مشاهدة النسخة كاملة : ملاحظات حول مقال "هو سماكم المسلمين"


ام خديجة
04-22-2010, 08:43 PM
ملاحظات حول مقال "هو سماكم المسلمين"

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/581.imgcache (http://www.alakhbar.info/files/indexcatuivpi.jpg)


شيخنا ولد سيدي عثمان cheikhnaid@maktoob.com


طالعت مقالا للسيد (محمد سعدنا ولد الطالب) بعنوان "هو سماكم المسلمين" عرض فيه للموضوع الرائج هذه الأيام، أي موضوع "اللغة العربية" وقد لمست في حديث صاحب المقال جدية تدعو للتنويه ورأيا يستحق الاحترام، رغم أنه لا يخلو من تحيز جلي لصالح وجهة نظر طرف في الموضوع، ومن تحامل بين يكاد يكون مسرفا ضد أطراف أخرى، ومن أجل رفع الالتباس في شأن بعض النقاط الواردة في المقال المذكور، ووضع بعض إشاراته وتلميحاته وتصريحاته في إطارها الصحيح أود أن أدلي بالملاحظات التالية :


1- أن هذا المقال لا يبعد كثيرا عن سياق مقاربات لا تخلو من دوغمائية سياسية لدى بعض الإطراف ـ من أجل إظهار أن هناك طرفين متناقضين بل متناحرين، يقعد كل منهما، من مسألة اللغة العربية والهوية، مقعدا متطرفا، وغالبا ما يتم التعبير عن أحد الطرفين بـ"القوميين" والآخر بـ"الزنوج"، وكأنهما مجرمان بالفعل مع سبق الإصرار والترصد، تهمتهما ثابتة، هي توتير النسيج الاجتماعي وتهديد الوئام الوطني، ويبدو الحكم مسبقا عليهما بمحاولة إبعادهما وإقصائهما وتحميلهما المسؤولية كاملة! ومن ثم تبدو الحاجة ملحة لبروز طرف "وسط" ثالث، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

وليس من باب المفارقة أن صاحب المقال قد ردد رأي (القوميين) في هذه المسألة، واتبع بلغة فصيحة جميلة سبيلهم شبرا بشبرا وذراعا بذراع كما في قوله "للأمانة وللتاريخ، اللغة الفرنسية لم ولن تكون لغة هوية بالنسبة لأي موريتاني مهما كان زنجيا أو عربيا، والدفاع عنها تحت لبوس العرقية ليس إلا لعبة قذرة تلعبها عصبة من الفرانكفونيين استمرأت قضم خيرات الوطن لوحدها، ولكن بالمقابل كلنا ندافع عن حق إخوتنا الزنوج في أن يتم تطوير لغاتهم الوطنية، وكلنا مؤمنون أن التعريب الممنهج هو الضامن لحقوق الجميع دون شطط أو حيف". وهذا هو بالتمام والكمال رأي "القوميين"، ولكن المفارقة تكمن في كون صاحب المقال لم يوصله هذا القول الواضح والرأي الصريح إلى أن من ارتكب الخطأ إنما هو ذاك الذي حرك وعبأ ضد "التعريب الممنهج" أو ذاك الذي نصب نفسه قاضيا ليقضي بما حكم به قاضي الحكاية الشعبية الذي قرر أن يسحب "الشاة" محل النزاع، من المتنازعين ويعطيها لنفسه، وليس ذاك الذي قال بصوت مسموع "نعم! لتطوير اللغات الوطنية البولارية والسونكية والولفية.. ولا ! للغة الفرنسية كلغة "تواصل" بديلة عن اللغة العربية!.



2- أن هذا النقاش اتخذ منحى حراك سياسي بالدرجة الأولى، ومن حق أطراف الطيف السياسي
والفكري والثقافي أن يقدموا آراءهم واقتراحاتهم في شأن مواجهته ومعالجة تحدياته، بل إن آراءهم مطلوبة و ضرورية وسعيهم في هذا الأمر الوطني الهام مشكور، وأن من حقهم كذلك أن يحاولوا ـ كل بحسب جهده ـ كسب نقاط سياسية جديدة ودخول فضاءات اجتماعية إضافية.

ولكن الذي لا ينبغي ـ سواء تم بحسن نية أو بغيرها ـ أن يلجأ في سبيل ذلك إلى الزج بطرف آخر أو استغلال حدث متزامن، كمشجب تعلق عليه الأخطاء ويحمل المسؤوليات، ويتخذ مصعدا لمأرب ضيق، ومركبا لمدخل آني، كأنما يعود بذلك الصراع الأيديولوجي التقليدي المتقادم إلى سيرته الأولى، لتنتفض من موقدها فتنة سياسية قديمة كان البعض يحسب أنها ماتت أو كادت، ولتنكأ جراحات جرت محاولا ت عديدة لتضميدها وجزر المسافات الفارقة بين مذاهبها وردم الحفر الفاغرة أفواهها تحت أقدام أطرافها..


3- أنه إذا كان صحيحا أن "الحديث المرتجل والمسيس عن قضايا كبرى وإشكاليات أساسية كاللغة والهوية لا يفضي إلى نتائج حاسمة بقدر ما يؤدي إلى التشويش وإيقاظ الفتن" فإن من الصحيح أيضا أن محاولة تفسير تجليات تلك الإشكالات على أساس جدلي يقوم على صراع ثنائي، طرفاه متناقضان يولدان جدليا طرفا ثالثا، هو تفسير ميكانيكي جرى تسويقه منذ بداية السبعينات من القرن المنصرم على أيدي الماركسيين الموريتانيين "الكادحين"، وقدموا أنفسهم على أساسه بوصفهم البديل المناسب للنقيضين، وسيكون من باب اجترار الأخطاء والرهانات الخاسرة أن يحاول طرف اليوم نهج السبيل نفسه، ويحسب أنه جاء بجديد بمجرد تغيير المسميات والشعارات..

4- أن "البيعة" التي غمز بها في التيار القومي الإسلامي صاحب المقال ولمز، لا تشكل كمصطلح إجرائي، في نظر الموصوفين بها، إلا قرضا حسنا من حقل دلالي مجاور بل مماس جدا، ويغرفان من مشكاة واحدة.

وكنت أربأ بصاحب المقال وبأمثاله أن يستدرجهم السجال السياسي الحالي إلى التنكر لذلك، فالبيعة الفكرية للمؤسس أو البيعة التنظيمية للمرشد معروفة ومبثوثة في حنايا المراجع والأدبيات، ولسنا بحاجة لأن يزايد بعضنا على بعض في هذا الشأن، أو أن ننتظر من يقدم لنا درسا تاريخيا حول الفرق بين من يبايع مرشدا عاما في مصر أو السودان أو أبريطانيا، وبين من يبايع قائدا قوميا في ليبيا، لأن ما ننتظره في هذا الشأن هو رأي ينطبق عليه قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).


نقلا عن الأخبار