مشاهدة النسخة كاملة : القدس وحق الأمة في المعرفة


أبو فاطمة
05-01-2010, 07:15 AM
القدس وحق الأمة في المعرفة
أ. د. سليمان صالح



المعرفة من أهم وسائل تحقيق النصر، فالأمة يجب أن تعرف نفسها لكي تستخدم ما تمتلكه من تجارب تاريخية وخبرات إنسانية وثوابت دينية وأسس حضارية في تحقيق النصر.

لذلك فإن الطريق إلى تحرير القدس يبدأ بكفالة حق الأمة في المعرفة، وتقوية الوسائل التي تحصل بها الأمة على حقها في المعرفة.

والأمة التي تعرف ليس من السهل تضليلها وخداعها، لذلك فإن احتلال "إسرائيل" للقدس عام 1967 كان إحدى نتائج تجهيل الأمة الإسلامية وتضليلها... وهذه العملية قام بها المستبدون العرب وقوى الاستعمار الغربي.

ونتيجة عملية التجهيل صدقت الجماهير العربية الكثير من المقولات الزائفة التي روجتها الدعاية الإسرائيلية.

ولأن معظم المسلمين يجهلون تاريخهم، فإنهم لم يتمكنوا من الدفاع عن ذاتهم وحقوقهم، ولم يتمكنوا من تعريف العالم بإنجازاتهم الحضارية والتاريخية.

في ظل الإسلام

من أهم الحقائق التي تم تجاهلها والتعتيم عليها أن المسيحيين قد عاشوا أزهى عصورهم في القدس تحت حماية الإسلام، وأن المسلمين قد حافظوا على كل حقوق المسيحيين الدينية والمدنية.

وترتيباً على ذلك، فإن الأمناء على مدينة القدس وعلى فلسطين كلها بكل ما فيها من مقدسات هم المسلمون وحدهم، وأنهم وحدهم يتحملون المسؤولية التاريخية عن حماية القدس بكل ما عليها من مقدسات دينية وشواهد حضارية.

وقد تعامل المسلمون مع المسيحيين بكل كرم، وكانوا يقومون بحماية كنائسهم، كما كانوا يحمون الحجاج المسيحيين الذين يذهبون إلى القدس، ولقد قام المسلمون بتعبيد الطرق، وسهل ذلك وصول الحجاج المسيحيين طوال الفترات التي كانت القدس فيها تحت السيادة الإسلامية.

إن توضيح تلك الحقيقة للعالم يشكل مواجهة للدعاية الصهيونية والغربية... ولدينا في فلسطين الكثير من النصارى الذين يمكن أن يقدموا شهادتهم على صحة هذه الحقيقة.

يضاف إلى ذلك أن ليست هناك أية حالة تعرض فيها مسيحي للظلم في مدينة القدس طوال حكم الإسلام.

لذلك فإن المسيحيين في القدس لم يعرفوا العدل والأمان والحماية إلا في ظل الإسلام. وهذا يعني أن الإسلام لم يتكفل فقط بحماية الحرية الدينية، ولكنه وفر للذين يمارسون حريتهم الدينية الأمن والطمأنينة والسلام والحقوق المدنية والحق في العمل والتجارة والرزق.

عندما حرر الإسلام القدس

والمسلمون لهم فضل عظيم على البشرية كلها لأنهم حرروا القدس من الطغاة الرومان بكل قسوتهم وصلفهم واضطهادهم للبشر.

لقد كان الرومان يضطهدون المسيحيين الذين لا يؤمنون بالتثليث ويصرون على التوحيد... كما أنهم كانوا يتعاملون باستعلاء وغرور مع نصارى العرب الذين يسكنون الشام، وكان الرومان يستخدمون نصارى الشام لحماية حدود الدولة الرومانية، لكنهم كانوا يتعاملون معهم كعبيد حتى أن الأباطرة الرومانيين كانوا يتعاملون مع ملوك الغساسنة بكل عنصرية، ويعتبرونهم عبيداً.

ولأن الأباطرة الرومان كانوا يهتمون فقط بأمنهم الشخصي وحماية سلطانهم، والقضاء على المعارضين فإنهم لم يهتموا بتأمين الطرق، وهو ما أدى إلى انتشار قطاع الطرق، وفي الكثير من الأحيان كان قادة جيوش الرومان يشجعون قطاع الطرق في مقابل الحصول على الإتاوات.

أدى ذلك إلى عدم قدرة الحجاج المسيحيين على الوصول إلى القدس. لذلك كان انتصار المسلمين على الإمبراطورية الرومانية وتحرير القدس من سيطرتها بداية فترة ازدهار الحج إلى القدس، وتمتع الحجاج المسيحيين بالأمان.

الغريب أن الرومان قد شجعوا البابا إربان الثاني على نشر أكذوبة تاريخية هي أن الحجاج المسيحيين تعرضوا للقتل على أيدي المسلمين، واستخدام هذه الأكذوبة في إثارة المشاعر الدينية للمسيحيين في أوروبا وتعبئة الجيوش لشن حرب صليبية ضد المسلمين.

وعندما دخلت جيوش الصليبيين مدينة القدس أغرقوا المدينة في بحار الدماء التي خاضت فيها الخيل، وقد قدر عدد الذين تم ذبحهم من المسلمين في مدينة القدس بسبعين ألفاً كان معظمهم من طلاب العلم والعلماء.

