مشاهدة النسخة كاملة : المشهد السياسي الموريتاني وضرورة إعادة البناء والتجديد


ابن تيارت
05-03-2010, 08:43 PM
[المشهد السياسي الموريتاني وضرورة إعادة البناء والتجديد

بقلم: د. محمد عبد الله ولد محمد محمود

تناولت في مقال بالأسبوع الماضي توصيف المشهد السياسي الموريتاني بطريقة مختزلة ومبسطة، حتى لا أزيد جرحه النازف نزيفا، ولاقتناعي بأن الفاعلين المعنيين به أغلبهم إن لم يكن كلهم يستحضرون جيدا مدخلاته ومخرجاته أكثر مني
، وعليه يكون من غير المجدي نبش الماضي وإنما المهم هو استخلاص العبر واستشراف المستقبل من أجل الخروج من تيه الماضي وحنادس نفقه المتداعي قبل أن ينهار ـ لا سمح الله ـ علي رءوس الجميع، فأنا اعتقد أن المتابع لشأن مشهدنا السياسي مذ نشأته، يدرك لا محالة أن مخرجات هذا المشهد أقل ما يمكن وصفها به أنها مخيبة للآمال في بعض مراحلها وكارثية إن صح هذا التعبير في بعض الأحايين، وإن اختلفت الآراء حول الأسباب ومن المسئول عن تلك النتائج، وأري أن المسئولية في ذلك تقع علي عاتق الجميع وأن أسبابها تعود بالأساس إلي جمود الأفكار المتجلي في اجترار الماضي وعدم مسايرة السنن الكونية، والقاضية بضرورة إعادة البناء والتجديد لمسايرة عجلة الحياة الدائرة، وبغض النظر عن صحة أو خطأ وجهة النظر هذه أو تلك، أري أن واقع مشهدنا السياسي يستدعي التفكير الخلاق بجدية لتجاوزه وبناء مشهد سياسي جديد، يقوم علي أفكار وآليات وأساليب مغايرة لما عهدناه طيلة العقود الماضية التي هي عمر هذا المشهد الهلامي مذ ولادته، والذي ظل يشكو أمراض الطفولة حتى دبت الشيخوخة في مفاصله وعملت عملها في قواعده وبناه، ولم يعد بالتالي قادرا علي تقديم أدني حد من أجل استمرار يته، وأعتقد أن جل أطياف هذا المشهد ينتابهم شعور عميق بضرورة إعادة البناء والتجديد، إلا أنهم يختلفون في تصوره اختلافا يصل حد التناقض الأمر الذي يجعل البعض يتخوف منه، بحسبان أنه قد يجرف ما يعتبره حقوقا مكتسبة قد حصل عليها من قبل، وأمام هذه الهواجس والتضارب في الرأي يفضلون الوقوف علي أطلال ألفوها، عن التحول إلي ديار جديدة تبني بسواعد مفتولة فتية قد تجعل الدار يصعب ولوجها من دون المرور بالباب، وحتى لا تتكرر تجارب الماضي الحزينة فإني أري أن أصحاب الفكر والريشة بهذا البلد يتحتم عليهم أن يبذلوا وسعهم، فيرعفوا مزابرهم ويعملوا أفكارهم ويوجفوا بخيلهم وركابهم لعلهم أن يعثروا علي قميص يوسف لينتزعوا به جبة عثمان، وبما أنني متطفل علي خوان القوم فإني أقدم بضاعة مزجاة لعلها أن يكون فيها "سداد من عوز" وذلك من خلال إثارة بعض الأفكار في هذا الموضوع تتعلق بأحد المكونات الأساسية لهذا المشهد، وهو المكون الحزبي باعتباره قطب رحاه الذي يدور حوله يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، فما هو إذن دور الفاعل الحزبي في أزمة المشهد السياسي؟ وما هي أبرز المعوقات التي أفضت به إلي الوهن بحيث أصبح عاجزا عن التجاوب مع متطلبات المرحلة؟ وكيف يتم تجديده وإعادة بنائه من خلال الإطار القانوني؟
