مشاهدة النسخة كاملة : ملاحظات عن بُعد..


ام خديجة
04-21-2010, 08:23 PM
ملاحظات عن بُعد..

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/505.imgcache.jpg (http://www.mushahed.net/vb/imgcache/505.imgcache.jpg) محمدن ولد محمد غلام


في سنة ماضية، سمعت من أحد المتابعين للحركة الإعلامية والسياسية في عالم اليوم، كلمة لا أزال أتذكرها كلما رأيت مصداقها العجيب في تفاصيل الحياة السياسية في أقطارنا العربية والإسلامية..

يرى الرجل أن الحركات الإسلامية الوسطية ـ بقادتها وساستها وإعلامييها ـ أصبحت تقود قطار العمل السياسي والإعلامي في الدول العربية والإسلامية..
قيادة يستدل عليها الرجل بأن المناوئين لهذه الحركات بآرائهم السياسية وتوجهاتهم الإعلامية أصبحوا "يعتاشون" ـ في خطابهم الإعلامي وطرحهم السياسي الموجه إلى الجماهير ـ على أخطاء حمَلة المشروع الإسلامي المعتدل، سواء كانت أخطاءً واقعية حقيقية أو كانت أخطاءً ألصقت بهم؛ تأويلا متعسفا لمقال لأحد إعلامييهم، أو تفسيرا مقلوبا لموقف من مواقفهم!!
انظر معي ـ يقول الرجل ـ إلى هذا السيل الجارف من المقالات والأعمدة والمواقف السياسية الموجهة للاستهلاك السياسي، هل تلمس فيها من جديد أو جدي يوجه للرأي العام، إلا ما يتعلق بخطأ ارتكبه الإسلاميون حقيقة
ـ وهو أمر وارد ما داموا مقاربين ومسددين دون ادعاء عصمة ـ أو بتعسف إن لم نقل ببهتان على هؤلاء؟!
تذكرت هذه المقالة حينما قرأت في الأسابيع الماضية ذلك السيل الجارف من المقالات والتساؤلات الموجهة ـ بغثها وسمينها ـ إلى حمَلة المشروع الإسلامي الوسطي العامل في بلدنا العزيز موريتانيا..
وجهت هذه الأسئلة وتساقطت هذه المواقف السلبية من التيار الإسلامي المعتدل في موريتانيا بعد إنجازات سياسية ملموسة لهذا التيار، كرسها حضوره السياسي القوي في جميع مفاصل الحياة السياسية برؤية معتدلة تجمع ولا تفرق، تقول للمحسن أحسنت وتدعو غيره إلى مراجعة مواقفه.. بعد نجاحات هذا التيار في تنظيم مؤتمرات مبهرة في شكلها هادفة في مضمونها، بعد نجاحات لقادته وأعلامه في إصلاح ذات البين والدفع بالفرقاء المتشاكسين إلى طاولات الحوار وحل المشاكل بروية وتعقل.. ولننظر كمثال على ذلك إلى مواضيع أربعة شغلت الرأي العام الوطني في الآونة الأخيرة وأدلى كلٌ من الإسلاميين ومناوئيهم فيها بما عنده، ونضح ـ خلالها ـ كل إناء بالذي فيه..
1ـ الإسلاميون والقبول بقواعد اللعبة
كثيرا ما سمعنا أن الإسلاميين لا يقبلون من الديمقراطية إلا ما كان لصالحهم.. وهو ما تعارض مع الموقف الواضح الذي اتخذه مرشح هذا التيار في الانتخابات الرئاسية السابقة الأستاذ محمد جميل منصور من الاعتراف بنتائج الانتخابات التي لم تكن في صالحه، والاستماع لكلمة الشعب الموريتاني في انتخابات لا يمتلك من الأدلة ما يمكّنه من التشكيك في نتائجها، في موقف مشرف ينم عن مصداقية في التقدير ونضج في التعاطي مع الشركاء في العملية الديمقراطية...
في المقابل، لم يقدم منتقدو حمَلة المشروع الإسلامي من شيء مقنع بخصوص التعامل الجاد مع هذه النتائج الصادمة إلا انتقاد مواقف الإسلاميين ومحاولة النيل من توجهاتهم ومحاكمة نياتهم.. باستثناء الباء الطائرة والتزوير عن طريق الشعوذة ونحوها!..
لقد كان الإسلاميون هنا واضحين في موافقهم متقبلين لقواعد اللعبة التي دخلوا المعترك السياسي على أساسها في انسجام وشفافية. بينما كان خصومهم "يعتاشون" ـ سياسيا وإعلاميا ـ على التشكيك في مواقف الإسلاميين ومحاكمة نياتهم!!
2ـ أزمة البنك المركزي ورجال الأعمال
وفي هذه الأزمة كان موقف الإسلاميين ـ بل وسعيهم ـ ينصب على إيجاد حل توافقي ينهي الأزمة بشكل مُرض للجميع عبر التفاوض والحوار، وهو ما كرسه تدخل مفخرة البلد العلامة محمد الحسن ولد الددو في وساطته التي قبلتها الأطراف اعترافا بمصداقية الشيخ واحتراما لمكانته مما أدى إلى حل القضية بشكل ودي ومشرف للجميع..
في المقابل كان خصوم الإسلاميين يسعون لتأجيج الموضوع واستغلاله استغلالا أشبه بالاصطياد في الماء العكر في مشهد يتذكره الجميع، ثم ما لبثوا ـ بعد أن انفرجت الأزمة على أيدي قادة التيار الإسلامي المعتدل ـ أن تحولت سهامهم إلى محاولة التشكيك في الوساطة التي رضي بها الطرفان المعنيان وأحرزت للبلد قدرا من الهدوء والطمأنينة هو في أمسّ الحاجة إليها...
لقد كان الإسلاميون هنا فاعلين مؤثرين يسعون للإصلاح وينجحون في نزع فتيل الفتن بين المجتمع.. بينما كان خصومهم "يعتاشون" ـ سياسيا وإعلاميا ـ على التشكيك في مواقف الإسلاميين ومحاكمة نياتهم!!
3ـ مؤتمر الوسطية الباهر
لقد كان لمؤتمر الوسطية التي نظمته جمعية المستقبل وقعٌ مدو في المشهد الفكري المحلي والإقليمي بما حققه من نجاح باهر في التنظيم وبما قدمه من توصيات حزت في مفاصل المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا المسلمة من المفـْرطين والمفرّطين على حد سواء، فضلا عن نجاحه في جمع مختلف أطياف العاملين للإسلام، ونوعية الحضور والمشاركين فيه، دون أن ننسى أواصر الترابط وأسس التعاون الإقليمية التي عقدت على هامشه..
في هذا المؤتمر الذي جاء ليلبي حاجة فكرية ودعوية وعلمية واجتماعية ملحة ـ عجزت حكومات ومنظمات عابرة للقارات عن تلبيتها ـ بمنهج وسط لا إفراط فيه ولا تفريط..
في هذا المؤتمر إذن، كان العاملون للإسلام في موضع الفاعل المبادر، تأطيرا وتكوينا وإرشادا ونصحا.. بينما كان خصومهم "يعتاشون" ـ سياسيا وإعلاميا وفكريا ـ على التشكيك في مواقف الإسلاميين ومحاكمة نياتهم!!
4ـ أزمة الهوية وترسيم اللغة العربية
وفي هذه الأزمة التي كادت أن تعصف بالسلم الأهلي والتعايش الإيجابي والتكافل الاجتماعي الذي ورثه الموريتانيون عن أجدادهم كابرا عن كابر.. في هذه الأزمة كان موقف حزب "تواصل" ـ المعبر عن موقف التيار الإسلامي المعتدل في موريتانيا ـ موقفا حاسما وعمليا؛ ذلك أنه الحزب الوحيد ـ حسب علمي ـ الذي أطلق فعالياتٍ هادئة ًوهادفة لتهدئة الخواطر وتقريب وجهات النظر والعمل على بلورة موقف موحد يستند إلى المبادئ الإسلامية والدستورية بعيدا عن دعاوى الجاهلية المنتنة وغبية العصبيات المقيتة، في أسبوع الوحدة الوطنية التي انطلقت فعالياته الجامعة تحت عنوان:"هو سماكم المسلمين"...
لقد كان الإسلاميون هنا ـ أيضا ـ فاعلين مؤثرين يرمون بثقلهم من أجل الوحدة والتوحيد يجمعون ولا يفرقون ويصلحون ويشجعون على الإصلاح. بينما كان خصومهم "يعتاشون" ـ سياسيا وإعلاميا ـ على التشكيك في مواقف الإسلاميين ومحاكمة نياتهم!!
باختصار شديد، لا يسعني إلا أن أطالب خصوم الحركة الإسلامية المعتدلة في بلدنا العزيز ـ بكتـّابهم وساستهم و متسائليهم ـ أن يكسروا هذه الحلقة المفرغة من الاكتفاء برد الفعل السلبي على المواقف الإيجابية والعملية التي يتخذها حمَلة المشروع الإسلامي تجاه القضايا المصيرية في البلاد، وأن يعملوا في المقابل على بلورة مواقف واضحة وإيجابية وعملية من هذه القضايا دون "الاعتياش" على أخطاء أبناء الحركة الإسلامية واقعية ًكانت أو وهمية..
وأن لا يكونوا مثل صاحب الحائط الذي استاء من وضعية ارتفاع حائطه المتواضع، وعندما عجز عن إضافة لبنات إلى حائطه ليجاري حوائط جيرانه ـ لسبب يخصه طبعا ـ أصبح يوجه كل طاقاته لمحاولة تحطيم حوائط جيرانه المعانقة لعنان السماء في مسعى مضن وغير مضمون النتائج.
[
نقلا عن السراج