مشاهدة النسخة كاملة : المصير المفاجئ للغة العربية


ام خديجة
04-18-2010, 04:27 PM
اللغة العربية … المصير المفاجئ

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/242.imgcache (http://www.alakhbar.info/files/dr1.jpg) الدرجاله بنت محمد عبد الله.


لا مراء أن أي حضارة كيفما كان نوعها تقاس درجة حرارتها بلغتها, التي تشكل شريان دمها, وإذا تزعزع توازن اللغة تزعزع توازن الحضارة بأكملها, وللأسف هذا ما نلمسه بوضوح في الحضارة العربية الإسلامية, التي لم ترسوا سفنها على يم واحد عكس نظيراتها في الغرب.

ودليل كل هذا ما أثير من جدل حار في بلادنا حول سياسة التعريب وما رافقها من اختلاف في الرؤى, وامتداد للنقاشات. هذه الاختلافات التي لا حيز لها ضمن مجال مغترف من معين الثقافة الإسلامية السمحة, متشبع بأفكار روانا بها ديننا الإسلامي الحنيف, من خلال الأنظمة التي رسخها لنا سياسيا واقتصاديا وإداريا واجتماعيا لإرساء منهج متكامل لصالح البشرية جمعاء، وصالح لكل زمان ومكان ولا يتقيد بطبقة ولا جماعة ولا جنس, ولا يرتبط بعرق دون الآخر ، واختياره سبحانه وتعالى للغة العربية الفصحى لدليل قاطع على سيادتها على كل اللغات، فهي بذلك تمثل مفتاح ديننا ووعاء تراثنا وضامن لهويتنا واستقلاليتنا ووسيلة لوحدتنا ونهضتنا، فهي لغة الخلق والقرآن والبعث، ومن الواجب علينا كأمة مسلمة المحافظة عليها والرقي بها, بغض النظر عن أجناسنا وانتماءاتنا، فهي ليست ألفاظا وتراكيب و صيغا وأساليب لفئة معينة ولكنها أوسع من هذا المجال. فهي تمثل صمام الأمان في ترابط العالم الإسلامي وتماسكه وتألقه وانسجامه, باعتبارها المقوم الثاني بعد العقيدة الإسلامية بالإضافة إلي أنها مكون من مكونات الأمة العربية وضامن لوجودها المعنوي, وحجر الزاوية في بنائها الثقافي والحضاري.

وقد اعتاد المسلمون على تدريسها لأبنائهم في كل بقاع العالم، فهي تعتبر لغتهم التي يعتزون بها وتحفظ كتابهم وتشريعهم وكفاها فخرا انها لغة القرآن.
إلا أن هذه اللغة أصابها نوع من التصدع الذي زعزع قالبها في البلدان العربية, وذلك نتيجة لمجموعة من الظروف, التي كان هاجسها الوحيد هو تلويث اللغة العربية والعمل على شل حركتها بالأوساط الثقافية العربية والإسلامية، هذه الظروف التي يمكن اختزالها في ثلاث قضايا سنتكلم عنها
القضية الأولى تتمثل في الاستعمار ومخلفاته البشعة.

القضية الثانية: هي حدث العولمة ودورها في تغيير مسار اللغات.
القضية الثالثة: وتتمثل في هاجس المستقبل, الذي أصاب المجتمع.
الاستعمار ومخلفاته البشعة :

إن السياسة الاستعمارية لأي بلد تهدف إلى فرض لغتها على الأمة المستعمرة والإلغاء بلغتهم في غياهب التهميش والنسيان, ليبقوا مرتبطين به, حتي وهم في ظل الاستقلال المزعوم, ليقيد مستقبلهم بالأغلال التي يصنعها.

ولم تكن بلادنا في برزخ بعيد ، فقد كانت حاضرة في مسلسل الغزو الثقافي الاستعماري، فمنذ الاستقلال اعتبرت اللغة الفرنسية لغة الإدارة, وكل محاولة لتعريب الإدارة من قبل النخب السياسية المتعاقبة على البلد تبوء بالفشل,- بالرغم من أننا من أكثر الشعوب اهتماما بها- وكان أخر هذه القرارات ذلك القرار الشجاع الذي اتخذته الحكومة منذ شهر تقريبا أو أكثر, الذي ينص علي تعريب الإدارة, لكن الأمر أتخذ من قبل آخرين كورقة رابحة يلعبون بها, غير مكترثين بخطورة التراجع عن هذا القرار, وغير منتبهين لعواقب الأمور التي تمس أمن البلد, راكبين مطية الديموقراطية من أجل العبث بسيادة البلد, ففي نفس اليوم تصاعد الأمر من قبل بعض الفئات المعارضة للقرار بمهرجانات تندد به وتصفه بالتفرقة العرقية, وصاحب هذا موجة من الإضرابات من اجل الدفاع عن الفرنسية, وكأنهم ورثوها عن آبائهم ويتناسون أنها لغة المستعمر, الذي طالما نبذهم واحتقرهم بسبب خضوعهم له، فأصبحت مسالة التعريب تأخذ مسارا آخر وتوصف علي أنها عمل صالح أريد به باطل, فبدلا من تضافر الجهود من اجل مسألة هوية بلد نجد من يبيعها ورقة من اجل مصلحته الخاصة .

