مشاهدة النسخة كاملة : أزمة التعريب" تهز موريتانيا


ابن تيارت
04-22-2010, 11:29 AM
"أزمة التعريب" تهز موريتانيا


لم يتم نزغ فتيل الأزمة العرقية الموريتانية في “طفرتها” الجديدة بعد الصدامات الدامية بجامعة نواكشوط على خلفية التجاذبات حول “ملف التعريب”، حيث تصر الأغلبية العربية على التعريب الشامل للإدارة فيما يرفضه قوميو الأقلية الإفريقية معتبرين أنه يستهدف هويتهم وإقصاءهم من الوظائف، مطالبين بالإبقاء على الإدارة التي تتسيدها اللغة الفرنسية .


وإذا كانت “التهدئة” التي تم التوصل إليها بوقف مظاهر العنف العرقي في جامعة نواكشوط، قد كلفت “الخيريين” جهوداً مضنية، فإن المخاوف تبقى قائمة من انفلات الأمور في أي وقت، ذلك أن “جامعة نواكشوط”، “الجامعة المانعة”، كما كانت تلقب أيام محاربة التطبيع، عرفت بكونها ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين القوى المختلفة التي لا تتورع عن الدفع بالطلاب ليكونوا “وقود” المعارك الداخلية .

هزت الأزمة العرقية المفاجئة المجتمع الموريتاني نفسياً في العمق، وأعادته إلى أجواء “سنوات الدم” أو “سنوات الجمر”، كما تلقب، (،1966 و1989 و1991)، حيث سفكت الدماء، وهجر المهجرون، وكان الصراع اللغوي والعرقي محركاً أساسياً في كل هذه الأحداث .

وحده الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز لا يزال يلتزم الصمت، ولم يقل رأيه في هذه الأزمة المستجدة التي تهز الساحة الموريتانية . وإن كان المقربون منه يؤكدون أن المعارضة افتعلت الأزمة لتعزيز دورها وخطابها والتشويش على عمليات الانتساب للحزب الحاكم، وللتغطية على “الإنجازات والإصلاحات التي يقوم بها النظام” .

معروف أن الأزمة بدأت بتصريحات لرئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف أكد فيها أن البلد سيبقى منقوص السيادة ما لم تصبح اللغة العربية لغة الإدارة، ورفض الرد بالفرنسية على سؤال لصحافي من أصل إفريقي قائلا “تدبر أمرك فنحن في بلد عربي” .

بدأ قوميو الأقلية الإفريقية بالحشد للتنديد بهذه التصريحات، قبل أن ينظم الطلاب الأفارقة بجامعة نواكشوط تظاهرة للتنديد بالتعريب، وفي محاولة لامتصاص غضب الأقلية الإفريقية خرج وزير التعليم أحمد ولد باهية بتصريح أعلن فيه للطلاب الأفارقة تراجع الحكومة عن التعريب الشامل للإدارة وإبقاء الأمور عند وضعها صبيحة تصريح رئيس الوزراء .

أغضب ذلك الأغلبية العربية، ليتحرك القوميون مطالبين بإقالة الوزير ومساءلته أمام البرلمان عن “الرضوخ” للاستعمار الفرنسي اللغوي . ثم تحرك الطلاب العرب بجامعة نواكشوط في مظاهرات سرعان ما تحولت إلى “دامية” بعد اشتباكهم مع قوات الأمن ومع الطلاب الأفارقة .

لغة “الجرحى” و”المعتقلين” استبقتها وواكبتها وأعقبتها سيول جارفة من التصريحات والمقابلات والمقالات والتحليلات والآراء المتضاربة التي تحمل أعواد الثقاب، وتلك التي تحمل “الطفايات” . وما بين بين .

القوميون الأفارقة، أكدوا أنهم لن يقبلوا بالتعريب كونه يستخدم “عامل إقصاء” للأقليات الإفريقية، وقالوا إنهم يتحركون دفاعاً عن مصالح الدارسين باللغة الفرنسية من الطرفين الأفارقة والعرب .
وحتى المعتدلين الأفارقة، برز صوتهم غير بعيد من ذلك، حينما حمل إبراهيما صو، الأستاذ بجامعة نواكشوط، المسؤولية لمن وصفهم ب”القوميين العرب والمثقفين الجدد الذين يهددون بفرض العربية بالحديد والنار”، مضيفاً بأنه ليس من المصلحة تركهم يعبثون في الساحة لأنهم سيجعلون الوضع يتفاقم أكثر حسب تعبيره، ليقول إن الأيام التشاورية القادمة حول التعليم لن تكون ذات فائدة مع وجود مثل هذه الأصوات، لأن “هؤلاء” (القوميين العرب) “لا يظهرون إلا في هذه الأوقات الحرجة” . حسب تعبيره .


