مشاهدة النسخة كاملة : المواجهة القادمة/ محمد ولد سيدي


ابن تيارت
05-08-2010, 09:25 PM
المواجهة القادمة/ محمد ولد سيدي

يسود الاعتقاد بأن بلادنا تعيش وضعا غير مستقر، فمنذ أن اهتزت الثقة في إمكانية استمرار نظام ولد الطايع دخلت البلاد في دوامة من عدم الاستقرار يبدو أنه علينا أن ننتظر بعض الوقت قبل أن تصل نهايتها. لقد تضاعفت وتيرة الانقلابات وتساقطت أقنعة الجهات الداخلية المصرة على التدخل في شؤوننا الداخلية كما انكشفت بشكل أكبر الجهات الداخلية المصرة على خدمة الأجندات الخارجية.
صحيح أن الانتقال الهادئ للسلطة سنة 2007، خلق الانطباع بأن البلاد قد خرجت من النفق غير أن الأحداث اللاحقة أثبتت أن كرسي "القيصر" يظل شاغرا وأن مصير مملكته أن يتقاسمها الأتباع، إذ أنه رغم تعاقب الرؤساء وتعدد الانتخابات يظل الشعور المسيطر أن الشرعية هي الغائب الأكبر وأن القوة تبقى وحدها الوسيلة المتاحة للاستمرار في السلطة أو للوصول إليها.


