مشاهدة النسخة كاملة : إلى العقلاء بقلم محمد سالم ولد محمدو


أبوسمية
04-18-2010, 05:33 PM
إلى العقلاء بقلم محمد سالم ولد محمدو

جميل جدا لو كانت العودة إلى لغة القرآن والتعريب الشامل للإدارة والتعليم مجرد تفعيل للدستور الذي نص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية والأم الجامعة في إطار إسلاميتها لكل الموريتانيين،وجميل جدا لو كان الدستور مجموعة أزرار وأيقونات،تنطلق من فضاء التنظير إلى واقع التطبيق بمجرد ضغطة حانية على زر وديع.



جميل لو كان ذلك ،إذا لتجنبنا كل تلك الويلات التي ضربت وحدة البلاد في مقتل وهشمت هويتها إلى هويات مفخخة متوازية،ومتصارعة.
لكن الأمر وللأسف الشديد أعمق من مجرد العودة إلى حلم مرغوب ومطلب مأمول وهو التعريب بشكل كامل،وإقرار المكانة اللائقة باللغات الوطنية في التعليم والإدارة والثقافة.
يتعلق الأمر بحصيلة أكثر من أربعين سنة من الإحن المتراكمة،ينبت المرعى على دمنها،وتبقى حزازات النفوس كما هي استعدادا مطلقا للصراع،وتأكيدا على هشاشة وضعنا الاجتماعي، وعلى قابلية الاشتعال والتأزم العرقي.
كشفت أحداث الجامعة للأسف الشديد عن مظاهر بالية وخطيرة على المجتمع أولها.
1- الجاهزية للتأزيم : هي جاهزية قائمة للأسف بنفوس الجميع ومستقرة في كوامن الجيلين المتجاورين في الجامعة،جيل معرب وجيل مفرنس بينهما حاجز من التعايش الهش،أخذ ينهار مع التصريحات الفجة لكل من الوزير الأول ابتداء،والاعتذار المسيئ لوزير التعليم العالي والثانوي،وبين التصريحين بدا أن النظام غير مؤهل أخلاقيا لخوض معركة التعريب ولا لحسم الصواب والفضيلة في مسألة الهوية.
2- لعبت قوى سياسية واجتماعية أدوار سيئة للأسف في تجييش العواطف،وأكثر من ذلك شاركت – حسب مصادر طلابية – قوى وأشخاص من خارج الحرم الجامعي في المواجهات الوحشية،فمن بين الذين هاجموا مقر النقابة الوطنية للطلاب الموريتانيين المحسوبة على الزنوج الموريتانيين،كان هنالك – حسب الطلاب - رجال وكهول لا علاقة لهم بالجامعة،مارسوا فعل الاعتداء وأوقدوا نار التجييش،ولدى مفوضية الشرطة التي اعتقلت الطلاب المنخرطين في الصراع،كانت وفود متبادلة محسوبة على المتطرفين القوميين من الزنوج والعرب تشد أزر الطلاب وتؤكد لهم ’’أنهم دخلوا التاريخ من بابه الواسع،وأنهم طليعة الدفاع عن الهوية والحقوق’’
3- التداول السياسي للقضية حولها من صراع تافه حول ’’كذبة حكومية’’ ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، إلى صراع هوية وصراع وجود وحدود،لتتعالي خطب عنصرية من داخل الحرم الجامعي،تتحدث عن ضرورة الثورة،وضرورة التقسيم والانفصال،وبدأت للأسف الشديد تعود وبسرعة فيروسات الاصطفاف العنصري إلى تأطير النقاش حول الأزمة المفتعلة،وتعالت البيانات المعربة والمفرنسة،تزرع خناجرها في جسم الوطن المريض،وكأن الأمر صراع بين سيبويه وموليير وبين سيدي ولد مولاي الزين وكبلاني،ولم يكن الأمر أكثر من ’’شرارة خطاب غير موفق للسلطة’’
4- فاقم الأزمة للأسف تعلقها بالجانب المعيشي وارتباط أزمة اللغة بسؤالي البطالة والوظيفة الذي يعصف بعشرات الآلاف من المواطنين في ظل ركام الفساد السياسي والاقتصادي الذي تتخبط فيه البلاد والذي انتقل بكل سلبياته إلى تفخيخ الجانب الاجتماعي من حياة الشعب الموريتاني،فأصبح كل حديث عن اللغة يعني في المقابل فقدان المئات لوظائفهم،أو قطع طريق التوظيف أمام الآلاف من العاطلين والمعطلين.