وبدخول الصليبيين القدس لم يستطع الحجاج المسيحيون الوصول إلى المدينة المقدسة، وانتشرت الجرائم، وعاد قطاع الطرق الذين كانوا من فرسان الصليبيين، وكانت فترة الاحتلال الصليبي لفلسطين فترة اضطهاد ديني، ولم ينعم النصارى العرب بالأمان في ظل حكم الصليبيين.

إن القراءة المتعمقة للتاريخ تثبت أن الحرية الدينية لم يتم احترامها إلا في ظل الحكم الإسلامي، وأن ضمان حقوق المسيحيين لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل الحكم الإسلامي، وأن أية حلول لقضية القدس مثل فرض السيادة الدولية هو عمل ضد الإنسانية، ذلك أن الإسلام وحده هو الذي يحمي حرية أصحاب الأديان المختلفة ويحمي حقوقهم.

ولكن من المتطرف؟!.

بالرغم من أن هذه الحقيقة واضحة لكثير من العلماء المسلمين، فإنهم لم يستخدموها في الرد على الهجوم الدعائي الغربي ضد الإسلام، وكانت معظم ردود المسلمين ضعيفة، وتأتي في صياغة اعتذارية كما لو كان هناك اعتراف ضمني بهذه الاتهامات.

لذلك فإن الأمة تحتاج إلى جيل جديد من العلماء يقرأ التاريخ بشكل جيد، ويستطيع أن يرد بقوة على الدعاية الغربية، ويستطيع أن يشكل وعي الأمة بإنجازاتها الحضارية وفضلها على البشرية.

من أهم الاتهامات التي يوجهها الغرب للمسلمين أنهم متطرفون... وهذا الاتهام يتناقض مع الحقائق التاريخية، فالتاريخ يؤكد أن المسلمين تعاملوا مع أصحاب الديانات الأخرى خاصة المسيحيين بتسامح وفضل وكرم وعدل واعتدال. ومن المؤكد أن الذين يقومون بحماية الحجاج المسيحيين حتى يصلوا إلى المدينة المقدسة، ويحمونهم وهم يؤدون شعائرهم الدينية ويحملون رموزهم مثل الصليب، ويحمون الكنائس والآثار المسيحية هم بالتأكيد لا يمكن أن يوصفوا بالتطرف.

التاريخ يؤكد أيضاً أن المتطرفين الحقيقيين كانوا هم الصليبيون الذين ارتكبوا جرائم الإبادة للمسلمين داخل المدينة المقدسة، وهم الذين أغرقوا القدس في الدماء.

لذلك فإن المسلمين هم المعتدلون الحقيقيون الذين يتحملون أمانة حماية القدس، وحماية كل أصحاب الأديان عليها، ولذلك فإنهم كما كان لهم الفضل في تحريرها من الاستعمار الروماني فإنه لابد أن يكون لهم الفضل في تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي الذي شوه جمال المدينة وعظمتها بتلك المستوطنات القبيحة التي تتناقض مع جلال القدس كمدينة للعلم والمعرفة والحرية.

وأحرار العالم يجب أن يعرفوا

وإذا ما عرف المسلمون الحقائق التاريخية التي تبرهن على فضل الإسلام في حماية المدينة المقدسة، فإنهم يجب أن يتحملوا مسؤوليتهم في نقل هذه الحقائق إلى العالم، وتعريف كل أحرار العالم بها.

والصراع في هذه المرحلة يجب أن يدور حول حق كل إنسان في المعرفة، لأن الإنسان الذي يعرف الحق لابد أن ينحاز له، لأن الحق دائماً له من الجمال ما يجذب إليه كل نفس حرة.

وأحرار العالم عندما يعرفون الحقيقة، ويحررون أنفسهم من أسر الدعاية الصهيونية والأكاذيب الغربية سيقفون معنا في معركتنا الكبرى لتحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي، لأن الإسلام وحده هو الذي يحقق العدل ويحمي الحقوق في المدينة المقدسة.

والذين يبنون تلك المستوطنات القبيحة، ويهدمون المباني التاريخية الجميلة لا يفهمون معاني الحرية والعدل والجمال، لقد ملأ القبح نفوسهم، ففضلوا أن يبنوا مئات المساكن ليدمروا جمال المدينة وأصالتها.

القدس ليست كأي مدينة أخرى.. إنها مدينة العلم والمعرفة والحرية والجمال، والذين يجب أن يسيطروا على هذه المدينة هم من يفهمون الحضارة، ويقيمون العدل ويحقون الحق، وهم وحدهم المسلمون.

السيادة الإسلامية على مدينة القدس هي حق للبشرية كلها. وعندما يعرف أحرار العالم الحقيقة فإنهم سيساهمون في تشكيل رأي عام عالمي يرفض السيطرة الإسرائيلية على مدينة القدس.

من حق الإنسانية أن يحرر المسلمون القدس، وأن يحموا الحرية فيها، وأن يعيدوها لتكون كما كانت مدينة العلم والمعرفة.

وتحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي سيكون أهم الإنجازات الحضارية للأمة الإسلامية خلال هذا القرن كما كان تحريرها من الاحتلال الروماني أهم إنجازات الأمة الحضارية خلال القرن الأول الهجري.

القدس يجب أن تعود تحت الحكم الإسلامي لتكون مدينة الحرية والعدل والمعرفة، وهذا هو أهم الإنجازات التي نطمح لتحقيقها.


نقلا عن المركز الفلسطيني