثابة «إنجاز» تحقق جراء الجهد المصري لإغلاق الأنفاق (لم يشر إلى دور السور الفولاذي الذي أقيم باتفاق أمريكي - إسرائيلي).

يضاعف من الحزن والخجل أننا جميعاً وقفنا متفرجين، في حين أن إحدى المنظمات الحقوقية الإسرائيلية هي التي تحركت، فتوجهت بطلب إلى المحكمة العليا احتجت فيه على قرار حظر إدخال السلع السابقة الذكر، وطلبت الاطلاع على المعايير التي يتم على أساسها اتخاذ قرارات من ذلك القبيل، لكن السلطات تذرعت في ردها بالأسباب الأمنية التي لم تشأ أن تفصح عنها (الحياة 8/5)، في الوقت ذاته نشرت صحيفة «هاآرتس» تحقيقاً صحفياً تحدث عن دراسة أجريت لتحديد الحد الأدنى المطلوب لكل فرد في القطاع، شملت قوائم بكمية الوحدات الحرارية والجرامات التي يصرح بها لكل مواطن وفقاً للسن والجنس، وأغلب الظن أن هذه الدراسة تم الاعتماد عليها في تحديد كميات الأغذية التي يسمح بدخولها، بحيث يبقى الجميع عند حدود الكفاف، ولا يسمح لهم بأي نمو طبيعي.

(2)

الغريب أن كل ما تفعله "إسرائيل" في الفتك بالفلسطينيين وتصفية ملف القضية لم يعد يحرك شيئاً في الدول العربية الرئيسية، فالحصار صار مقبولاً ومؤيداً. في هذا الصدد لا أحد ينسى تلك الواقعة المشينة التي ذكرها أمير أورن المعلق العسكري لصحيفة «هاآرتس» في تقرير أرسله من بروكسل ونشرته الطبعة العبرية للجريدة في 2/12/2008، وذكر فيها أن وزير خارجية لوكسمبورج طلب من وزيرة الخارجية الإسرائيلية (وقتذاك) تسيبي ليفنى بعد كلمة ألقتها أمام وزارة خارجية حلف الناتو برفع حصار غزة، وفتح المعابر الحدودية لأن الأوضاع الإنسانية في القطاع بالغة الصعوبة، فما كان من السيدة ليفني إلا أن طلبت من وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط أن يشرح للوزراء لماذا ينبغي أن يستمر معبر رفح مغلقاً، وكانت المفاجأة أن الرجل أيد موقفها، وقال إن المعبر يجب أن يغلق «لدواع قانونية»، مشيراً إلى أن ذلك ما تفرضه اتفاقية المعابر الموقعة في عام 2005 بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" والاتحاد الأوروبي. المخجل (لاحظ أننا غارقون في الخجل طوال الوقت) أن مراسل الصحيفة أمير أورن ذكر أنه بينما قال أبوالغيط هذا الكلام، فإن ممثل الخضر في الاتحاد الأوروبي داني كوين بنديت (يهودي) هو الذي ندد في الاجتماع بسياسة القمع الإسرائيلية ضد الأطفال الفلسطينيين.

أيضاً لم يعد الاحتلال محللاً للاستنكار ولا الحصار بطبيعة الحال. وعلى الملأ جرت عملية إقامة الجدار الفولاذي على حدودنا مع غزة لإحكام الحصار، ولم يعد أحد يخجل من قيام الملحق العسكري الأمريكي بتفقد عملية البناء، ولا من توجيه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية الذي تمثله منظمة إيباك التحية لمصر على قيامها بتلك الخطوة «الشجاعة». أما تهويد القدس والاستيلاء على بيوت العرب وهدم عشرات المنازل في حي الشيخ جراح واقتحام المسجد الأقصى، واستمرار الحفر الذي يهدد أساساته، هذه كلها أصبحت أخباراً عادية يقرؤها الناس بهدوء ولا مبالاة في صحف الصباح، مثلها في ذلك مثل أخبار التمدد الاستيطاني السرطاني وتهويد الضفة الغربية وإقامة السور العازل وسرقة الآثار الإسلامية وعمليات التصفية والاعتقال التي تتم بصفة دورية، وتضيف أعداداً جديدة إلى العشرة آلاف معتقل فلسطيني الموزعين على السجون الإسرائيلية.

