مشاهدة النسخة كاملة : غابة بلا أسد


أبو فاطمة
04-20-2010, 10:22 AM
غابة بلا أسد


فجأة فقدت الغابة أسدها الهصور, فتلبدت بغيوم الفوضى والضبابية والآفاق المسدودة في كل اتجاه.
نعم - لنقلها بمرارة زائدة وبغصة في الحلق - غاب الأسد وزئيره, فتجبر البغاث و استنسر’ وانبتت السلاحف أجنحة مهيضة تتدرب علنا على الطيران بها في رابعة النهار, وضايق البغاث أسراب النسور وأمنت الفئران صولة القطط , وما عادت الكلاب قادرة حتى على مجرد الهر يرفى وجه الذئاب المستأسدة, وبدت الفيلة والدببة واشد الحيوانات فتكا وبطشا كسيرة منهزمة تطاردها الحشرات وصغار الخفافيش النتنة, واختلط حابل الغابة بنابلها لتنهار كل العلاقات البينية بين مستوطنيها وتغيب كل الفوارق والحدود بينهم, فقويهم أصبح ضعيفا وضعيفهم أصبح قويا وهكذا


لم تعد الغابة كما كانت, ولم يعدلها قانون قوة يحكمها ,وتغير فيها كل شيء بشكل مفاجئ.
طيورها رضيت بالحياة على الأرض ولم يعد لأجنحتها أية وظيفة تذكر, وسلاحفها وعناكبها وزواحفها ارتأت- فجأة- أن عليها ولوج أفق السماوات طيرانا ولو بدون أجنحة, كل الوظائف والخصائص الفسيولوجية لمستوطني الغابة تغيرت لدرجة تجاوز الخط الفاصل بين الذكورة والأنوثة.
كان غياب الأسد وزئيره كارثة زلزلت حياة الغابة, وقوضت كل ملامحها فحتى أشجار الغابة نفضت أوراقها وأعدمت كل مظاهر الخضرة والتجدد.
حتى أرضية الغابة اسودت وتجهمت وتحولت إلى مجرد "قيعان" لا تمسك ماء ولا تنبت زرعا.
غاب الأسد لتغيب معه هيبة الغابة التي ما عاد زئيره القوي المجلجل يبعث فى نواصيها ذلك الشعور بالأمان الذي يخالطه خوف بدا فى كل مراحل تاريخ الغابة انه ضروري لضبط الأمور والتحكم فيها.
اليوم ظهرت مكانة الأسد في الغابة, وضرورة تحكمه فيها, فبعده اختلت كل الموازين, وأصبحت الفوضى "غير الخلاقة" هي سيدة الموقف حيث لا ناه ولا منته.
ورغم محاولات "استنساخ" الأسد الغائب, وحتى محاولات الاستئساد داخل الغابة من طرف بعض صغار الحيوانات والحشرات الواطئة, فان كل شيء يدل على انه لا بديل للغابة عن أسدها المفقود أو البحث لها عن أسد "حقيقي" جديد, يعيد شيئا من النظام إلى الغابة ,ولوعن طريق قانون القوة.
لقد دفع غياب الأسد- الذي هو دائما رغم تسلطه وبطشه الرمز الوحيد لهيبة الغابة وبقائها وتعايش مستوطنيها الأصليين والوافدين والمقيمين والعابرين - بعض "السكان" إلى البحث فى غابات بعيدة ل"مبايعة" اسود وهمية أحيانا استشعارا للخطر وتشبثا بالبقاء, ودفع ب"سكان" آخرين إلى التراقص تحت شمس الغابة- التي لم تعد مطيرة- نسفا للتعايش واستحضارا لتاريخ من التنافر والتدافع أيام كانت الغابة مطيرة, وكانت كل فئة من سكانها تبحث لنفسها عن موطئ قدم مكين, آخذة بعين الاعتبار حجمها وموقعها ومسافتها من سيد الغابة الذي هو في النهاية الأمر الناهي فى غابة هي بالنسبة له مملكة بناها بالترغيب والترهيب, وظل رمزا لبقائها بقسوته وديكتاتوريته وبطشه وبمهابته وقوته وبقدرته أحيانا على التعامل مع قوي الغابة وضعيفها بما يناسب وضعية كل منهما, فكل حماقاته وكل حصا فاته كانت ضرورية للتعايش داخل الغابة وبقائها, فبيده التي تعذب, ويده الأخرى التي ترحم, استطاع بناء غابة منظمة رغم كل المظالم والقوانين المختلة, ورغم الإفراط فى استخدام القوة أحيانا من طرفه, ورغم أن فرض "الاستقرار والتعايش" داخل الغابة كلفه تجاوز العديد من قاطنيها خاصة من صغار الحيوانات وضعاف الحشرات والبغاث الواطئ, والتضحية حتى ببعض حقوقها وطموحاتها المشروعة