مشاهدة النسخة كاملة : بتر الذاكرة ...وإفلاس الخطاب


أبو فاطمة
04-21-2010, 01:52 AM
بتر الذاكرة ...وإفلاس الخطاب
محمد الأمين سيدي مولود Ouldsidimaouloud@yahoo.fr

يحتار المتتبع للشأن السياسي هذه الأيام وللخارطة السياسية والتوجه العام مما يدور ومما يحدث....
وتكون الحيرة أكبر عندما يشاهد نوعية الاصطفاف، ويسمع نوعية الخطابات ....

لا يصدق المرء أن يسمع ما يسمع ممن يسمع منه اليوم في المنابر السياسية ما يسمع...

إنها مشاهد مما يمكن أن يطلق عليه "بتر الذاكرة" حيث تسعى أطراف في الموالاة وأخرى في المعارضة إلى بتر ذاكرة الرأي العام ، وتقديم حقائق جديدة أو محو حقائق كتبت عن من لا يريدون أن تبقى تلك الحقائق ماثلة للعيان.

وبحكم كون المعارضة هي المتضرر الأكبر من بتر الذاكرة هذا، كان من الوارد أن تكون من يقف ضدها لكن العكس هو ما يحدث، فدور المعارضة اليوم في بتر الذاكرة عن الماضي دور مشهود. أما الموالاة فتستبيح لنفسها ـ بطبيعتها الأنانية وبحكمها المتضرر الأكبر من بقاء صور الماضي ماثلة ـ ما لا تبيح لغيرها.


أما إفلاس الخطاب فيتجلى في ردود الأفعال المهيمنة ـ وخاصة في طرف المعارضة ـ على المبادرة وأخذ زمام الأمر.

وحتى لا يبقى الكلام عاما وغير مفهوم سنورد نماذج من هذا وذاك:

ـ في مهرجان يحتشد فيه آلاف الفقراء والجياع ومن اقتاتوا على خطاب المعارضة عقدين من الزمن في انتظار اليوم الموعود تقدم المعارضة بكل بساطة عتاة الفساد كدعاة إصلاح جدد، ويتبادل هؤلاء الأدوار والخطابات الخشبية المفبركة في قمة التلاعب بمشاعر هؤلاء البؤساء الذين هم ـ أي الوافدون من الحزب الجمهوري السابق ـ سبب مباشر في بؤسهم طيلة العقدين الماضيين.

لم يفتش الجمهور المسكين عن تفاصيل ما يحدث ، لا تهمه الأسماء المغمورة وليس خبيرا في ألقاب وأسماء رموز فساد ولد الطايع لعدم احتكاكه بهم ، كلما يهمه هو خطاب المعارضة بغض النظر عن من يأتي منه هذا الخطاب (هذه الميزة النادرة هي ما جعلت هذا الجمهور أو جزء منه ينجذب وراء خطاب عزيز في الحملة الماضية).

لقد كان جمهور المعارضة ـ وكنت ـ مهتما بخطابات رئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير وزعيم المعارضة أحمد ولد داداه ورئيس إتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود، لكن هذا الجمهور لم يتبين أن "السم في الدسم" وأن من بين من سيعتلون المنصة ويتصدرون المنبر ويملئون الآفاق بالشعارات النضالية قوم ما عرفتهم منابر النضال، ولا شهدوا ساحات الرفض ضد الفساد ولا التطبيع ولا الكبت أيام كانت هذه الميادين بكرا ـ من غير المناضلين ـ لم يطمسها فاسد ولم يغسل فيها مطبع درنه.

