مشاهدة النسخة كاملة : السراج الإخباري مع سكان الأحياء الشعبية في \"انتظارهم المفتوح\


ام خديجة
04-27-2010, 07:48 PM
السراج الإخباري مع سكان الأحياء الشعبية في \"انتظارهم المفتوح\":
http://www.mushahed.net/vb/imgcache/1179.imgcache.jpg


شيئا فشيئا يعتاد المرء رؤية الفقر الساكن في عاصمتنا ومدننا المنثورة على حدود رقعة هذا الوطن، شيئا فشيئا يصبح من المكرور والحديث الممل كل حديث عن الفقراء ومعاناتهم في ظل دولتهم الفتية، ينغرس الانطباع العام بأن الأمر أصبح مألوفا إلى درجة أن لا نبحث فيه وأن لا نسأل عنه أهله، الكل فقراء هكذا يقول أحد الساكنين في تفرغ زينة ، ثم يضيف قائلا: الفقر نسبي والموريتانيون

كلهم فقراء؟؟، تهدف "نسبية الفقر" هذه إلى تجنب الخوض في معاناة الناس في أحياء الانتظار"العشوائية"، يبدو الحديث عندئذ غير مثير وغير جديد بالمرة، هل تختلف "الانطباعات" بمعاينة الواقع كما هو؟ هل يجدي ذلك في دفع "الناس" في بلدنا إلى تبنى حقيقي لقضايا "المواطن" العاجلة؟...هذا هو ما دفعنا للنفاذ من "نسبية الفقر" المزعومة لنحاول نقل صور من الواقع" الحي الآني" لأهلنا في أحياءهم المثقلة بالمأساة الصامتة، والتي اقتربت في صمتها من حدود اليأس،وحتى لا ينفجر هذا "اليأس القاتل" ذات يوم في وجوهنا جميعا، قررنا في "السراج" أن ننتصر "للمواطن المسحوق" وأن ننقل واقعه بكل إمكانياتنا،فكانت هذه الجولة المستمرة بإذن الله.

