مشاهدة النسخة كاملة : الصيف المزدوج... في لتفتار


ابن تيارت
04-25-2010, 06:26 PM
...
الصيف المزدوج... في لتفتار
.صحراء ميديا تعيش الصيف.. مع هموم جيران "حقل السموم"
لتفتار- أبي ولد زيدان

في هدوء ممزوج بالترقب الحذر، تقبع قرية لتفتار، في ركن قصي من عاصمة ولاية تكانت، على جراحات بها من وقع جفاف السنة الماضية ... لقد تهاطلت بشكل مبكر أولى زخات المطر لهذا العام.
" شهر أبريل ليس من الأشهر المعهودة للمطر، ولكن حينما يأتي فيه ، خصوصا من جهة الشمال، فذاك النيسان.. النيسان لا يكون إلا في عام الخير والبركة." تقول العابده بنت أسويدي وهي تتفاءل بالخير، لتقطع حديثا لا ترغب فيه... بحسبها لو كانت هذه "السموم" ضارة لما بقي كائن في القرية : "لقد شاهدت بأم عيني بعض الزواحف وهي تعيش داخل السور الأول منذ عشرات السنين ...ولو كان به ضرر لأصابها... منذ تأسست هذه القرية لم نسمع بطير ولا حيوان ولا إنسان تأذى منه، فلماذا تشويه سمعة قريتنا هذه الأيام، بعد كل هذه السنين؟...".


حديث السموم

لا حديث يعلو فوق حديث "السموم" هنا، حتى ولو انتهزت السيدة الطاعنة في السن، صوت الرعد للفت الأنظار نحو حديث الصيف والكلأ والمرعى...

فبعد أكثر من أربعين سنة من التعايش"السلمي" مع حقل الأوكلالاف للمبيدات السامة ، باتت قرية "لتفتار" في حالة هلع وخوف شديدين تغذيهما الوساوس بعدما ذكرت تقارير إعلامية نقلا عن مصادر رسمية في وزارة البيئة "وجود مخاطر تلوث بيئي خطير، جراء تحلل الموقع المخصص لتخزين السموم المستخدمة في مواجهة الجراد والآفات الزراعية منذ سبعينيات القرن الماضي...".
محمد محمود ولد عبد الدايم
لقد بدأت القصة هنا يقول محمد محمود ولد عبد الدايم "منذ سنة 1968، حينما جعلت المنظمة المشتركة لمكافحة الآفات الزراعية والطيور آكلة الحبوب، المعروفة اختصارا بشركة أوكلالاف، من هذه المنطقة نقطة تزويد لمعادتها بالمواد المرتبطة بمكافحة الجراد... وضعت هنا على بعد مائة متر من القرية مئات البراميل من المواد السامة، واستأجرت لحراستها نوح ولد سيد ابراهيم الذي توفي في السنة الماضية، وما زالت أسرته تقوم بنفس الدور من بعده...لم نكن نعلم بوجود مخاطر حقيقية جراء هذا العمل، بل على العكس كنا نراه امتيازا للقرية، حيث كانت غالبية العمالة البسيطة من أبنائها...

مضت سنوات طويلة، أنهت خلالها الشركة أعمالها، وتركت الموقع بما يحويه من آثار وبراميل تقدر بالعشرات، للسيد زين ولد سيد المختار القاطن حاليا في المجرية، والذي لم يبالي كثيرا ب"الهدية" أو أجل التعامل معها لحين من الزمن، قبل أن يفاجأ هو وسكان القرية، بعودة مجموعة أخرى منذ فترة قريبة، سيجت المكان بسياج جديد- بعد أن اندثر الأول- واستأجرت السيدة النين بنت نوح (البنت الكبرى للحارس الأول) لمواصلة مشوار أبيها في حراسة المكان..."
يتكلم السيد محمد محمود ولد عبد الدايم، وهو يخفي شيئا ما لا يريد البوح به...
قدم سردا زمنيا للأحداث وتوقف فجأة، منهيا الحديث...!
"هناك تغير حقيقي في حياة القرية، لا جدال في ذلك، ولكن من الأفضل أن تباشروا الأمر بأنفسكم، حتى لا نقع معا في الحرج...شاهدوا الحقل بأنفسكم، واسألوا الناس...ستجدون كلما تريدون..."
براميل المبيدات

"ماذا يراد من وراء هذه الضجة..؟ هل يراد منا أن نرحل عن ديارنا وممتلكانا بعد كل هذه السنين...؟ قطعا لن يحدث شيء من هذا..." يضيف أحد أصدقائه..، قبل أن يقاطعه هو قائلا:
".. لقد كان في القرية معلم يسكن عند أسرة أهل نوح، قضى هناك سنوات طويلة، قبل أن يلاحظ أن مرضا غير طبيعي ألم به...وبعد معاينة وتشخيص من الأطباء في نواكشوط، يقول البعض أن السبب كان وراء هذه السموم !! .. هو توفي في ذلك العام ونحن لم نطلع على نتائج التشخيص... الناس تموت في كل مكان، والأجل إذا جاء لا يؤخر...مهما كانت الأسباب..." .!
ممنوع الدخول..

