مشاهدة النسخة كاملة : الهويات الرخوة


ام خديجة
04-18-2010, 07:27 PM
الهويات الرخوة

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/245.imgcache (http://www.alakhbar.info/files/img_1174__2_.jpg) د. الشيخ أحمد الجيلاني


إذا ابتعدنا عن مقاربات حُجية إنكار المماثلة، والأسلوب اللاواعي بالذات، والتفصيل المجازي للهويات، بعيدا عن المعطيات الحضارية التاريخية، فلن نجد من العدل في شيء أن يحظر المرء على جاره سدل ذقنه، كإبراز لخصوصيته الرجولية لمجرد أنه أمرد!!

من المعروف أن الانتساب القاري لم يشكل عبر التاريخ هوية قومية، وأن كل القارات تضم عشرات الهويات القومية، رغم التشابه في السحنة السطحية لغالبية سكانها بعامل المناخ المشترك، وأكثر ما تجسد ذلك في القارة الإفريقية التي تضم مئات القوميات والأمم. ففي(زايير) وحدها 250 جماعة عرقية، وفي (تنزانيا) 120، وفي (كوت دي فوار) 60، وكثيرا ما انتهجت هذه الجماعات العنف ضد بعضها، [مذابح التوتسي والهوتو، وصراعات الهوسا..] التي أصبحت تشكل وصمة عار في جبين القارة.

ويرجع (الألماني، ألريش في كتابه " ماهية العولمة " ذلك إلى الصورة السلبية التي صدرتها أروبا المركزية إلى سكان جنوب الصحراء الإفريقية، مثل اللاهوية واللاتقدم، واختصارها في مجرد [دقات الطبول والرقصات العنيفة والخرافات الساذجة] حيث عرضها الاستعمار لبعثرة تاريخها عبر العالم، فاندثرت ثقافتها [لا توجد ثقافة إفريقية مكتوبة ] فتولد عن ذلك شعور بأن كون المرء إفريقيا، يعني بالنسبة له هوية "ملعونة" حيث تُكون الصفة السوداء قيمة سلبية.
لقد نجح الأوربيون في ترسيخ الشعور بالدونية لدى أبناء القارة إذن، فبدلا من التمرد على استيراتيجتهم الإجرامية، ظهر ما يعرف "بالتوحد مع المعتدي" إلى حد سلخ الجلود بالمراهم المسرطنة للتخلص من الصورة السوداء "السلبية" واكتساب صفة القوي أو المنتصر.

وتلعب المراحل المبكرة في نشأة الأشخاص والجماعات والأقطار والأمم..الدور الحاسم في تشكيل الهوية,سواء من حيث تطور "اللبيدو" وعدم تثبته في مرحلة معينة، أو من حيث وضوح قواعد تنميط السمات النوعية [الرجولية، الأنثوية، أو المختلطة أي المخنثة] ضمن قيم التنشئة الاجتماعية الأسرية المدرسية الإعلامية الفنية والدينية...

ويتصدر "الاسم" الأهمية في ذلك، حيث يشكل المحصلة الأساسية لكل الانتماءات الفردية والجماعية، وكلما عجز الاسم عن أن يعكس ذلك، كلما تسبب في إشكالات وتعطيل قدرات العطاء الوطني وتدنت مستويات الإنتاجية في العلم والعمل، وتدنى احترام وتقييم الذات، نظرا لما يضفيه من قيمة وتصنيف أو تحديد للأفراد والأمكنة والمجتمع، وما يلازم ذلك من توجيه نحو أفعال معينة، تتناسب مع سياقاته اللغوية والعقائدية والتاريخية والقومية..وتأكيدها دونما تنافر أو تعادم بين مكونات بنيتها المختلفة.

ومن ثم فإن الذي يهادن في هويته، وفي مقدمتها "معرفه الاسمي" الذي يمنحه صورته الجماعية اللامعة، الحاصلة على الإجماع والاعتزاز النسبي، ويرضى الناس بتعريفهم بها دون إحساس بالغربة، يعرض نفسه للضياع في الفضاءات النسبية، والخلط بين خصائصه وتعارضها...

وحين تطبيق مثل هذه المعطيات على [اسم] المجتمع الموريتاني، نجد أن استعارة "الإسلامية" من (باكستان) بألوان علمها وأسم عملتها، و(الموريتانية) من (الرومان) أضفى على المنطقة صورة ملتبسة، قابلة للتصريف في اتجاهات مختلفة، بعيدة عن هوية سكانها "العرب" بالمفهوم الانثروبولوجي [لغة المحادثة، المعتقدات الدينية، التاريخ المدرك، مقولات تعريف الذات، الشعور بالانتماء والاعتزاز..] وليس بالمفهوم القومي الحركي الذي يُعنى بالسعي لإقامة دولة الأمة، آخذا في الاعتبار أن من لا يشكل امتدادا لتاريخ سابق في المنطقة، مثل " المرابطين"، يضع نفسه في موقع اللقيط حضاريا، ومن ثم تكون هويته أو وحدته الإثنية أكثر عرضة للتراخي وللتفكك.

نقلا عن الأخبار