لقد كان ثمة كبار وزراء ولد الطايع (من بينهم الداخلية والمالية ...الخ) ورموز نظامه (مدير ديوانه ، ومدراء مؤسساته الأخرى ..) هذا النظام الذي شرد هذه المعارضة وسجن قادتها.
وليس الخطأ في كون هؤلاء التحقوا بالمعارضة نتيجة الموقف من انقلاب 6 أغسطس ـ رغم كون بعض أقطاب المعارضة نفسها تورط في هذا الانقلاب إلى حد بعيد ـ أو نتيجة موقف قادة الانقلاب ـ حينها ـ منه، بل الخطأ في الطريقة التي يقدم فيها هؤلاء للجمهور اليوم. لأنهم ببساطة معارضون جدد لأسباب غير واضحة ، لدى بعضهم ماضي غير مشرف في تسيير المال العام ، وفي الموقف من التطبيع، ومن المعارضة ، ومن الحريات عموما ( وخاصة فتح وسائل الإعلام الرسمية أمام المعارضة!!).

(وطبعا لا ينسينا هؤلاء نصيب النظام من رموز الفساد، ولا تجديده الثقة لجزء كبير منهم بتعيينهم سفراء ، وفي ديوانه ، وعلى رؤوس مؤسسات تشريعية مهمة).

ـ في ردود أفعال الموالاة على مهرجان المعارضة طغت نقطة واحدة على جميع نقاط المهرجان، وهي القول "أن المعارضة تحرض على الانقلابات" (كلام نائب رئيس الحزب الحاكم)وتهدد الأمن والاستقرار، والمؤسسات الدستورية.

ويعد هذا الكلام من أمهات السخريات لكونه يصدر عن جماعة نظرت لانقلاب ضد رئيس مدني منتخب ولم يطعن في شرعيته أي طرف سياسي.

فكيف يستسيغ هؤلاء الانقلاب عليه فعلا لا قولا، ويستهجنون ما يقولون أنه "التلميح" أو تحريض ضمني على انقلاب ضد ضابط قام بانقلابين في ثلاث سنوات؟ ويغمز ـ ولو من طرف مناوئيه فقط ـ في مصداقية انتخابه؟!!

أما الكلام عن الدستور فلا أعتقد أن محله المناسب،في ميدان يسود فيه انقلابيون ويهددهم آخرون بانقلاب!
فما أغنى هذا الدستور عن الرئيس المخلوع سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ؟ لقد قام من يفترض أنهم حماة الدستور الفعليون (العسكر) بإزاحته جانبا إلى إشعار آخر، وهم من سيفعلون الأمر نفسه ـ إن حدث في المستقبل ـ لا غيرهم.

لقد أفلس خطاب المعارضة منذ فترة، وبالتحديد عندما انقسمت منذ الشوط الثاني 2007 فأيد بعض رموزها مرشح العسكر، ثم عادت الكرة عندما أيد الطرف الثاني العسكر أنفسهم في "أغرب" انقلاب. ثم هي اليوم تمعن في تلك الأخطاء بجعل نفسها مفعولا به لا فاعلا. تارة لا تملك سوى تأييد "رجال الأعمال" ـ وحمل صورهم، وتنظيم المهرجانات على حسابهم، (رجال أعمال التحقوا بالحزب الحاكم اليوم !!)، وتارة تجعل من تأييد الانقلابات أو "حركات التصحيح" ـ كما سمى زعيم المعارضة انقلاب السادس أغسطس ـ برنامجا وتارات أخرى تجعل من رموز الفساد مناضلين جددا.
لقد عرض قادة المعارضة جمهورها لهزات قل أن تتعرض لهم قاعدة إلا وتصدعت إن لم تتشتت. لقد كانت تلك الهزات على مستوى الخطاب ومستوى الممارسة أيضا.