هنا في الكلمتر 39 ، بمحاذاة الطريق المعبد الرابط بين طريق الأمل عند نقطة صانكرافة، وتجكجة عاصمة ولاية تكانت..تتناثر منازل القرية الصغيرة على مسافة لا تتجاوز 700 م بالكثير... عند حدود آخر منزل إلى اليسار، على طريق مدينة المجرية عاصمة المقاطعة، يوجد "حقل السموم" بموازاة الطريق... حوالي 200 متر مربع يخالها القادم للقرية لأول مرة مشروعا لتثبيت الرمال ...! ربما يراد من التشجير المستحدث أخيرا لفت الأنظار عن الداخل...

قبل سنة من الآن كتبت في الجانب الآخر من الحقل، عند بوابة الصحراء الممتدة إلى الشمال، عبارة "الدخول ممنوع لمنطقة الأوكلالاف لتخزين المبيدات" ... لكن العكس هو الصحيح...لقد أصبح المشهد جزءا يوميا وطبيعيا من حياة ساكنة القرية...
قد يلعب الأطفال بداخله، والحيوانات تشقه يوميا في طريقها إلى المرعى...
وبمجرد الاستفسار عنه تجد ألف دعوة مجانية مع كامل الاستعداد من الجميع لزيارة وتفقد بقاياه المنتشرة عبر كل نقاط جسد المكان... !
لم تكن النينة بنت نوح المكلفة بحراسة المنطقة ، تعرف أن جدلا كبيرا سيدور في القرية حول هذا "الحقل" الذي استلمت منه أول راتب شهري لها في الحياة...!
"لقد فوجئت حين سمعت بالخبر... ومع ذلك لا أصدق ما يقال... قبل سنوات عديدة طمرت الرمال الحقل، ولم يعد له من وجود... مؤخرا ظهرت بقع دسمة في أماكن متعددة منه.. قدمت إليها مجموعة من الشركة وأخذت منها عينات للفحص، وأحاطوه بسياج جديد، وطلبوا مني حراسته...لم يذكروا شيئا عن خطورته، ولو كان لذكروها لي... لأني أنا هي الحارسة، وهي المسؤولة عن المكان...".
تشرح النينة تفاصيل القصة، وتحاول في نفس الوقت تهدئة والدتها العابده بنت أسويدي التي استشاطت غضبا لمجرد ذكر وفاة المعلم، ووفاة زوجها(الحارس الأول) قبل سنة من الآن بعد قصة شلل طويلة فقد بصره خلالها..!.
"هي حوادث طبيعية، لا علاقة لها بالسم، ولو كانت لها علاقة به، فما الذي أنقذنا نحن الآخرين...لا يفصلنا عنه إلا هذا السياج...حتى روائحه الكريهة، لم نعد نشتمها منذ زمن طويل...".
مخاوف من "المياه"

في الجانب الجنوبي من القرية يخيم الخوف على السكان، غالبيتهم لم تعد تشرب مياه الشبكة.. لقد أصبحت تعتمد اعتمادا كليا على المياه المستجلبة من المجرية على بعد 25 كلم...

أم الخيري من سكان القرية، لم تعد مطمئنة للمقام هنا، لكنها لا تملك إلا الانتظار..." هو حال كل أهل القرية...وقطعا هناك شيء ما...البئر القديمة تغير طعمها ولونها، ولم تعد تستعمل إلا للحيوانات منذ زمن طويل، أما مياه الشبكة فلم تعد هي الأخرى طبيعية منذ مدة ...لقد أصبحت ثقيلة وزادت نسبة ملوحتها بعد أن كانت عذبة، ولا ندري السبب...اتصل بي ابني قبل أيام من نواكشوط، ليخبرني أنها مسممة بفعل هذا الحقل...لم نعد نستعملها، وسنظل هكذا حتى تتضح الحقيقة..".
عند محطة شبكة المياه، أجتمع عدد كبير من السكان.. بالنسبة لهم هناك ضرر حقيقي يجب وضع حد عاجل له، " نحن كما ترون في حالة حيرة وارتباك... مجرد الوساوس وحدها تقتلنا ألف مرة.. لم نجد من يعطينا الحقيقة...والأنباء القادمة من نواكشوط مقلقة لحد كبير..." يقول خطاري ولد أحمد فال الذي يؤكد أنه رأي بأم عينيه برميلين من هذه السموم خارج الحقل ، كانت موجودة في الهواء الطلق في منطقة المطار إلى الجهة الغربية من القرية ، كان ذلك في حدود العام 1998،.. " قضت هناك فترة طويلة من الزمن، قبل أن تجرف السيول ما بداخلها في اتجاه القرية... لقد لاحظنا وجودها فوق الماء هنا داخل القرية، لكننا لم نعره أي اهتمام لمحدودية معلوماتنا في تلك الفترة حول خطورته..."
"لقد كان خطيرا في الماضي في حالة الاقتراب منه " يقول حمود ولد العيل الذي سبق وأن عمل في الشركة... "ذات مرة قتل لي أربعة شياه في وقت واحد...،كان ذلك منذ زمن بعيد، لكني لا أظن أن له خطورة بعد كل هذه السنوات...لم نلاحظ أي شيء خارج قضية الماء، وهذه، حسب رأيي لا علاقة له بها".