هذه الممارسات التي تتواصل بصفة يومية، وتؤدى إلى تآكل القضية الفلسطينية وطمس معالمها، لم يكن لها أي صدى من جانب الأنظمة العربية، هذا إن استثنينا البيانات البلاغية والتصريحات الصحفية الخجولة التي تطلق بين الحين والآخر من باب ستر العورة وذر الرماد في العيون. وبشكل عام، بوسعنا أن نقول إن الممارسات الإسرائيلية برغم ما اتسمت به من وحشية وفظاعة، لم تؤثر بالسلب على العلاقات القائمة بين "إسرائيل" والدول العربية، سواء كانت العلاقات رسمية ومعلنة أم سرية وغير معلنة، ومن المدهش أن تلك العلاقات بدأت تنمو وتتوسع، إذ فضلاً عن التمدد الإسرائيلي في شمال إفريقيا والعراق، فقد اكتشفت أن ثمة زحفاً إسرائيلياً حثيثاً على دول منطقة الخليج. فالأخبار متواترة عن وجود العشرات من الجنرالات الإسرائيليين السابقين، وضباط الموساد يقومون بالتدريب الأمني وإدارة بعض الشركات في عدة دول خليجية (هاآرتس 18/9/2009) كما أنني سمعت ذات مرة من دبلوماسي أمريكي تعبيره عن الأسف لقتل محمود المبحوح القيادي بحركة حماس في دبي، لا لشيء سوى أن العملية أثرت سلباً على «العلاقات الوثيقة» التي تربط بين "إسرائيل" ودولة الإمارات العربية.

وقد استوضحته حين فوجئت بكلامه، فأعاد الرجل العبارة على مسامعي، وبدا مستغرباً لأنني لم أكن أعلم بذلك! في الوقت ذاته فإن تلك الممارسات لم تحل دون أن يقوم بنيامين نتانياهو رئيس وزراء العدو بزيارة إلى مصر يلتقي خلالها مع الرئيس مبارك، ويقضى معه 90 دقيقة، وبعد العودة يصرح بنيامين اليعيزر وزير التجارة الذي رافقه لراديو "إسرائيل" بقوله إن الاجتماع كان «رائعاً» وتصل به الوقاحة إلى حد وصف الرئيس المصري بأنه «كنز إسرائيل الاستراتيجي» وهو الوصف الذي تمنيت أن تحتج عليه مصر، لكن ذلك لم يحدث.

(3)

حين وضعت السلطات المصرية العديد من العقبات أمام قافلة «شريان الحياة» التي حملت المساعدات إلى قطاع غزة في آخر أيام شهر ديسمبر الماضي، كان لتلك الأخبار وقع الصدمة على الأتراك، الذين كانوا مشاركين في الحملة بممثلين عن البرلمان والحكومة. وفى زيارة أخيرة لتركيا وجدت أنهم يعدون لحملة إغاثة أخرى خلال أيام تضم 8 سفن وحدثني بعضهم عن دهشته وحيرته إزاء تفسير ما جرى في المرة الماضية، قائلين إنهم سيتجنبون المرور بالموانئ المصرية في المرة المقبلة حتى لا يتكرر ما حدث من قبل. وقالوا في هذا الصدد إن أعداداً غفيرة من الأتراك حين سمعوا بالعراقيل التي وضعتها السلطات المصرية أمام قافلة «شريان الحياة»، خصوصاً حين ذاعت بينهم أخبار عن تعرض الشرطة المصرية للمشاركين فيها، فإنهم أحاطوا بالقنصلية المصرية في استانبول وهددوا باقتحامها إذا ما تعرضت عناصر الحملة للاعتداء.

مثل هذا الغضب المختلط والدهشة شائع في أوساط الناشطين في العالم الإسلامي ولدى رسائل عديدة معبرة عن تلك المشاعر أتلقاها عبر البريد الالكتروني من إندونيسيين وماليزيين وباكستانيين خصوصاً ممن يدرسون في أوروبا. مما يحير هؤلاء أيضاً أن جهود الإغاثة ودعوات المقاطعة الأكاديمية والفنية أو مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية نشطة وظاهرة في الدول الغربية، في حين أنها تتراجع وتخفت بمضي الوقت في العالم العربي.

