مشاهدة النسخة كاملة : قراءة سريعة في دلالات ملتقي الوسطية الدولي


أبو فاطمة
04-22-2010, 02:47 PM
قراء ة سريعة في دلالات ملتقي الوسطية الدولي

من هي هذه "المستقبل" التي ملأ مريدوها بالمئات ردهات قصر المؤتمرات وشغلتهم بوزاع من صفوة العلماء والدعاة والمفكرين وإلى ما تدعو وأي مهيع تتوسل لتبليغ رسالتها؟ نزر من تساؤلات كثيرة ترددت بإلحاح على ألسنة كثيرين ممن تابعوا ملتقي "الوسطية في الاسلام "الذي نظمته الجمعية المذكورة قبل أيام
ولعلنا نجد أبلغ رد يلخص في إيجاز الجواب علي تلك التساؤلات وغيرها في طرف من حوار دار قبل (65)سنة بين الإمام البنا –رحمه الله- والكاتب الأمريكي الشهير(روبير جاكسون) أورده في كتابه "حسن البنا :الرجل القرآني" ونقله إلي العربية أنور الجندي يقول الكاتب المذكور"بالرغم من أن البنا لا يعرف لغة أجنبية فقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة وأفاضوا في الحديث علي صورة لم تقنعني ...وظل الرجل صامتا حتي إذا بدت له الحيرة في وجهي قال لهم: قولوا له شيئا واحدا هل قرأت عن محمد صلي الله عليه وسلم,قلت نعم قال هل عرفت ما دعا إليه وصنعه , قلت نعم قال هذا هو ما نريده
يقول جاكسون :"وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير مما حاول البعض من أنصار البنا أن يقولوه لي"
نعم تلك هي رسالة "المستقبل" الدعوية والثقافية والتعليمية تقتفي أثره صلي الله عليه وسلم ودله في الدعوة والتربية والتعليم وتسترشد بتراث علماء شنقيط ومصلحيها عقيدة وفقها وسلوكا وفق منهج إسلامي وسطي قوامه الفهم الشمولي والنظر المقاصدي والوعي المتبصر بالواقع و مناطا ته. هذه الرسالة كان مؤتمر الوسطية الأخير محاولة اجتهادية لمقاربة بعض معانيها وترجمتها في عمل مثمر يلمس علي أرض الواقع خاصة ما تعلق منها بجسر الهوة الثقافية الحاصلة بين شنقيط أرض "المنارة والرباط "وبين عمقها وامتدادها الطبيعي في إفريقيا و المشرق الإسلاميين حيث أعاد الأمل بالجريان ومن ثم الحياة لروافد ومنابع أضعفتها فواصل الزمن وحجبتها غواشي التميع والتنطع ,فقد ظل الزاد العلمي القادم من شنقيط ولقرون بمثابة النسق الذي يغذي افريقيا بل والشرق الاسلامي عامة بأسباب الحياة, فلم ينس أهل السنغال والسودان ومصر والحجاز وحتي الأتراك العثمانيين الشناقطة وسفراءهم الأفذاذ من أمثال أبناء مايابه وولد اطوير الجنة وولد اخطور آبه. وولد اتلاميد الذي تجول في أكثر من بلد وبهر الناس بسعة علمه وقوة حافظته ,حيث وصفه محمد رشيد رضا "بأنه العلامة المحدث الذي انتهت إليه رئاسة علوم اللغة والأدب في مصر, وتقديرا لتلك المكانة المتميزة أسند إليه الشيخ محمد عبده مهمة تدريس اللغة في الأزهر الشريف.
لقد أعاد الأداء المتميز للعلماء والدعاة الشناقطة في هذا الملتقي الأمل إلي النفوس في إمكانية استعادة البعض من جذوة الألق والصيت الذي كان لهذه البلاد في غابر الزمن كمركز اشعاع علمي ومعرفي ورباط جهادي نافح بصبر وثبات عن الخاصرة الغربية للأمة في وجه الهجمة الاستعمارية الغربية التي لم تكن بأقل ضراوة في بعدها الثقافي منه في العسكري .