وغير المشروعة, كما كلفه أيضا -وبنفس الطريقة- تحجيم بعض الحيوانات القوية, وتقليص نفوذها. ووضع حد لطموحاتها وتطلعاتها, وقد كان كل ذلك سيئا بطبيعة الحال, لكنه الثمن المستحق -في كل الأحوال- لفرض المهابة وإقناع سكان الغابة بأنها محكومة بقوة لا يمكن تجاوزها أو تجاهل وجودها بأي حال من الأحوال, وان لها ملكا مالكا لا معقب لقراراته, وعلى الجميع السكوت والانطواء لحظة زئيره الذي يرمز- في جهوريته وجلبته وجلجلته ورعبه الحميم- لقوة السلطة ومهابتها وصوتها الذي لا يعلى عليه.
وأتاح غياب الأسد لآخرين داخل الغابة الخروج من الجحور المظلمة المتعفنة, للصراخ في فضاء الغابة في سبيل قضايا وهمية, ما كان لهم -مع وجود الأسد- حتى أن يفكروا -مجرد تفكير عابر- في التباكي عليها خاصة وأنها تهدد كل قيم التعايش داخل الغابة.
فى الماضي كانت الغابة آمنة مطمئنة, يأتيها رزقها كل حين , وكانت ملاذا حتى لقاطني غابات أخرى بعيدة, يأتونها للبحث عن الماء والمرعى, ليجدوا الترحاب والمودة من طرف القاطنين الأصليين المسالمين رغم كل ظروف الغابة
و أكثر من ذلك, كانت الغابة محمية بأسدها الهصور, الذي لا تنتهك حرماته, ولا يظلم عنده احد, ويكفى زئيره المدوي- عبر الغابة وحدودها- لمنح السكان والوافدين شعورا غريبا بالأمان, وإبلاغ كل جيران الغابة والمتربصين بها بأنها محمية بالقوة, وما من سبيل إلى تجاوزها واستذلال أهلها, أو التعدي على حدودها, أما اليوم فما عاد للحياة أي معنى أو طعم في الغابة, فكل من كتبت له الحياة داخلها يعيش منطويا على نفسه ,خائفا مترقبا,معقدا من حاضره, منقطعا عن ماضيه, محبطا من مستقبله, لا احد معه, لا احد ضده ,لا احد يعاديه, لا احد يصادقه, لا احد يعوده إذا مرض, لا احد يبكيه إذا مات, لا يهتم بأحد, ولا يهتم به احد.
في هذه الغابة الموبوءة المنسية القصية, لا أفق للتفاهم, لا لغة جامعة, لا تاريخ يوحد, لا حاضر يبنى, لا مستقبل يتم التفكير في الوصول إليه بأمان.
لا الحشرات مستعدة للتفاهم مع الزواحف, ولا القوارض مستعدة للحوار مع الكواسر, ولا البغاث ساع للتفاهم مع الخفافيش
الفيلة غير مستعدة للنقاش مع الدببة, والبغال ترفض حتى النظر فى وجوه الحمير, والخيول ما عادت مقتنعة بالتعايش مع الإبل, وقطعان الماعز ليست على استعداد لتقاسم الغابة مع قطعان الضان ,والفئران ما عادت ترضى بأقل من إبادة القطط ومحو وجودها نهائيا من خريطة الغابة, والكلاب غير قادرة على التسليم بضعفها أمام ذئاب الغابة.
أما العناكب, والسناجب, و الافاعى, والأرانب, والصراصير,فلكل منها مطالبه ومطامحه وأهواؤه التي تتناقض شكلا ومضمونا مع ابسط أبجديات التعايش المشترك داخل الغابة.
غابة بلا ماض وبلا حاضر, وبالقطع انه لا مستقبل لها ما لم يبعث الله فيها أسدا جديدا حقيقيا قويا مسيطرا, يعيد إليها القوة والمهابة والحياة, يزرع التعايش- ولو بالقوة- ويظلل الغابة ب"العصا" للذين لا يفهمون إلا منطق القوة و"الجزرة "للذين لا يريدون أكثر منها.
في كل الأحوال يبدو وجود الأسد ضروريا للحفاظ على بقاء الغابة, وفرض التعايش على سكانها المتنافرين "فرعا لا أصلا"والذين بدءوا يخربونها بأيديهم يأسا وإحباطا, وهروبا من المجهول نحو مجهول آخر, و استجارة من النار بنار أكثر استعارا, واشد اشتعالا, يظهر- ومن الآن- أنها ستكون عصية على كل محاولات الإخماد, وأنها أيضا ستاتى على كل اخضر الحياة ويابسها في الغابة وربما إلى الأبد.
حبيب الله ولد احمد

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء