مشاهدة النسخة كاملة : صراع البقاء في موريتانيا


ابن تيارت
05-06-2010, 09:32 AM
صراع البقاء في موريتانيا




إلى أين تتجه موريتانيا . . سؤال دائم الاحتفاظ بمكانه “الفسيح” على طاولة الأحداث في هذا البلد الذي تحاول رماله الصفراء عقد مصالحة مع الديمقراطية .

لكن هذا السؤال يجد اليوم مشروعيته الكاملة بعد تسعة أشهر من انتخاب الرئيس محمد ولد عبدالعزيز والتطورات المتسارعة في الخريطة السياسية في البلد .

لقد توصل قادة المعارضة الموريتانية التقليدية (ولد داداه، ولد بلخير، ولد مولود) إلى إجماع على ضرورة إسقاط نظام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز . وأعلنوا يأسهم من المطالبة بالحوار مع النظام ذاته فلا نتائج مرضية مترتبة عن ذلك “الحوار المنشود” .

في الوقت نفسه، يبدو أن المعارضة الحديثة (يحيى ولد الوقف وبيجل ولد حميد والوليد ولد وداد، ورفاقهم) تباشر بلورة استراتيجية جديدة لا يعرف حتى الآن ما إذا كانت تسعى لأن تكون بديلا للمعارضة التقليدية أو للنظام ذاته .

هذا في حين تبدو الأغلبية الرئاسية “متشرذمة” و”مرتبكة” إلى حد كبير، وهناك من لا يرى في الإعلان عن ائتلاف أحزاب الأغلبية وكذلك التدفق غير المسبوق على حملة الانتساب للحزب الحاكم، إلا “ثقلاً” إضافياً على الجبيرة التي تلف “الصدع” والتي أصبحت أكثر ضررا بدل النفع الذي كان متوقعاً .


وإذنْ، لا تبدو الأمور جيدة، لا في صف المعارضة ولا صف الأغلبية الحاكمة، ويتجه الفريقان لخوض “معركة حاسمة” وكفة كل منهما تنوء بالجراح أكثر من الأسلحة، وبنقاط الضعف أكثر من نقاط القوة .

ترجح “الخليج” أن يكون للأحداث المرتقبة دور كبير في الخروج من حالة الاستقطاب الحالية .

الحدث الأول المرتقب هو اجتماع المانحين الخاص بموريتانيا في بروكسل .

ويراهن الجنرال عزيز على حشد التمويلات لبرنامجه الانتخابي الذي تضمن خطة تنموية طموحة نسبياً، وحجم التمويلات التي سيحصل عليها الاقتصاد الموريتاني من الاجتماع الجديد سيعبر بجلاء عن مسألتين؛ الأولى مدى تزكية المجتمع الدولي للنظام، والثانية مصير عشرات المشاريع التي تسمح للنظام بترسيخ أساساته وزيادة فرص “البقاء المؤثر” .
وقد لجأ الرئيس ولد عبدالعزيز، وبشكل غير معلن، إلى تشكيل خلية فنية لضمان جودة الدراسات والملفات المقدمة للمانحين، وعهد برئاسة هذه الخلية إلى رئيس الوزراء الأسبق الزين ولد زيدان، وهو أحد أفضل العقول المالية في البلد بالرغم من أخطائه السياسية الفادحة، وقد تمكن ولد زيدان من الحصول على 1 .2 مليار دولار في الاجتماع الماضي للمانحين، وهو ما فاق الطلب الموريتاني وقتها بأكثر من نصف مليار دولار .

وسيكون مصير اجتماع بروكسل، الذي توقعت المعارضة فشله فشلاً ذريعاً، حاسماً في شد قبضة الجنرال على الأوضاع في البلد خلال السنوات القادمة .

الانتخابات

أما الحدث الثاني المرتقب فهو الانتخابات النيابية، وهذه الانتخابات باتت وشيكة سواء في موعدها الطبيعي (2011)، أو جاءت أبكر بمرسوم رئاسي .



وقد بدأ ولد عبدالعزيز التمهيد لهذه الانتخابات بإطلاق أول حملة انتساب للمواطنين إلى الحزب الحاكم، وكذلك الشروع في مشاريع “مدرة للشعبية” من قبيل توزيع 22 ألف قطعة سكنية على الفقراء في أحياء الصفيح، والإعلان عن مشروع إمداد جميع أحياء ومقاطعات نواكشوط بالكهرباء والماء قبل نهاية السنة الجارية، وهو ما سيضع حداً ل”سنوات الظلام والعطش”، في ساكنة نواكشوط الذين يمثلون ثلث ناخبي البلد، إلى غير ذلك من ترتيبات مشروعاتية تهدف إلى النزول لقاع القواعد الانتخابية على حساب إهمال كبار الناخبين . ونجحت هذه الخطة انتخابياً لأول مرة في الرئاسيات الماضية . وسيكون تكرارها لمرة ثانية “تحولاً جديداً” في نمط التعاطي مع الشريحة الناخبة .



أما أهداف ولد عبدالعزيز من هذه الانتخابات النيابية فهي:



حرمان المعارضة من منصب رئاسة البرلمان (ثاني منصب في الدولة) الذي يتولاه حاليا مسعود ولد بلخير، الرجل الأكثر حدة ضد النظام .

منع المعارضة التقليدية من الحصول على كتل برلمانية مؤثرة على غرار الكتل الثلاث الحالية (التكتل، التحالف الشعبي، اتحاد قوى التقدم) .


تقديم دليل جديد على القوة الشعبية للأغلبية الحاكمة عبر إلحاق ثالث هزيمة انتخابية بالمعارضة بعد الرئاسة والتجديد الجزئي لمجلس الشيوخ .
ولا يعرف ما إذا كان ولد عبدالعزيز سيمهد - عن قصد لمعارضة بديلة متمثلة في رفاق بيجل الأكثر هدوءاً وعقلانية . بعدما كان اندماج أحزاب “عادل، والبديل، وتجمع الشعب” ظاهرة لافتة . ذلك أن “هذه المعارضة” التي سبق لها وأن أدارت كواليس وواجهة الحكم لأكثر من عشرين سنة (عهدي ولد الطايع وولد الشيخ عبدالله) اختارت إعادة صفوفها في “منطقة سياسية وعرة” وغير قابلة للتحليل المباشر حتى الآن .

أما خيارات المعارضة التقليدية فهي صعبة في “الربيع الانتخابي” القادم . ذلك أنه فضلا عن الولاء التقليدي للأغلبية الناخبة نحو النظام، فإن خطاب المعارضة حتى الآن لم يرتق إلى المستوى الذي يفتح باب الرجوع أمام “المهاجرين” ويسحب البساط الشعبي من تحت أقدام النظام .

وهنا أمام المعارضة التقليدية خياران: إما المشاركة في الانتخابات النيابية بشروط الظروف وإكراهات أو حتى إملاءات الواقع، أو المقاطعة وهو ما يتيح للمعارضة الحديثة مكاسب أكبر من الانتخابات القادمة، لتحل بذلك محل المعارضة التقليدية وتستولي على امتيازاتها المعنوية والمادية (تقدم الحكومة الموريتانية رسمياً تمويلاً جزئياً للمعارضة) .

ويبدو أن المعارضة الموريتانية تراهن على عدة أوراق منها: وحدة الصف، والتمسك بالقواعد الوفية، والاستفادة من مغاضبي النظام، واستغلال الاستياء في صفوف بعض الشرائح الاجتماعية .

ولهذا بدأت المعارضة الموريتانية حملة تمزيق صورة النظام الذي بات في موقف الدفاع في هذه الفترة، بل يلاحظ ارتباكه الواضح في التعامل مع الملفات المستجدة (الملف العرقي، ومطالب النقابات، . . إلخ)، وإذا تمكنت المعارضة من “التشويش” على اجتماع بروكسل فإنها تكون قد مسحت الأرض أمام قدمها الانتخابية . وربما أكثر من ذلك قد تدفع جهات داخلية أو خارجية للإطاحة بالنظام . وهو ما يبدو أنه “الخيار الاستراتيجي” الذي توصلت إليه المعارضة التقليدية . لكن هذا الخيار مرهون بتحالف الظروف “المثالية” لصالح المعارضة .

رأيان

يرى المحلل السياسي أمين محمد أن اتجاه الأمور في موريتانيا على ضوء الحراك السياسي الحالي محكوم بأمرين: العلاقة مع الخارج وخاصة الغرب (أوروبا وأمريكا)، مضيفا أن هناك بعض الأنباء التي تشير إلى أن الفرنسيين بدأوا يأخذون مسافة من نظام ولد عبدالعزيز، وقد يندرج في ذلك تأخير اجتماع بروكسل، وما تردد عن عدم موافقة صندوق النقد الدولي على بعض السياسات التنموية الجاري تنفيذها حالياً من طرف الحكومة، مضيفاً “عودتنا مؤسسات التمويل الغربية على أنها واجهة للموقف السياسي الغربي” .