5- السلبية وغياب التوفيق : كانت أبرز مظهر ميز الخطاب الرسمي في هذه المسألة،فعندما يتحدث الوزير الأول عن ضرورة أن يتدبر من لا يتحدثون اللغة العربية أمرهم’’ وعندما يثني وزير التعليم العالي والثانوي الغارق إلى ما فوق أذنيه في أزمات قطاعين فاشلين إلى أبعد الحدود عن أن الدولة لاتنوي التعريب،فكلا التصريحين خطأ وخطيئة،فليس مقبولا من الوزير الأول أن يقدم ’’تحذيرات ’’ من هذا القبيل إلى أي مواطن موريتاني،كما ليس مقبولا من الوزير الأول أن يعلن ’’ أن الدولة لاتنوي التعريب’’ ضاربا بذلك رغبة الكثير من الموريتانيين عرض الحائط،كان حريا بالمسؤولين البارزين أن يسكتا ماداما لايعرفان كيف يفترض أن نخاطب المواطنين،وكيف يكون التعريب الإيجابي الذي يجمع ولا يفرق ولاكيف يهدأ مسؤول من فورة غضب بعض مواطنيه دون أن يصب الزيت على النار من جديد ويشعل النار من جانب آخر.
الآن وقد رأى الجميع هشاشة الوضع والقابلية للاشتعال،وعلم الجميع أن النار التي تشعل جذوتها كلمة قد تحرق الأرض ومن عليها،أليس حريا أن يدعو الناس إلى كلمة سواء،أليس من المقبول بل من الواجب أن يتداعي الجميع إلى نقاش بناء للأزمة يخرجها عن نطاق ’’المحاصصة وحق الأقلية وحق الأغلبية’’ الأمر الذي يحدث عن جدران اجتماعية متقابلة وليس ناظم اجتماعي قابل للاندماج والتآخي المطلوب والمرغوب.
نحتاج لنقاش هذه الوضعية السلبية أن نتأكد أن أي حل لهذه الأزمة يتطلب أولا اعترافا بخطورتها،وأن إشعالها بالمواقف والتصريحات الملتهبة ونقلها إلى الشارع يمنحها القابلية للتفاقم والاستمرار،وأن أي حل لهذه الأزمة لا يقوم على ثلاثية الحوار المتكامل والاعتراف المتبادل والتدرج الإيجابي سيؤدي إلى نتائج سلبية.
وأن أي حل لهذه الأزمة لايأخذ في الحسبان وعلى رأس أولوياته إصلاحا فاعلا لنظم التعليم،وقيومية للشريعة الإسلامية في أخوتها وسماحتها وإضفاءها لبوس التكامل والتعايش والتوافق بين فئات المجتمع سيؤدي بالعكس إلى قطيعة جديدة،ويكشف عن حلقة كبيرة للأزمة،فقد علمنا تاريخ الشعوب المسلمة إن التعليم والشريعة هما صماما الوحدة والتآخي بين أبناء الإسلام،وكشف لنا واقعنا أن قلم الأستاذ ولسان الخطيب أخطر ما يهدد البلاد إذا ارتهنا لأهواء السياسة،ورياح المواقف النفعية
العلاج الصحيح لأزمة اللغة،يتطلب علاجا غير قومي ولا فئوي،ويتطلب تقوى سياسية وإشفاقا وطنيا على ما تبقى من أرومة هذا الوطن المتآكل،يتطلب التأكيد على أن اللغة العربية هي لغة الجميع، وبها تتأسس الهوية وعليها ينتظم التكامل،على أن ’’ لا إكراه في التعريب’’ ولكنها عودة واعية للحضن الذي صدتنا عنه أنظمة الفساد السياسي والتعليمي عدة عقود.
يتطلب من القوميين العرب تقديم خطاب اللغة العربية في ثوب أكثر نصاعة وبوسائل أكثر إيجابية من تلك التي دفعت البلاد ثمنها باهضا،ويتطلب الأمر أيضا من القوميين الزنوج التخفيف من البكائية والتهويل والتخويف من اللغة العربية،فقد علمتنا سنوات الفرقة أن كلا الخطابين هزيل وغير منتج.
هي إذا دعوة للعقلاء ...من أبناء البلد أن جنبوا ..موريتانيا ’’مجانينكم وصبيانكم وخصوماتكم’’ فإن البلاد أضعف من هذا الصراع.

نقلا عن السراج الإخباري