المحطة الأولى: بين حدود حي "لمغيطي":
أصبحنا محاصرين فجأة، بين الرمال المتدفقة من الكثبان التي تحد الحي شرقا، والأوساخ المتراكمة غربا، ومدخل الحي الجنوبي المتشابك الطرقات،وبقايا أطلال الحدائق المندرسة غربا، كان أحد أفضل الحلول أمامنا هو دخول"حي لمغيطي" المتداخل بشكل حلزوني شبيه بالمتاهة.ومن بعيد لاحت أعلام وطنية تتوزع على قمة أكواخ وأعرشة، إلتبس الأمر علينا فى البداية، كان ظننا أن العلم مرفوع فوق مدرسة أو مستوصف أو مركز حكومي، ثم إكتشفنا بعد أن أمعنا السير داخل الحي، أن تلك " أشباه منازل" أو ما توفر لسكان الحي الفقراء الذين يقل دخلهم عن كل تصنيفات الأمم المتحدة لمستويات خط الفقر.قال لنا أحد شباب الحي متفكها: ربما يريد السكان هنا إعلان جمهورية مستقلة ،....سرعان ما إستغرقتنا الملاحظات المؤلمة لمستوى معيشة هؤلاء السكان عن روح النكتة لدى الشاب، ففضلنا تتبع الشبكة الأرضية لأسلاك الكهرباء التي تتعرج داخل الحي، وقد إطلعنا على أن السكان يضطرون إلى التعامل مع مورد محلي للكهرباء، بعد أن انتظروا طويلا وصول شركة الكهرباء الوطنية،ويدفع كل منهم مقابلا شهريا يصل إلى حدود 2000 أوقية، أما عن الماء الشروب فلقد كان أول ما اصطدمت به أعيننا هو مشهد الأطفال الصغار وهم يجهزون "شاريت" ويضعون فوقها كثيرا من الحاويات سعة 20 لتر، ثم يبدؤون في رحلة تتجه جنوبا، فيما يبدو أنه سعي إلى الصهريج الوحيد المتوقف عند حدود مقاطعتي توجونين ودار النعيم،...في شمال الحي وعند نهايته لاحظنا وجود بعض الدور والمنازل الفخمة الحديثة ، ولاحظنا كذلك بعض المنازل التى مازالت فى طور التشكيل والبناء،كأن أصحاب هذه المنازل لم يفطنوا إلى أنهم بمجاورتهم ومحاذاتهم لهذا الحي وسكانه" المنتظرين" للتخطيط العقاري،يحرمونهم حتى من نعمة" نسيان التخطيط" وما يوفره للمرء من سكن لائق وراحة جمة،غير أن البعض يرى أنهم يذكرونهم أيضا بأنهم حتى ولو حصلوا على "التخطيط" فلن يستطيعوا بدخولهم المحدودة بناء مثل تلك المنازل الفارهة، وذلك قد يدفعهم إلى اليأس وإلى الشعور بالغبن والظلم، ويشعر الكثيرون فى هذا الحي بالظلم الناتج كما يقال عن أن "الحي" هو موضع نزاع عقاري، وهم يخشون ما يتردد من كون هذه الأرض التى يبنون عليها مساكنهم المهلهلة، هي أرض لتاجر، أو لقريب لحاكم سابق أعطاه رخصتها ذات مساء فى جلسة سمر،وووو،ويستمر القلق الدفين فى التعاظم،غير أن السكان على كل حال منشغلون عنه، فهم يتابعون هنا وبشغف آخر حلقات المسلسل التركي" وادى الذئاب" ويركزون على صراعات المافيا واستغلالها للنفوذ السياسي،وقلما تشاهد كوخا أو عريشا إلا وفوقه طبق أو طبقان لإلتقاط بث قنوات العربسات والنايلسات،لكأنهم يريدون أن ينسوا واقعهم المزري بإندماجهم فى عالم التلفزيون الوردي الساحر، إنهم مستعدون لذلك بأي ثمن ،وحتى ولو إقتطعوه من الدريهمات القليلة التى يستطيعون تحصيلها، أو استدانوه،...أما شباب الحي فتجد من بينهم من قرر الانضمام طواعية لجمعية هناك، غيربعيد من الحي، وتم تأسيسها دون ترخيص، بل ودون الرغبة فيه، وهي جمعية "الفاشلين" وتضم كما قال لنا أحد أعضائها المؤسسين : كل الفاشلين وبمستويات فى دراستهم، وبمستويات مختلفة، فتجد التلميذ الذى فشل فى دراسته الثانوية، وقد تجد الفاشل فى دراسته الجامعية حتى، المهم أن مايجمعهم هو الإخفاق والفشل، وقانون ممارسة العضوية داخل الجمعية معروف،فهو يقضى بأن على جميع الأعضاء الملتزمين بأن يناموا كل النهار، وأن يجتمعوا فى الليل فى مكان محدد، ثم يبدؤون فى تشكيل أرقام الهواتف بشكل عشوائي ،ثم الإتصال بأصحابها لإزعاجهم.وقد حدثنا الشاب المذكور آنفا، والذى يبدو متحفزا للتخلص من عضوية الجمعية المذكورة ،بأن أحد هؤلاء"الفاشلين" يعتزم "الزواج" هذه الأيام، وعندما سألناه كيف سيجد مؤونة الزواج وتكاليفه وهو فاشل، قال لنا إن ذلك الشاب الآخر لم يعد عضوا نشطا فى الجمعية منذ زمن لأنه أصبح عاملا مهما فى مكان ما، وبالتالى فقد خرج عن قوانين الجمعية؟؟؟،...بدأت الشمس فى رحلة الغروب، كان علينا أن نخرج من متاهة أسئلة الواقع المؤلمة فى هذا الحي، أصبح من المؤكد أن الذى يزور أحياء البؤس و"الانتظار المفتوح" سوف يغير قطعا قناعاته "النظرية" عن كثير من الأشياء، لعل أولها هو مفهوم حقوق الإنسان، وسوف يقتنع بالربط الذي يدعو إليه البعض بين هذا المفهوم المطاط وبين الحق في التنمية،...بدأنا السير فى التعرجات والتداخلات، كان السكان يمرون بنا، وينظرون إلينا بأمل، وينظرون بشكل خاص لآلة التصوير، كأنهم يراهنون عليها فى نقل صورة واقعهم الحقيقي لا المفترض، إلى أولى الأمر الساكنين وراء مكاتبهم الفخمة المكيفة، وفى أكناف دورهم ومنازلهم الأنيقة.

نقلا عن السراج