وحين يسود هذا الشعور يطرح الجميع السؤال ذاته: لماذا هو وليس أنا؟ أو على الأصح لماذا هم وليس نحن؟ ويبدأ الفاعلون الأكثر حضورا والأقدر على تجميع مصادر القوة في دراسة مختلف جوانبه وفي محاولة الإجابة عليه. حينها تتصاعد الاحتجاجات وترتفع النبرات وتصبح جميع الوسائل مباحة في سبيل التمتع بالحقوق أو استعادتها.
ليس من الصدفة في شيء إذا أن تعج الساحة بمختلف المطالب الحدية ذات الطبيعة السياسية أو العرقية أو الفئوية أو الجهوية أو الطائفية... ، ولا أن تتكالب الأطماع الخارجية كما لم تتكالب من قبل من أجل مراقبة الوضع والتأكد من أنه لن يتطور في غير مصلحتها. كما ليس صدفة أن تحتل "الأقليات الاستراتيجية" الواجهة في الصراع الدائر على السلطة نظرا لما تتمتع به هذه الأقليات من مزايا تجعلها في نظر أعضائها هي المؤهلة أكثر من غيرها للاستمرار في السلطة أو للوصول إليها.
نحن إذا أمام صراع مفتوح على مختلف الاحتمالات بين "أصحاب حقوق" قابلين في أية لحظة إلى التحول إلى "أمراء حرب" لن يعوزهم لا الدعم الداخلي ولا الخارجي ولا البيئة الملائمة لتشجيع النزاعات الهدامة باعتبار أن ما يميز شبه المنطقة هو عدم الاستقرار وتكاثر العصابات ذات الطبيعة الإجرامية، وباعتبار أن ما يميز الوضع الداخلي هو التوتر والتحفز والضياع.
قد يترك الاستقطاب الراهن داخل المشهد السياسي الانطباع بأن المواجهة القادمة ستكون بين السلطة من جهة والمعارضة الديمقراطية من جهة أخرى، غير أنه انطباع خادع نظرا لتعدد مراكز القوى داخل الطرفين ونظرا لأن بؤر التوتر الخطيرة توجد خارجهما. فالمواجهة بين الطرفين لن تكون سوى إشارة الانطلاق لفاعلين أصغر حجما لكن أقوى تنظيما وأكثر جاهزية وقدرة على المغامرة.
توجد بؤر التوتر هذه داخل قوى المال والعسكر كما توجد على حدود الدولة وداخل التنظيمات العابرة للدول وفي أحزمة البؤس المحيطة بالمدن حيث يعشعش الفقر ويعم التهميش واليأس، تتستر أحيانا بعباءة الدين وتختفي أحيانا أخرى تحت ستار العرق أو الفئة أو المصلحة المشتركة. لكن أقنعتها سرعان ما تتساقط لمجرد اندلاع المواجهة ليتحول المتحاربون إلى وحوش لا تقيم وزنا للدين ولا لأي اعتبار آخر غير الاستمرار في المقاومة والحصول على مزيد من الامتيازات.
يتصور النظام أن بإمكانه ضبط الأوضاع ويضع آلته القمعية على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تحرك مهما صغر شأنه، غير أنه أكثر هشاشة وأقل خبرة من أن يستطيع الصمود في وجه الإعصار القادم لأن ما يعتبره مصدر قوته الأساسي سيكون في النهاية أكبر مصدر خطر عليه ولأن شرعية "الانجاز" التي يتبجح بها قد اتضح زيفها في ظرفية يطبعها تدهور مخيف في الظروف الحياتية للمواطنين وانسداد غير مسبوق للآفاق.
كل ذلك يحدث بعد أن انكشف النظام لشركائه الخارجيين باعتباره نظاما غير مأمون وغير قابل للاستمرار، تماما كما انكشف لشرائح عريضة من المواطنين صدقت في البداية حسن نواياه، ولم يعد لديه ما يتعلق به داخليا سوى رموز مرحلة ولد الطايع الأكثر فسادا و"قدامى المحاربين"، وخارجيا سوى وعود من نظام الملالي في طهران واستشراف ما إذا كانت هافانا ما تزال قادرة على تقديم بعض العون.
متى تندلع هذه المواجهة؟ سؤال لم تعد الإجابة عليه صعبة بعد أن دخلت البلاد منطقة الزوابع وتحددت بشيء من الوضوح معالم خارطة طريق العنف القادم. لقد باتت الأعصاب مشدودة لدرجة أن أي حادث عرضي بسيط يمكن أن ينقلب إلى كارثةّ! ألم يتسبب تصريح غير محسوب للوزير الأول في توتر عرقي عنيف قاد إلى مواجهات الجامعة التي كادت أن تمتد إلى الشارع؟ ألم يسفر توقف الحمالين عن العمل –للمطالبة بتحسين ظروف عملهم- إلى مواجهات عنيفة ما تزال قابلة للتطور نحو الأسوأ؟
ليس في الأمر أية غرابة لأننا في فترة تكسرت فيها كل الحدود وتحطمت كل الحرمات لدرجة أن الدولة ذاتها لم تعد تمثل قيمة ذات بال بالنسبة لأي كان، بل أصبحت متهمة بأنها تعمل ضد وجودها. وهي فترة لم يعد مثيرا فيها أن توجه بعض القوى الوطنية نداء علنيا إلى الدول الأجنبية للتدخل في شؤوننا الداخلية أو أن تبايع على الملإ إماما أجنبيا على السمع والطاعة، ولا أن تتمكن استخبارات دول مجاورة –لديها حسابات مع الدولة- من دخول كل بيت حتى أكثر البيوتات رمزية في النظام الجمهوري.
وهذا يعني أن الشروط الموضوعية للمواجهة قد نضجت وأنه علينا أن نتوقع اندلاعها في أية لحظة خصوصا وأن البلاد مقبلة على مرحلة ستتسع فيها المجاعة لتطال مئات الآلاف من المواطنين وسيشهد فيها مركز الشرائح الأوسع من البرجوازية الصغيرة –التي كانت تراهن على نشاطات الدولة في تحقيق طموحاتها- انهيارا مروعا سيقضي على ترددها ويدفعها في أحضان شتى صنوف المغامرين.
وخلال هذه المرحلة لن يكون لدى السلطة ما تقدمه للتخفيف من الاحتقان سوى القمع، وحين يكون القمع هو الرد الوحيد المتاح على المطالب العادلة تكون الأوضاع قد بلغت نقطة اللاعودة ولا يعود هنا مفر من المواجهة.


""""عن تقدمي"""

أبو فاطمة
05-09-2010, 02:12 AM
شكرا لك يابن تيارت وللكاتب.
و عليه وعلى غيره من الكتاب أن يكتبو بلغة تقربنا من الإصلاح ولا تفتح المجال للغو والتطرف في مجال السياسة فالكاتب يصف الوضع كما هو وينير الطريق للتغيير ويفتح نوافذ الأمل ويغلق باب اليأس.