بادئ ذي بدء يعتبر هذا الموضوع متشعبا وبالتالي لا تمكن معالجته من خلال مقال هنا أو هناك، وإنما يحتاج إلي دراسة معمقة ومستفيضة من ذوي الاختصاص وأصحاب الشأن، وعليه فحسبنا هنا أن نلفت الانتباه إلي الموضوع إجمالا، فأقول أن الحقل الحزبي يعاني من اختلال مزمن، يتجلي في غياب الممارسة الديمقراطية والتكاثر إما من فراغ أو من خلال الانشقاق، مما نتج عنه غياب التعددية السياسية رغم وجود تعددية حزبية، لعدم وجود برامج وخطابات تميز هذا الحزب عن ذلك لغياب مقاربة استراتيجية أو إيديولوجية مؤثرة، بالإضافة إلي غياب القيم والأخلاق والمبادئ المؤطرة للسلوك السياسي، ومن تجليات ذلك التناقض بين الخطاب والممارسة والخلط بين الدور المفترض والمصالح الشخصية والنتيجة شخصنة الحزب وغياب بديل في حال رحيل زعيمه والطابع الإقصائي (كل حزب بما لديهم فرحون)! يعمل علي إقصاء الآخرين ويدعي إنه بمفرده يمثل الشعب ولو تم احترام إرادة هذا الأخير لاختاره هو! وبالتالي فأية انتخابات مهما وصلت من الشفافية فهي مزورة مادام هو لم يفز بها، وحين يكون هذا الحزب في إطار الأغلبية الحاكمة يطالب باحترام إرادتها باعتبارها تمثل الشرعية، أما إن كان في موقع الأقلية المعارضة فإنه يتهم الأغلبية بالإخفاق والعمالة... ويطالب بتبني معيار آخر هو هذه المرة (التراضي) "شنشنة أعرفها من أخزم" بل إن أحدهم وصل به الأمر إلي القول أن له أهدافا محددة ومرسومة سلفا ولا يهمه مدي تطابقها مع الديمقراطية.
ومن أجل وضع قاطرة البناء علي مسار السكة، تجب مراجعة الإطار القانوني المنظم للأحزاب السياسية لتفعيل دورها في بناء الديمقراطية، والتي لا يمكن أن تترسخ كمنظومة وثقافة معاشة بدون المشاركة الفاعلة للمنظومة الحزبية، وعليه تكون دمقرطتها مدخلا أساسيا ومحوريا في مقاربة دمقرطة هياكل ومؤسسات الدولة وبنيات المجتمع، فالحزب له شخصية معنوية كالدولة ويسعى للوصول إلى السلطة، ولذلك هو بمثابة مدرسة متخصصة تسعى لإمداد السلطة برجالها المؤهلين لممارستها، من خلال انتاج قيادات وأطر يجيدون فن التوقع والاستشراف للمستقبل والتسيير، فضلا عن القدرة علي قراءة الواقع بكل تداخلاته السوسيولوجية والسياسية ... وتوظيفها التوظيف الصحيح، وهو ما يقتضي أن تكون الممارسة الديمقراطية واقعا معاشا في المنظومة الحزبية والمجتمع المدني، غير أن الممارسة الداخلية في الأحزاب وما يسمى بالمجتمع المدني في أغلبها عكس ما ينبغي أن يكون، حيث يتربع شخص علي هرمها طيلة حياته ويتصرف في شؤون الحزب أو الجمعية كما لو أنه يتصرف في ممتلكاته الخاصة, ولذا يعتمد بشكل سافر علي التعيين في إسناد المسؤوليات بدل الانتخاب وتتم المحاباة لذوى الإخلاص، إلي غير ذلك من المسلكيات غير الديمقراطية والتي من نتائجها ترسيخ المحسوبية والزبونية في كوادر هذه الهيئات، بسبب التنشئة الخاطئة التي تلقوها مما ينعكس سلبا علي أدائهم عندما يتسلموا المسئولية في إحدى مؤسسات الدولة يوما ما.
ومن أجل الحد من هذه الظاهرة تنبغي عقلنة الهيكل الحزبي وفي هذا الصدد نقترح :
_ إلزام كل حزب بوضع برنامج مغاير للأحزاب الأخرى، يتضمن بشكل لا لبس فيه المعالم الأساسية لتوجهاته، بحيث يمكن وصفه بأنه مشروع مجتمعي بغض النظر عن فلسفته.
_ أن تكون الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لإسناد المسئوليات داخل الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني.