أما الأفارقة المستعربون فقد وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه فهم “خونة” من وجهة نظر الطرفين .

القوميون العرب، قالوا كلمتهم على لسان عبد السلام ولد حرمة، رئيس حزب “الصواب”، بأن “الهوية مختطفة من طرف حفنة من الفرانكفونيين الانتفاعيين والذين لا يمثلون نسيجاً اجتماعاً وإنما يمثلون ثقافة استعمارية”، وأضاف بأن “هنالك من وصلت بهم الوقاحة إلى الدفاع عن الفرنسية” .

وأكد القوميون أنه ليس من المعقول فرض لغة أجنبية في معاملات شعب مسلم بالكامل وأغلبيته المطلقة عربية .

أحزاب المعارضة الموريتانية، لم تتوان عن إبداء رأيها فنددت “بشدة بتصريحات النظام الاستفزازية التي تتعمد إثارة الطلاب الأفارقة تارة بالإعلان عن “تعريب شامل للإدارة” وإغضاب الطلاب العرب تارة أخرى بجعل وضع اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد موضعا للنقاش، في مبادلة وقحة لإقصاء كلا الطرفين” .

واتهمت المعارضة النظام القائم بأنه “أبى إلا أن يثير هذا الجدل من جديد من أجل صرف النظر عن المشاكل الحقيقية التي تهدد كيان البلد واستقراره” .

وقالت أحزاب المعارضة في بيان مشترك إنه نظراً لخطورة الوضع الراهن وحساسيته “تحمل نظام محمد ولد عبد العزيز كامل المسؤولية عن النتائج الوخيمة لتصرفات أولئك الذين يدفعون بمواطنينا نحو الصدام والمواجهة”، وشجبت مثيري القضية اللغوية .

وحذرت المعارضة الحكومة من التغطية على الأزمة المتعددة الأشكال التي تتخبط فيها عبر “اللعب بنار الخلافات الإثنية والعرقية التي لا تبقي ولا تذر” .

ودعت الطلاب الموريتانيين إلى رفض أن يصبحوا آلة في يد الشوفينيين مهما كانوا ومواجهة النوايا الهدامة لأولئك الذين يبحثون عن مكاسب سياسية على أنقاض وحدة شعبنا والتعايش السلمي بين مكوناته، بروح عالية من الحرص على المصلحة الوطنية، والتسامح والتآخي .

وطالبت المعارضة “بحوار وطني بناء، في جو هادئ ومسؤول، بهدف الوصول إلى مشروع مشترك لتنمية قطاع تربوي قادر على تدعيم الوئام في صفوف شعبنا” .

بدوره اتهم حزب “حركة التجديد” (القومي الإفريقي) الذي يقوده المرشح الرئاسي صار إبراهميا مختار بعض القوى السياسية ب”صب الزيت على النار”، وطالب رئيس الجمهورية وجميع القوى الحية في البلاد بتقدير حجم خطر هذه الأحداث ومخاطرها على البلاد ووحدتها الوطنية وتحمل المسؤوليات لإنهائها . أما حزب “عادل” (الحاكم سابقاً)، فقد قال “إن النظام الحاكم في موريتانيا وعوض العمل من أجل التهدئة واستعادة الاستقرار واصل صب الزيت على النار بتصريحات طائشة جديدة، أدت في المرة الأولى كما في الثانية، إلى اندلاع موجة خطيرة من العنف تنذر بفتنة مستطيرة” .

ودعا الحزب “جميع مكونات الشعب الموريتاني إلى العمل معا قبل فوات الأوان من أجل إخماد نار الفتنة بنبذ محاولات التفرقة والتصدى بحزم لكل من تسول له نفسه المس بوحدة الشعب الموريتاني وقيمه ومقدساته” .

إسلاميو موريتانيا، الذين وجدوا أنفسهم أمام اتهامات من القوميين العرب بالتقاعس عن نصرة “اللغة العربية” لأغراض سياسية وحزبية، أطلقوا حملة شعبية عبر سلسلة مهرجانات وندوات تحت شعار “هو سماكم المسلمين” دعوا من خلالها لتفادي الفتنة العرقية، وأكدوا تمسكهم باللغة العربية لغة رسمية للبلاد ولغة للإدارة والتمسك بلغات الأقلية الإفريقية لغات وطنية .