وتساءل “هل هذه الأنباء صحيحة أم لا، على كل حال تبدو هي الورقة الأهم في التأثير في مسار الأحداث في موريتانيا” .

أما الأمر الثاني فهو قدرة المعارضة الموريتانية على تجديد الأساليب، ذلك أن المعارضة، أثبتت أنها غير قادرة على تحريك الشارع بشكل يخرج عن سيطرة النظام ويتجاوز قدرته على القمع، مذكراً بعجزها عن تحرك الشارع بشكل كاف إبان (انتخابات 6-6) الملغية .

ويضيف “بالرغم من دعوة المعارضة للإطاحة بالنظام إلا أنني لا أتوقع انقلاباً عسكرياً خاصة مع تزايد سيطرة ولد عبدالعزيز على الأمور في البلد عسكرياً وسياسياً . كما أن الغربيين الذين قد لا يكونون مرتاحين من مواقف النظام في هذه الفترة كثيراً ما كانوا يتكيفون في النهاية ويطبعون علاقتهم بنواكشوط” .

وبدوره، يقول المحلل السياسي البارز رياض أحمد الهادي “يطبع المشهد السياسي الراهن الإجماع المنقطع النظير- بين الفرقاء السياسيين على “التوتير” و”التأزيم” و”الشحن” و”التسميم”، أي على إعداد البنية التحتية المثالية لتفكك الدولة وسيادة الفوضى . . إجماع تنافس فيه الأغلبية المعارضة وتتطوع شرائح عريضة من المجتمع المدني لتدعيمه ورص صفوفه فيما يشبه الاتفاق الضمني على السير بالبلاد إلى طريق مجهول .
ويضيف “فخلف الخطاب المتشائم للمعارضة تثوي قناعة بالاعتراف بالأمر الواقع وبأهمية تجنيب البلاد لهزات هي أكثر هشاشة من أن تتحملها، وخلف تفاؤل الأغلبية يثوي شعور بخيبة الأمل وخوف مما تخبئه الأيام . ومن خلف الجميع تضغط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية منذرة بتحقيق ما يعجز عنه التحريض والتفريط” .


ومع ذلك، يضيف ولد الهادي، فلا أحد يقف لالتقاط أنفاسه أحرى للتأمل في إمكانية وجود طريقة أخرى للتعاطي مع الأحداث . . كل الفرقاء السياسيين الموريتانيين متكلسون في مرحلة “قراءة الظرفية”، مفتونون بالخلاصات التي توصلوا إليها وفي نفس الوقت عاجزون عن اتخاذ الخطوات المطلوبة لتطبيقها، أي الخطوات الضرورية لتجنيب البلاد سلوك المنعطف الخطير .

ويؤكد أنه لا أحد يجد الجرأة لاتخاذ الخطوة الأولى، لأنه لا أحد يرضى بأقل من تدمير خصمه وفرض الاستسلام عليه! وفي انتظار نتائج “لي الذراع” يتعمق الشرخ وتتضاعف المعاناة وتتسع الهوة . ويضيف “إذا ما استمر السجال السياسي في تجاوز حدود اللياقة، ليرقى إلى مستوى الاستقطاب الذي يشكك في أسس التعايش بين المكونات الوطنية ويؤسس لقطيعة تامة بين أهم المتصارعين على حلبة السلطة . . فلن يبدو في الأفق سوى مخاطر أزمة سياسية حادة قد تتحول في غفلة من المتصارعين إلى خطر قد يطبق بفكيه على بلد هش تدفعه أنانية وانتهازية سياسييه شيئاً فشيئاً إلى التحلل والتلاشي” .
إلى أين تتجه موريتانيا . . يرد قيادي في المعارضة “تتجه نحو نهاية حقبة (الفرعون) ولد عبدالعزيز”، ويرد قيادي في الأغلبية “تتجه نحو الاستمتاع والتفرج على نهاية المعارضة” .

وأمام تصادم هذه “النهايات” التي توضع أثناء التفاصيل، لا يخبو صوت يؤشر إلى بداية “حقبة” طويلة من الصراع المفتوح . و”حيث لا وجود لشهور العسل في زفاف الرمال بالخيار الديمقراطي”.


"""عن الخليج"""