الملاحظة المهمة الجديرة بالرصد في هذا السياق أن العالم العربي في السنوات الأخيرة يزداد ابتعاداً عن القضية الفلسطينية واقتراباً من "إسرائيل"، في حين أن الرأي العام الغربي والأوروبي بوجه أخص يزداد وعياً -نسبياً- بحقائق القضية وابتعادا عن "إسرائيل" وقد ظهر ذلك بشكل واضح عقب العدوان الإسرائيلي على غزة الذي فضحه وأدانه تقرير القاضي ريتشرد جولدستون على الصعيد الدولي، في حين تستر عليه في حينه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وساعد "إسرائيل" على الإفلات من الإدانة بسببه، كما لم تأخذه الحكومات العربية مأخذ الجد.

لم يقف الأمر عند حد تراجع أولوية القضية وتقدم مسيرة التطبيع باسم ذرائع مختلفة، وإنما بدا أن تفكيك القضية والتفريط في ثوابتها أصبح أمراً ميسوراً ومقبولاً فثمة شبه توافق الآن على إمكانية التنازل عن الأرض بدعوى «تبادل الأراضي»، بحيث تبقى المستوطنات كما هي وتستأثر "إسرائيل" بالأرض الزراعية ومصادر المياه، وتعطي السلطة الفلسطينية مساحات مقابلة لها في صحراء النقب. وثمة تركيز واهتمام بالسلطة والدولة أكثر من الاهتمام بالأرض التي هي جوهر النزاع، وثمة إقرار بالتنازل عن حق العودة والحديث الآن جار حول المقابل والبديل. وثمة شبه إجماع بين الدول العربية ورجال السلطة في رام الله على إدانة المقاومة واتهامها (تلك مشكلة غزة الحقيقية) الأمر الذي أفرز وضعاً غاية في الغرابة بمقتضاه تم التنسيق الأمني بين السلطة وبين "إسرائيل" لملاحقة المقاومة وإجهاض عملياتها.

(4)

الأعجب والأخطر مما سبق هو ذلك التغيير الذي تلوح بوادره في الأفق العربي، وبمقتضاه تختفي صورة العدو الإسرائيلي، لكي تصبح إيران هي العدو الجديد. صحيح أن "إسرائيل" ما برحت تروج لذلك الادعاء (وهو أمر طبيعي) لكن الغريب في الأمر أن بعض الأطراف العربية صدقته وصارت تروج له بدورها. آية ذلك أنني قرأت في صحيفة «الشرق الأوسط» (عدد 13 أبريل الماضي) أن تجمعا عالميا شهدته العاصمة السعودية الرياض جدد التحذير من خطر برنامج التسلح الإيراني على المنطقة بأسرها، وخرجت التحذيرات تلك من خلال بحوث متخصصين في الطاقة النووية أيدوا وجود خطر واضح في البرنامج النووي الإيراني، الذي (يؤثر سلباً) على منطقة الخليج وتوازن القوى في المنطقة، وفقاً لآراء المتخصصين. وقد لاحظت أن هذه الندوة نظمها أحد مراكز البحوث السعودية بالتعاون مع مركز ستيمسون الأمريكي، ومن المصادفات أنني دعيت لمناقشة الموضوع في إحدى المحطات التليفزيونية المصرية، ولكنني اعتذرت وقلت لمعد البرنامج الذي اتصل بي إنني لا أمانع في المشاركة في حالة ما إذا بدأنا بالحديث عن السلاح النووي الإسرائيلي لسبب جوهري هو أن ما يخص إيران هو احتمال يشيعه الأمريكيون والإسرائيليون، أما السلاح النووي الإسرائيلي فهو حقيقة مسكوت عليها.

حين يطل المرء على الساحة العربية من علٍ، يجد أن العالم العربي يساق ذاهلاً ومستسلماً في طريق رسمه الأمريكيون ليس فقط لتصفية القضية الفلسطينية وتمكين "إسرائيل" من تحقيق ابتلاع فلسطين ومحوها من الخريطة، وإنما أيضاً لينفتح الطريق بعد ذلك لإخضاع العالم العربي بأسره. وهى الجائزة الكبرى التي ينتظرها الطرفان على أحر من الجمر. إننا نساق إلى الانتحار بخطى حثيثة.

صحيفة الشرق القطرية

نقلا عن المركز الفلسطيني