انتشار الأمراض

لا يتفق القوم هنا على تقييم موحد للوضع، ويبدوا أن حسابات سياسية محلية دخلت على الخط منذ اللحظات الأولى...
لكنهم في غالبيتهم أرجعوا بعض الأمراض المنتشرة منذ سنوات إلى عوامل مرتبطة بحقل الأوكلالاف بطريقة أو بأخرى... "لقد لاحظنا " يقول خطاري ولد أحمد فال " وجود حالات إغماء مفاجئة عادة ما تودي بصاحبها، ناهيك عن انتشار أمراض الغدة الدرقية (لكواتر) ، ونقص البصر، وحالات العشى الليلي ، وحتى الشلل في بعض الأحيان بنسب مرتفعة، ليس في القرية فقط، بل في المنطقة المتاخمة بكاملها...".

من الصعب أن يعيش القوم حياتهم طبيعية بعد اليوم...
لقد أصبح ماثلا في أذهانهم وجود خطر يتربص بهم - حتى أولئك الذين يبذلون جهودا حثيثة لتبسيط المسألة - وقد يطفوا على السطح في لحظة مفاجئة...
تراهم يتحسسون أوراما غير موجودة ، وقد يتندر البعض منهم بوجود مرض في الآخر...!
لكنها الحقيقة التي تكاد تقضي هنا على آخر أمل للتعلق بالحياة....
حالة هلع وخوف تقرأها فوق الجباه الحائرة، وهي تبحث عن خلاص مفقود لشكوكها...
حتى الأطفال تسرق منهم البراءة الجميلة ...الطفل محمد لم يكد يتجاوز السن الخامسة إلا بالقليل، ومع ذلك لا يريد اللعب مع أقرانه.. يرفض مغادرة حضن أمه!.. يقول أنه خائف من ما يردده القوم... لا يعرف السبب، ولكنه خائف...!!
هكذا تمارس القرية الصغيرة الوادعة موتها في صمت، ولا تحرك السلطات الإدارية أي ساكن لتهدئة حالة الرعب القاتلة...
شكوك لا أكثر

تقول التقارير الإعلامية نقلا عن مصادر رسمية ، لقد"أثبتت نتائج اختبارات مخبرية أجريت في بلجيكا لصالح الحكومة الموريتانية على عينات من المنطقة تلوثا بنسب متفاوتة في الوسط الطبيعي بمواد آلدرين (Aldrine) وديلدرين (Dieldrine) متسربة في التربة والماء... وتتطاير عبر الهواء مسببة أمراضا خطيرة في اماكن بعيدة من مصدرها..."

لقد "أظهر تحليل العينات نتائج مقلقة للغاية تؤكد أن صحة السكان في خطر خاصة وأن المواد التي تسربت ... يمكن أن تمتد تأثيراتها إلى عدة أجيال.
لقد وصلت نسبة تلوث المياه بالآلدرين إلى 0.074 ميكروغرام/كغ، فيما بلغ التلوث بالديلدرين في ذات العينة 0.04 ميكروغرام/كلغ.
نسبة التلوث على مستوى التربة كانت الأكثر إثارة للقلق حيث أظهرت غالبية العينات وجود تركيز للدليدرين أعلى من 2 مغ في كل كيلوغرام من التربة، إذ وصل معدل تركيزه في 17 عينة من أصل عشرين تم اختيارها من مناطق مختلفة من لتفتار إلى 4.25 مغ/ كغ، وهي نسبة "مرتفعة جدا" حسب المخبر، كافية لتحدث أضرارا جسيمة على السكان..."
"هي مجرد مخاوف وشكوك لا أكثر" يقول حاكم مقاطعة المجرية السيد محمد المصطفى ولد الصديق... " ولا توجد معطيات علمية لحد الساعة تؤكد هذه المخاوف.. في حال ما تأكدت سنقوم باللازم لتأمين حياة السكان.."!!!

تأكدت أو لا... ، في النهاية ستعيش لتفتار صيفا مزدوجا هذه السنة في انتظار القادم ... همومها هذه المرة اكبر منها ومن طاقة استيعابها..
لقد كانت حتى أيام قريبة، مجرد قرية معزولة في بلدية السدود، لا تذكر إلا بشهرة قانونها المثير للجدل في التاريخ الحديث للمنطقة... "قانون لتفتار"... فهل ستجعلها الأوكلالاف على موعد آخر مع التاريخ... مثير للجدل ايضا؟... ربما...!

"""عن الصحراء"""