أما المولاة فهدفها الأساسي اليوم هو محو الذاكرة حتى لا يتذكر الرأي العام أن الرئيس الحالي كان الدرع الواقي ضد أي تغيير في السنوات الأخيرة العجاف، كما تود محو كونه قاد انقلاب 2005 ـ رغم إجماع موريتانيا حينها أنه أفضل سيناريو للحل ـ وبالفعل ترغب في نسيان كونه قائد انقلاب 6 أغسطس الأخير حيث لم يمض على النظام المدني المنتخب أكثر من سنة ونصف. وحيث كان أو سيكون فاتحة سلسلة انقلابات، إذ لم تعد للانتخابات أي مناعة ولا للاعتراف الدولي والقبول الداخلي أي وزن يحول دون ذلك.
لقد لخص أحد السياسيين ـ محسوب على المولاة ـ ملامح الواقع واستشراف المستقبل في جملة قصيرة حين قال في ندوة حوار مشترك بين المعارضة والموالاة قبل أكثر من شهر:
" لن يستطيع النظام الحالي أن يملك شعبية ولد الطايع ، ولا شرعية ولد الشيخ عبد الله، ولم ينج الاثنين ما اتصفا به من شعبية للأول عندما همش المعارضة ، ومن شرعية للثاني عندما تنكر لموالاته" وأضاف المتحدث : "على المعارضة أيضا أن تعي أن القطيعة مع النظام والتصعيد ضده قد يسقطه فعلا لكنه لا يضمن التناوب الذي تنشده هذه المعارضة، كما لا يضمن مشاركة هذه المعارضة في السلطة"

إن النظام الحالي بحاجة إلى أن يعي أن الشرعية التامة لم تحم ولد الشيخ عبد الله (فكيف بالمشوبة ولو إشابة جزئية؟) كما أن الشعبية الكبيرة لم تنج ولد الطايع لأنها شعبية وهمية ما دام الطمع خيطها الأساسي الرابط ، وما دام ارتباطها بالقصر والمخزن لا بساكنه. كما عليه أن يعي أن الإجماع على أي شأن عام يكسبه المصداقية أكثر، وأن الحوار والنقاش ليسا مؤشر ضعف بقدر ما هما مؤشرا حكمة وسعة صدر.
وعلى أغلبية هذا النظام أن لا تنسى جذوره الانقلابية حتى لا تتشنج كثيرا إذا ذكرت الانقلابات أو لوح بها ، كما عليها أن لا تنسى تحريضها وتنظيرها لهذه الانقلابات (وهو شأن شاطرتها فيه أقطاب من المعارضة مع الأسف).

وفي المقابل على المعارضة أن لا تنسى أنها ارتكبت أخطاء ساعدت الممسكين بزمام الأمور اليوم على الوصول إلى قلب الحدث وصناعة القرار، وأول هذه الأخطاء تأييد مرشح العسكر 2007 ثم المشاركة في حكومته الموسعة وهي حكومة ضعيفة ومطبعة ـ حينها ـ وذات قيادات تحسب على رموز الفساد، ثم تأييد انقلاب 6 أغسطس 2008 ثم الانخداع باتفاق دكار مع وقف التنفيذ، ثم اليوم الترحيب بنصيبها من رموز الفساد وتقديمهم للرأي العام كفاتحين جدد.

إنه من الواجب والمؤكد على الطرفين أن يسعيا اليوم إلى الصالح العام وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، ويتم ذلك بمبادرة النظام إلى فتح قنوات اتصال بالمعارضة تمهد لحوار وطني يلخص كبريات المشاكل المطروحة وحلولها، ويمهد لحكومة وحدة وطنية ذات صلاحيات واسعة، تنهي اللغط بشان مصداقية النتائج، وتصوب جهود الجميع نحو بناء البلد وخدمة الشعب بدل التشرذم والتصعيد والتأزيم.

إنه خيار صعب يقف دونه من يستفيدون اليوم من الكعكة، لكنه في مصلحة النظام ومصلحة البلد أكثر من أي خيار آخر قد يمنح بعض الأطراف السيطرة لبعض الوقت لكنها سيطرة لا يمكن لأحد أن يتكهن بمدى صلاحيتها الزماني والسلطوي.

نقلا عن الأخبار