وهو الفضل الذي نوه به الداعية الدكتور عصام البشير بقوله في جلسة الملتقي الافتتاحية -"إن أبناء شنقيط كانوا يرحلون إلي ديار الحرمين عبر السودان واليوم يرد لهم السودان التحية فيرحل أبناؤه إلي شنقيط لينهلوا من علمها فهما هجرتان هجرة للكعبة وهجرة للعلم "
ومن تلك المعاني أيضا والدلالات الهامة التي ينبغي الوقوف عندها " تعبير كلمة السر" التي مكنت جمعية المستقبل من جمع كل تلك المدارس والاتجاهات والاجتهادات حول منبر واحد بحيث حاولت أ لا تنسى أحدا وألا تتجاهل طرفا فجاء مؤتمرها مؤلفا وجامعا لأغلب مكونات وأطياف الساحة الإسلامية محليا ودوليا متساميا فوق التخندقات والانتماءات الضيقة لهذه المدرسة الفكرية أوتلك أوهذا الفصيل الإسلامي أوذاك فحرص منظموه علي أن يشركوا الجميع رغم اعتذار البعض ابتداء وتخلف آخرين في درج الملتقي! علي رغم كل ذلك فقد مثل المؤتمر واحدة من الفرص النادرة التي وجدت فيها موريتانيا نفسها وهي تناجي نفسها بلغة واحدة وتحاور بها غيرها علي أرضية مشتركة تستحضر حقيقة مجتمعها وتنوعه المثري علي أكثر من صعيد فلا تعارض في منهجها الوسطي بين تغليب أولوية العام واحترام خصوصية الخاص.
لقد جاء هذا الملتقي الهام ليملأ فراغا هائلا في الساحة الثقافية والدعوية,وينفض عنها ما علق بها من عجيج السياسة الانتخابي وضجيجها الإعلامي و التهويشي ,فقد قل في مثل أيامنا هذه أن ينتظم الناس بمثل ذلك الحجم من الحضور والمقدار من المتابعة والاهتمام طيلة أيام الملتقي –عدا جلستيه الافتتاحية والختامية,وهو ما كان مثار دهشة وإعجاب البعض من الضيوف .حين وجدوا أنفسهم في مواجهة جمهور متحمس شغوف بالعلم حريص علي متابعة كل صغيرة وكبيرة في أدب ووقار لا يقطع سكينته من وقت لآخر سوي التفاعل الحي بالتصفيق العفوي لهذا الضيف أو ذلك حين يلامس أوتارا خبرها بالجوى عنده.
هو أيضا يمثل مرحلة من التميز خطابا علي مستوى الاختيار المنهجي وممارسة علي مستوي الانتساب المدرسي بالنسبة لهذه الجمعية وطبيعة المشروع المجتمعي الذي تبشر به في الانتماء لتاريخها تراثا وعطاء وتجارب والانفتاح علي واقعها وعصرها أخذا وعطاء وهذا الوعي بالواقع واستحقاقاته كان أحد البواعث الرئيسية خلف هذا الملتقي عندما أوضح رئيس الجمعية الشيخ محمد الحسن ولد الددو في كلمته الافتتاحية بالملتقي "أن الجمعية قررت تنظيم هذا الملتقي نتيجة للظرفية التي يعيشها العالم الإسلامي في الوقت الراهن وسعيا إلي توطيد وإشاعة وتبيين الفهم الصحيح للإسلام والمتمثل في نهج الوسطية التي هي منهج الرسول صلي الله عليه وسلم الذي لا يرضي الله سواه مبينا أن مهمة هذا المؤتمر الأساسية تبيين الوجه الشرعي في الخطاب الإسلامي وبيان أن الإسلام بريئ من الإفراط والتفريط ,مضيفا أنه بالفكر الوسطي المعتدل تصلح البلاد وتسد الثغرات أمام الأعداء والمتربصين وتحصل المنافع ".
