مشاهدة النسخة كاملة : بلاد شنقيط قامات وهامات


ام خديجة
04-22-2010, 04:08 AM
بلاد شنقيط قامات وهامات

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/514.imgcache.jpg (http://www.mushahed.net/vb/imgcache/514.imgcache.jpg)

بلاد شنقيط أو بلاد التكرور اسمان عرف بهما هذا الفضاء الذي انشأ الاستعمار الفرنسي موريتانيا الحديثة على جزء منه دون مراعاة إرادة ساكنته.
ولقد كان للشناقطة ما قبل الاستعمار تاريخ عريق وتراث فكري وافر وإنتاج معرفي غزير، اشتهروا به في الساحل السوداني والمغرب والمشرق العربيين حيث كان لهم إشعاع مرموق وتأثير عميق في هذين الحيزين الجغرافيين وشكل الاستعمار الفرنسي نائبة جسيمة ألمت بالشناقطة ترتب عنها تمزيق أوصال مجالهم الحيوي وقطع تواشجهم الاجتماعي وتواصلهم الفكري والروحي مع بني جلدتهم على امتداد الفضاء الرحب الذي كان يكتنفهم ولم يكن ذهاب الاستعمار عن البلاد بأقل كارثية من مجيئه إليها.

حيث حرص قبل أن يرتحل على خلق ولاءات سياسية وتطلعات ثقافية غير متماهية وذلك ضمن سياق إقليمي ودولي معادي ودون توفر البلاد على الحد الأدنى من المرافق الحيوية والبنى التحتية الضرورية التي تشكل المقومات الأساسية لدولة قابلة للحياة.
ولقد أفلح الرعيل الأول من الساسة الموريتانيين ليس فقط في إبطال مفعول القنابل السياسية والثقافية الموقوتة التي زرعها الاستعمار لتمزيق وحدة البلاد ومسخ هويتها العربية الإفريقية الإسلامية، بل أفلح كذلك في رفع تحديات غياب البنى التحتية وانعدام الموارد وقلة الكوادر المؤهلة فضلا عما كانت تشكله أطماع دول الجوار ودسائسها من مخاطر تتهدد كيان البلاد ووجود الأمة.
وما كانت هذه التحديات لترفع وما كانت الرهانات المصيرية للبلاد لتكتسب لولى أن هناك قامات وطنية ذات هامات شامخة وإرادة صلبة وإيمان وطيد بهذا البلد ولولا أنه كان ثمة رصيد من القيم والأخلاق والمثل العليا يستأثر بها الموريتانيون ويبنون عليها مسلكياتهم ويعتمدونها كنهج لحياتهم اليومية.
ولعل من أهمها الحرص على صيانة العرض والتعفف والقناعة واستهجان النقائص وتحاشي الرذائل التي كان يستقبحها المجتمع ويرفضها.
وهذا السياق لم يكن مواتيا للعبث بالممتلكات العامة ولم يكن ملائما لاختلاس المال العمومي والارتشاء والفساد والتحايل والسرقة المكشوفة.

ولم تكن غريزة الكسب الجامحة قد سيطرت على النفوس ولم يكن التعطش الشديد للكسب السريع والثراء الفاحش قد عرف طريقة إلى قلوب الناس بعنفوان كاسح.
وعلى الصعيد السياسي كان لموريتانيا نفوذ شبه إقليمي وحضور إقليمي وإشعاع دولي بفضل ما كان يتوفر عليه بعض ساستها من تألق ووقار كما اكسبتهم احترام العالم. ونذكر من ضمن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر المرحوم فخامة الرئيس المختار ولد داداه تغمده الله برحمته ووزير الخارجية حمدي ولد مكناس رحمه الله وسيد احمد للديين وبياكي ولد عابدين وسيد محمد جكانا وغيرهم، فبفضل هؤلاء الرجال كان لموريتانيا حضور متميز على مستوى القارة الإفريقية وعلى مستوى الفضائين العربي والإسلامي فضلا عن أربا وأمريكا اللاتينية وآسيا. فكان للبلاد ثقل سياسي معتبر رغم تواضع وزنها الاقتصادي والاجتماعي ورغم ما كانت تعاني منه من فقر وتخلف.
وعلى الصعيد العلمي والفكري، كان مستوى التعليم مرتفعا وكان الطلاب الموريتانيون يتألقون في الجامعات العربية والأوربية التي يلتحقون بها فكانوا مضرب المثل في الجدية والنضج والتفوق.
وكانت البلاد تتوفر على أعداد كبيرة من العلماء المتمكنين ذوي الصيت الشهير في المشرق والمغرب وبالإمكان أن نذكر في هذا الصدد بداه ولد البصيري وولد حامدون ومحمد سالم ولد عبد الودود رحمهم الله جميعا.
ولا ينبغي أن يفهم من كلامي هذا أن الجمهورية الأولى التي عرفتها البلاد بعد استقلالها والتي أطاح بها العسكر سنة 1978، كانت جمهورية فاضلة بالمعنى الطوباوي للكلمة.
لم يكن الأمر كذلك بل كانت لها نواقصها وهناتها وسقطاتها التي قادت إلى حرب الصحراء الغربية مرورا بالأحادية السياسية والتجاوزات في مجال حقوق الإنسان.
لكن بما أنه بأضدادها تتميز الأشياء فقد تجلت بكل وضوح أفضلية هذه الجمهورية على علاتها بالمقارنة بالأوضاع التي قامت ابتداء من انقلاب 1978 واستمرت في التردي والتدهور والارتكاس إلى أن بلغت الحضيض على كل الصعد والمستويات.
فتدنى مستوى التعليم بانتظام وتآكلت منظومة القيم الأخلاقية وتلاشت المثل العليا والمبادئ السياسية وتعاظم الجشع والتكالب على الكسب بكل الوسائل والأساليب، وسقطت قيمة المعرفة وضعفت مكانة أهلها فتدنت الكفاءات وقلت الخبرات وتراجعت المستويات وانخفض الأداء، في كل ميادين الحياة.

فاستعيض بالولاء السياسي الأعمى عن المهنية والتأهيل والنجاعة واستبدلت الجدارة والمردودية بالمحسوبية والمحاباة والزبونية. واستشرى الغش والتدليس والتزوير وانتشرت الرشوة واستفحل الفساد.
فسرت عنغرينا قاتله في جسد المجتمع الذي أصبح مهددا بالتفكك والاضمحلال.
وسببت هذه الأوضاع المتردية سيطرة ثقافة الاستهتار بالقيم الأخلاقية واحتقار المعرفة وازدراء الكفاءات واتخاذ التحايل والخداع سبيلا إلى تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات. واختفاء أي وازع يردع عن الرذائل والنقائص.
ومما لا شك فيه أن العامل الأساسي الذي يكمن وراء هذه الأوضاع والمحدد الذي أوجدها هو عدم احترام معظم الموريتانيين لماضيهم ولما كان يرتكز عليه من قيم ومبادئ ومثل عليا.
ولعل ما يبعث على القلق هو حتمية ملازمة عدم احترام العلم وعدم الاكتراث بأية معيارية بالتكلس والتخلف والانحدار الحضاري.
ونأمل أن يكون ما نسمع عنه الآن ونشاهده من محاربة الفساد ونهب المال العام خيارا جادا وذا استمرارية وليس سحابة صيف ولا كلام ليل يمحوه النهار.
واعتقد أنه من واجب كل موريتاني يحمل الهم العام أن يدعم هذا التوجه ويتملكه ولا يكل إنجازه إلى شخص واحد أو قوة وطنية واحدة، فالأمر قضية وطنية تعني الجميع وتستنهض كل الهمم وتستصرخ جميع أصحاب النوايا الحسنة.
ولعل أهم ما قد تفضي إليه وتغرسه في الأذهان هو احترام الوطن من خلال احترام مقدراته وموارده واحترام المعيارية والمهنية والكفاءة سعيا إلى المردودية وحسن الأداء ووصولا إلى النجاعة والفعالية التي تشكل مجتمعة أساس مقومات تقدم ورفاهية الشعوب وتمثل شروط تمدنها وتحضرها.
بتاريخ :02/12/2009
محمد الأمين ولد الكتاب
نقلا عن : انواكشوط للأنباء