وقال محمد جميل ولد منصور، رئيس حزب “تواصل” (الإخوان) إن حزبه قرر أن يضرب على يد ممن يحاولون العبث بوحدة البلد وتماسك لحمته الاجتماعية، معتبراً أن الوضعية الحالية للبلد تتطلب وقفة حازمة وحاسمة ضد مثيري الفتنة في البلد .

وذكر ولد منصور في مهرجان جماهيري بأن الوحدة الوطنية في موريتانيا عانت كثيراً من دعاوى العنصرية، مؤكدا أن الموريتانيين “ذاقوا ألم الفرقة والكراهية سنة 1966 و1979 و1989 ويرفضون اليوم أن يتجرعوا نفس الكأس وسيقفون في وجهها” . حسب تعبيره . وطالب الإسلاميون بتفعيل الرابط الإسلامي كرابط جامع وموحد بين جميع مكونات البلاد .
قوى وأحزاب سياسية عديدة اتهمت “جهات أجنبية” بالضلوع في هذه الأحداث في تلميح وتصريح واضح أحياناً، لدور فرنسي و”إسرائيلي” في الملف، فيما اتهمت أغلب الأحزاب قوى سياسية لم تسمها (لكن الإشارة واضحة للقوميين العرب والأفارقة) بالمسؤولية عن الملف .

المعارضة و”نظام الديكتاتور”

صعّدت المعارضة الموريتانية حربها الإعلامية والسياسية ضد نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، ونظمت مهرجاناً جماهيرياً حاشداً تحت عنوان “إخفاقات النظام ومغالطاته”، في ساحة “مسجد ابن عباس” بنواكشوط، نفس المكان الذي نظمت فيه الأغلبية الرئاسية مهرجانها الشهر الماضي، وحمل هذا الأسبوع “جديداً” لم يكن مألوفاً، فقد أعلن مسعود ولد بلخير، رئيس البرلمان الموريتاني ورئيس منسقية أحزاب المعارضة، أن المعارضة لم تعد تطالب بالحوار الذي ترفضه الأغلبية، بل تريد (المعارضة) إزاحة الرئيس محمد ولد عبد العزيز وحكومته من حكم البلاد .

وقال ولد بلخير إن ولد عبد العزيز اختار أن يصم آذانه عن دعوات الأطراف السياسية لحوار شامل ينقذ البلاد من ويلات الوضع القائم، ولكنه اختار العناد وكأنه يملك أوراقاً يمنّ بها على الأحزاب المناوئة له .

وأمام آلاف الجماهير، تبادل قادة المعارضة الهجوم على نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، معتبرين أن البلد يعيش “أزمة على جميع الصعد”، متهمين النظام “بالعجز عن إدارة البلد” . ووصف محمد ولد مولود رئيس “حزب اتحاد قوى التقدم” النظام ب”الفساد الأكبر”،و قال إن الحكومة الموريتانية في سياساتها وتصرفاتها تشبه تصرفات المراهقين بالسيارات في شقلبتها، وقال ولد مولود إن سبب “تهرب النظام من الحوار هو تخوفه من بحثه مشاكل البلد، وبحث تدخل الجيش في السياسة ونتائج الانتخابات الماضية”، حسب قوله .
أما زعيم المعارضة أحمد ولد داداه فقد تركز خطابه حول الوحدة الوطنية مؤكداً أن كل شيء يمكن السكوت عليه إلا وحدة الشعب الموريتاني، رافضاً ما أسماه “الفتنة”، وقال إنه “لابد من التغيير الحقيقي”، حسب قوله .

فيما انتقد يحيى ولد الوقف رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب “عادل” ما أسماه “المساس بالوحدة الوطنية” داعيا إلى الحفاظ على هذه الوحدة محملا النظام مسؤولية الأحداث الأخيرة .
أما الوجه الجديد على مهرجانات المعارضة، فهو وزير العدل السابق محفوظ ولد بتاح، الذي يقود المجموعة السياسية المحسوبة على العقيد أعلي ولد فال، فقد شن هجوما لاذعا على النظام الحاكم في البلاد ووصفه بالدكتاتورية .

وقال إنه يتحدث باسم من وصفهم بمجموعة من الأطر ضاقوا ذرعا بسياسات النظام الحاكم وقرروا الانضمام لمنسقية المعارضة للعمل ضد النظام الحاكم .