_ أن تحدد فترة زمنية لا يمكن تجاوزها في رئاسة الحزب أو الجمعية الأهلية, علي غرار ما تم إقراره في المأمورية الرئاسية، ونري أن تحدد هذه الفترة بدورة واحدة رئاسية لكل حزب استطاع دخول البرلمان، أما الحزب الذي لم يستطع دخول البرلمان فيجب علي رئيسه الاستقالة فورا من أجل إتاحة الفرصة لأحد الأعضاء الآخرين، ولا يحق له الترشح لرئاسة الحزب من جديد حتى تدور الرئاسة علي جميع الأعضاء المنضوين في الحزب.
_ أي حزب لم يستطع دخول البرلمان في مناسبتين تشريعيتين يجب حله، حتى نحد من هذا الكم الهائل من الأحزاب الوهمية، فنحن الآن لدينا أكثر من ستين حزبا لا يوجد منها حزب يمكن وصفه بالطاهر، وبهذه الطريقة نوفر حلا ديمقراطيا يخفف من فوضوية المصرح الحزبي وعقدة الزعيم التي ظلت غير قابلة، للحل إلا بوفاته أو عن طريق الانشقاق عن الحزب الأم، ليعيد الحزب الجديد إنتاج الحلقة المفرغة من منظومة القيم التي تعلل بها لتبرير انشقاقه.
وهو ما يعني أن المنظومة الحزبية بحاجة ماسة إلي مدونة أخلاق علي غرار مدونة حسن السلوك التي اقترحتها اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، ووقعت عليها يوم 7 سبتمبر 2006 كافة الأحزاب السياسية حينها لخوض استحقاقات الفترة الانتقالية يومها وتكون هذه المرة في صياغة شاملة بحيث تضمن :
_ تنظيم وتأطير سلوك ومواقف وخطابات الفاعلين السياسيين في كل زمان ومكان، وفق المعايير الديمقراطية كنظام لحكم المجتمع، وبالتالي يجب أن تكون الخطابات والأهداف المحددة والمرسومة من قبل الفاعل السياسي متسقة مع هذا النظام.
_ ضرورة التمييز بين النظام الحاكم والوطن.
_ التحلي بثقافة التعايش وقبول الآخر من خلال التمرن علي ذلك بالفعل، حتى يصبح سلوكا معتادا.
_ إعطاء الأولوية للهم العام للمواطن من أجل معالجته حسب ما هو متاح، باعتبار ذلك هو أهم خصائص الحزب السياسي كوسيط بين الدولة والمجتمع وآلية ضبط للصراعات بينهما، من خلال بلورة وتوصيل مطالب المجتمع للنظام الحاكم، والضغط عليه بالوسائل المشروعة للاستجابة لتلك المطالب وتحويلها إلي مخرجات بعد أن كانت مدخلات، وبقدر نجاحه في هذه المهمة ينال شرعيته وتتوسع قاعدته الجماهيرية والعكس صحيح، بل إن السعي للسلطة يفترض فيه أنه ليس غاية، وإنما هو وسيلة لتحقيق تطلعات المجتمع المتمثلة في الهم العام للمواطنين.
_ رسم وتوضيح طريقة التعامل من طرف قيادة الحزب مع مناضليه، وعلاقته مع الأحزاب الأخرى بما يضمن الابتعاد عن منطق الغاية تبرر الوسيلة، وحتى لا تكون هذه الأحزاب مقاولة يعتاش منها السياسيون فقط علي حد تعبير ماكس فيبر، أو زاوية لها مريدوها الذين يحملون الهدايا الثمينة من أجل غفران خطاي المال العام في أحسن الأحوال، أو من أجل غض الطرف عن الاستمرار في غمار تلك الخطايا.
_ الابتعاد عن إثارة واستغلال مشاعر المواطنين حول قضايا تهدد أمن وسلم المجتمع.
_ الالتزام بتأطير الجماهير طيلة السنة بدل العمل الموسمي.
_ قبول نتائج صناديق الاقتراع مهما كان، كنتيجة طبيعية للعبة الديمقراطية التي لا بد أن يكون فيها فائز وخاسر وإلا لظلت تدور في حلقة مفرغة.
والخلاصة أننا بحاجة إلي ثورة فكرية لتجسيد الديمقراطية من خلال الممارسة الفعلية، بعيدا عن رفع الشعارات والخطب الرنانة والممجوجة لطول ما لاكتها الألسن ومجتها الأسماع، والتي نكذبها في جميع تصرفاتنا العامة والخاصة وإلا فالأجدر بنا أن نقول:
أستغفر الله من قول بلا عمل لقد نسبت به نسلا لذي عقم.
* دبلوماسي وباحث متخصص في القانون العام. Gmail.com@mhd.abd1978