مشاهدة النسخة كاملة : الإصلاح "القلق" في تركيا


أبو فاطمة
05-08-2010, 09:38 AM
الإصلاح "القلق" في تركيا



محمد نور الدين

مرّت جميع المواد المقترحة للتعديلات الدستورية في البرلمان التركي بنجاح في الدورة الثانية للتصويت . والرزمة الجديدة للإصلاح تتضمن تعديل 28 مادة في الدستور .
لكن الأصوات التي حصل عليها التعديل لم تبلغ ثلثي الأصوات لتصبح نافذة إذا وقّع عليها الرئيس . لكنها حصلت على أكثر من 330 صوتاً من أصل 550 وهي نسبة كافية لتحال إلى استفتاء شعبي .
ومع أن حزب العدالة والتنمية هو عرّاب كل هذه الإصلاحات فإنه كان يراهن على أن توافق بعض الأحزاب الأخرى لينجح التعديل في البرلمان من دون الذهاب إلى استفتاء شعبي .
مع ذلك كان الحزب ورئيسه رجب طيب أردوغان يدركان صعوبة مهمتهما وهما في الأساس يفضلان الذهاب إلى الاستفتاء لكي تكون نتائجه مبرمة غير قابلة للطعن بعد صدورها من جانب المحكمة الدستورية .
والاحتكام إلى الشعب كان احدى مزايا حزب العدالة والتنمية وهي خاصية للأنظمة الديمقراطية في الغرب، ويسعى اردوغان إلى تعويد الناس عليها بهدف تحرير الإصلاح من قيود النخب ومراكز القوى القديمة التي لا تزال تتحكم في العديد من مفاصل الدولة .
الجولة الأولى من مباراة الحكومة والمعارضة حول الإصلاح انتهت إلى فوز حزب العدالة والتنمية لكن بالنقاط .
إذ إن إحدى اهم المواد في رزمة الإصلاح سقطت في الدورة الثانية من الاقتراع وسحبت بالتالي من الرزمة .
وكان حزب العدالة والتنمية يعلق اهمية عليها نظراً لأنها تتعلق بتصعيب شروط إغلاق الأحزاب بصورة كبيرة، اذ يسحب مشروع التعديل المبادرة من يد المدعي العام ويلقيها بين يدي البرلمان .
هذه المادة لا تزال تعرّض الأحزاب المغضوب عليها من جانب مراكز القوى العلمانية المتشددة لسيف الحل أو التهديد بالحل . وسقوطها أثار غضب أردوغان خصوصاً أن ثمانية من نواب حزبه قد خانوه وصوتوا ضد التعديل فسقط الاقتراح .
غير أن سقوط هذه المادة يفتح على قضية من نوع آخر، إذ إن حزب السلام والديمقراطية الكردي الذي يمتلك عشرين نائباً في البرلمان قد اقترع ضد مادة تصعيب حظر الأحزاب، وكان ذلك مفاجأة كبيرة .
ذلك بأن الأحزاب التي كان يشكلها الأكراد على امتداد العشرين سنة الماضية قد أغلقت جميعها من جانب المحكمة الدستورية .
وبالتالي فإن تأييد تعديل هذه المادة كان أكثر من متوقع من جانب الحزب الكردي . لكن هذا لم يحصل .
المسؤولية الأولى تقع بالتأكيد على عاتق حزب العدالة والتنمية الذي لم يلتزم كل أعضائه بتأييد المادة .
مع ذلك فإن الموقف الكردي المعارض لتعديل المادة سوف يطرح علامات استفهام عديدة حول رغبة الحركة الكردية في تركيا في الإصلاح .
لقد ورث حزب العدالة إرثاً ثقيلاً جداً وما أنجزه حتى الآن كان معجزة تتطلب الاستكمال بطبيعة الحال، لكن تصويت الحزب الكردي ضد المادة التي تصعّب حظر الأحزاب لا ينسجم مع مسار الاصلاح الذي يخفف من قبضة القوى القضائية والعسكرية الكمالية التي مارست عنصرية ضد الأكراد . وبهذا التصويت كأنما تقول الضحية لجلاّدها بأن يواصل جلدها، وهذا أمر غير مقبول ممن يسعون إلى تحقيق حقوقهم في الهوية والعدالة في تركيا .
من جهة ثانية نجح حزب العدالة والتنمية في تطويق سقوط المادة المتعلقة بالأحزاب من خلال مرور مواد مهمة في الرزمة ولا سيما تغيير بنية المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين وهما المعقلان الأخيران لقوى الدولة العميقة إذا وضعنا جانباً المؤسسة العسكرية .
واليوم تنتظر عبدالله غول، رئيس الجمهورية، مهمة تاريخية بالتصديق على رزمة التعديلات ليمكن احالتها إلى استفتاء شعبي .
لكن لا شك أنه من هذه اللحظة سوف تبدأ المواجهة الكبرى، إذ يحضّر حزب الشعب الجمهوري المعارض والعلماني المتشدد والمعروف بأنه الذراع السياسية للمؤسسة العسكرية لتقديم طعن إلى المحكمة الدستورية لمخالفة بعض المواد أحكام الدستور، وفقاً لرؤية الحزب . وهنا يمكن أن يصدر المدّعي العام دعوى لحظر حزب العدالة والتنمية ومنع أردوغان ورفاقه من العمل السياسي قبل ان تتعرض بنية المحكمة الدستورية للتعديل، بهدف خلق فوضى سياسية تثير هلع الناخب فيحمّل حزب العدالة والتنمية مسؤولية الفوضى والتوتر فيختار أحزاباً أخرى في الانتخابات المقبلة .
طريق حزب العدالة والتنمية في بلد مفتوح على كل الاحتمالات، لا يزال طويلاً . ولكن ما يقوم به لا بد منه خصوصاً أن تركيا قوية في الخارج لا يمكن حمايتها إلا بنظام سياسي قوي ومعاصر وحديث .
نقلا عن الخليج الإماراتية