فالمؤتمر من هذا المنظور الذي بينه العلامة هو جزء من الحراك الأهلي المنظم يدفع بموازاة المجهود الرسمي في بيان حقيقة الإسلام ووسطية منهجه وسماحة شريعته ومرونة أحكامه في دفع الحرج والمشقة عقيدة وعبادة وأخلاقا بما يخدم أمن البلد واستقراره ويحفظ سلمه الاجتماعي ,وينفي عن الإسلام صفة الغلو والإلحاقية وعن المسلم تهمة الإرهاب والعنجهية حيث أتاح الملتقي لقطاعات عريضة من الشباب اللقاء والحوار إلي جانب الاغتراف من علم وسمت وخبرة العشرات من العلماء والدعاة وقادة الفكر والعمل الإسلامي وهو ما يؤمل بتوفيق الله أن تجني ثماره في مجال تقريب الرؤى وتصحيح الفهوم وترشيد المواقف والتصرفات.
وقد خلص المشاركون إلي جملة من التوصيات الهامة ضمنوها بيانهم الختامي نقتبس منها:
- التأكيد علي احترام مبادئ التعايش السلمي والكرامة الانسانية ونبذ العدوان والقبول بالاختلاف وبناء العلاقات بين الأمم علي مبدأ الحوار والتعاون.
- المعالجة الشمولية للغلو التي تتجاوز شكلية المظاهر إلي عمق الظواهر واعتبار المعالجة الأمنية التي لايسندها بعد علمي وتربوي وفكري وتصحبها عدالة وحرية مسلكا خاطئا في العلاج
- تأسيس مركز للوسطية يكون مقره في موريتانيا ويتولي الدكتور خطري ولد حامد تنسيقه وإطلاق أعماله
أخيرا ورغم النجاح الكبير للملتقي بالقياس إلي أولية التجربة ومحدودية الوسائل بالنسبة لهذه الجمعية الأهلية فإن المتابع الموضوعي عن قرب لمجرياته قد لا يعدم تسجيل بعض الملاحظات والهنات التي نأمل أن يتم تلافيها في "مستقبل" الأيام نذكر منها :
- كثافة البرنامج العلمي في مقابل ضغط سيف الوقت ومحدودية المساحات الزمنية المخصصة للعروض العلمية مما أثر علي القيمة العلمية لها وبالتالي علي حجم الانتفاع بها.
- كان لعامل المكان (القصر) هو اللآخر إلي جانب الزمن تأثيره في الحد من وصول "رسالة الملتقي" إلي أعرض قاعدة ممكنة وبالتالي زيادة مساحة الانتشار أفقيا عبر مخاطبة العمق الجماهيري في (الجامعات - الجوامع – دور الشباب...) فجري التركيز بدل ذالك – ربما من غير قصد- علي المستويات العمودية فجاء الجمهور في أغلبه نخبويا ونوعيا من المهتمين والمتابعين للحركة العلمية والثقافية بشكل عام.
- مراعاة التمثيل مع التنوع والتوازنات الفكرية والمدرسية أضر في بعض الأحيان بالمقاصد العلمية المحضة المتوخاة في مثل هذه الملتقيات النوعية .
- غابت المرأة أو غيبت مفكرة وباحثة ومحاضرة أو حتى معقبة رغم مواظبتها علي الحضور مستمعة مهتمة في المدرجات ومشرفة منظمة في القاعات وصالات العروض العلمية ، فهل تسللت بعض مفردات " الثقافة الذكورية" و" مواضعات عصر الحريم" إلي الخطاب الوسطي من جديد .
- أثارت مسالة "خطب الجمعة" – بالرغم من أنها تكريم للضيوف وعرف عالمي وهي فوق ذلك مذهب الجمهور وقول طائفة من فقهاء السادة المالكية- مستوى من اللقط و"الشوشرة الإعلامية" كان في إمكان المنظمين تلافيه بالتمهيد المسبق لها مع الجهات المعنية والإعلان عنها في الوقت المناسب والحسم المسبق بشأن المختلف فيه منها فلا يستاء زيد أو يساء إلي عبيد.


نقلا عن السراج الإخباري