ووصف ولد بتاح نظام الرئيس ولد عبد العزيز بالدكتاتورية قائلا إنه “يحتقر مؤيديه كما يحتقر معارضيه، ويعتمد سياسات تقوم على الديماغوجية وتصفية الحسابات”، وأضاف أن موريتانيا تعيش حالياً خطراً على وحدتها وكيانها وأن “النظام الحاكم يقودها إلى الهاوية” .
الأغلبية ترد

يأتي ذلك في وقت، واصل فيه قادة الحزب الحاكم مسلسل مهرجاناتهم الداخلية وصعدوا من وتيرة الهجوم على زعماء المعارضة، فقد قال محمدن ولد شمد، عضو مجلس الشيوخ الموريتاني، إن “قادة المعارضة بدأوا الاصطياد في المياه العكرة، بخروجهم على المألوف من قيم الوطنية والحرص على وئام البلد”، مضيفاً أن “أحمد ولد داداه خرج عن رشده بمزاعمه اكتشاف نفايات سامة في البلاد”، معتبرا أنه “يرمي من وراء هذا الافتراء إلى ترويع المواطنين الآمنين بعد أن صعب عليه صدهم عن الانخراط في نهج موريتانيا الجديدة” . كما قال .

واعتبر ولد شمد أن “قادة المعارضة يفتقدون للخبرة الكافية بالنظر لخطابهم السياسي الراهن، وأصبح دورهم هو مسايرة أصحاب الآراء المتطرفة، مستهدفين التعايش السلمي والاجتماعي في الصميم” .

وقالت عيشة بنت امحيحم، الوزيرة السابقة والمفوضة المساعدة للأمن الغذائي حالياً، إنه “على الشعب الموريتاني أن ينتظر في كل يوم كذبة جديدة من زعماء المعارضة وباقي رفاقهم” .

ووصفت خطاباتهم ب”الداعية إلى نشر الكراهية” و”المتشنجة من دون مسوغ منطقي واضح”، حسب قولها .

أما محمد ولد ابيليل، وزير الداخلية، فقد وصف قادة المعارضة ب”سلع منتهية الصلاحية”، وقال في مهرجان حزبي، نظم في ولاية “الترارزة”، إن اقتراب القمة من القاعدة، أدى إلى كساد السوق السياسي، الشيء الذي قال إنه دفع من وصفهم ببعض المرتزقة للجوء إلى سلع منتهية الصلاحية، مثل قضايا العبودية والنفايات وقضايا أخرى، معتبراً أن أولئك القادة في المعارضة، يهدفون من خلال ذلك إلى عرض أنفسهم للشراء .

كما هاجم صالح ولد دهماش القيادي في حزب “الاتحاد” الحاكم، قادة “منسقية المعارضة”، أو “المشاغبة”، على حد تعبيره، وقال في تصريح حزبي “طالعونا بتصرفات وتصريحات عبرت عن حقيقتهم، وأثبتت أن هؤلاء أفلسوا وفشلوا وأخفقوا سياسياً” .

وأضاف أن من أسماهم “فلول المفسدين وأشلاء المعارضة لن يتقبلوا الأمر ببساطة، لأنهم المتضرر الأول والأخير من الخيار الديمقراطي الذي لم يضحوا مطلقاً من أجله ولم يطالبوا به في تاريخهم السياسي الحافل بالتناقضات، وحتى خلفياتهم الأيديولوجية لا تعرف اسم الديمقراطية” على حد تعبيره .

وأكد ولد هماش أن “إرادة وعزم” الرئيس عزيز في التصدي لسيل نهب المال العام لن تلين، وسيواصل العمل على استعادة القيم والأخلاق السليمة التي هدمت تحت معاول التملق والنفاق من طرف سدنة المفسدين المتواجدين على منصة مهرجان المعارضة . وأضاف “أنا على يقين أنهم سيبذلون كل جهدهم وبشتى الأساليب كما عهدناهم، من أجل القضاء على المشروع الديمقراطي، وما هم في سعيهم إلا كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل” حسب قوله .

هي إذن “الحرب سجال” . . أسبوع “النفايات السامة”، و”النظام الذي يجب أن يرحل”، و”الأزمة العرقية” الجديدة، و”قادة المعارضة الذين تحولوا أو حولوا إلى سلع منتهية الصلاحية”، ودخول “الأزمة اللغوية” إلى خيمة “الأزمة السياسية” . . لكن من قال إن هذا القش يقصم “ظهر البعير” .