فهل ذلك راجع لسيطرة الثقافة الفرنكوفونية التي جرفنا تيارها بدون وعي بخطورتها وبأهدافها الاختراقية للثقافة الإسلامية والعربية، ام أن اللغة العربية خانها أهلها أم ضعف الطالب والمطلوب؟ أم أننا وقفنا موقف المندهش والمنبهر من لغة المستعمر، بل الأدهى من ذلك وضعها في إطار من اجل التباهي بها وهذا ما سهل عملية إدراج أصحاب اللغة العربية في خانة المتخلفين فكريا.

لكن في الواقع ان أي أمة أرادت التقدم بالتخلي عن لغتها وهويتها قد برهنت على إذلالها ورضوخها واستعمارها من جديد، وتقييدها ثقافيا وفكريا, وقد عبر مصطفي الرافعي عن ذالك حين قال"ما ذلت لغة شعب إلا ذل ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار.

والعربية هي أنقى اللغات فقد انفردت في طرق التعبير العلمي والفني والصوفي وقد حظيت بمكانة كبيرة عند الغربيين، وهو ما جعل الكثير منهم يعطيها أهمية كبرى ويدرسونها ويتفقهون في أسلوبها الرصين الجميل وإن كان هذا الاهتمام مغيب عن الأنظار.

إن الخلاف يكمن في دراستهم للغتنا, فهم يدرسونها من أجل الاستفادة منها والإيقاع بها، بينما نحن ندرس لغتهم من أجل تقليدهم والرفع من شأن لغتهم, فيصدق علينا قول ابن خلدون (المغلوب مولع بتقليد الغالب). كما نعتبرها نوعا من الرقي ، وندافع عنها على أنها لغة العصر، بينما لغتنا أكل عليها الدهر, والمدافع عنها مازال في تخلف من حقيقة أمرها, لكن ألا يدري صاحب هذه النظرة أن هويته تكمن في لغته وتراثه,وقد كرمه الله أن جعل لغته باقية ما بقي الكون بينما اللغات الأخري تسير وفق إقتصاد ناطقيها, فكأنها برصة تهبط أحيانا وربما تختفي كما حدث مع كثير من اللغات العالمية, وأبسط مثال هو إنحطاط اللغة الفرنسية أمام اللغة الإنكليزية, التي تمثل لغة العصر اليوم, وربما غدا لغة أخري, فعليه أن لا يتطاول علي ماضيه ليضمن مستقبله في ظل التحديات الراهنة, التي لا مجال فيها للضعفاء.

القضية الثانية وهي العولمة

بعد نهاية الحرب الباردة سنة 1989, شهد العالم تحولات عميقة, انتهت بهيمنة لدول المركز بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, وفرض لنظامها الرأسمالي الليبرالي, وما تبع
ذلك من ثورات علمية وتقنية, خاصة في مجال الاتصالات والمعلومات, ومن خلال هذه الثورة العلمية يعمل الغرب علي تحويل العالم إلى أسواق لتصريف منتجاته, وكذلك السيطرة على الشعوب من خلال التحكم في أذواقهم ومشاعرهم وسلوكهم , محاولة بذلك جعل هذه الشعوب المغلوب على أمرها منسجمة مع إيقاعها وهذا ما أطلق عليه مفهوم "العولمة", ومن خلال الشعارات التي تروج لها مثل: نهاية التاريخ - ما بعد الحداثة -والقرية العالمية الواحدة- كل هذه الشعارات تلوح إلى تحطيم الحدود وتغيير الأفكار وزعزعة المعتقدات وتحطيم الولاءات.

والعولمة الراهنة تصبو إلى احتواء كل أنشطة الإنسان وممارسته وعلاقاته وأفكاره وقيمة ومعتقداته، وأمور تنميته وبيئته وصحته وشغل أوقات فراغه، فهي بهذا تسيطر على الإنسان في كل حياته، بالإضافة إلى كل ما يتعلق بالسيادة والهوية.

وبما أن اللغة والدين حصنان منيعان، تختفي خلفهما كل أمة للدفاع عن حضارتها وحاضرها من أي هجوم يستهدف محو هويتها الذاتية والقومية والثقافية وخصوصياتها، فكان هدف الغرب العمل على تكسير هذا الحصن, من أجل الهيمنة على هذه الشعوب وطمس هويتها الدينية والثقافية، والشعوب النامية التي مازالت تسير في استكمال خطواتها نحو التنمية, هي أكثر من غيرها تضررا من أثار هذا الغزو، الذي يسير وفق خطة مبرمجة من أجل استلاب هذه الشعوب .

وهذا ما أستدركه العديد من علماء اللغة وعلماء الاجتماع, الذين برهنوا علي أن فساد اللغة هو مدخل لاستلاب الهوية و لا ضعاف الشخصية, ولا كراه الأفراد والجماعات على الذوبان داخل الثقافة الأجنبية، -التي تغزوا اللسان قبل أن تسلب الجنان-, وهذا ما يؤدي إلى ظاهرة أطلق عليها "التلوث اللغوي", الذي لا يقل خطورة عن أي نوع من التلوث الذي تعرفه المجتمعات, ومن هنا يبدأ أسريان الضعف يهتك بكل أوصال المجتمع, إذ بضياع اللغة وفسادها يضعف مقومات الكيان الوطني والقومي, وبالتبعية تفقد الدول مهابتها, وتضعف الخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب.

وأمام ثورة الاتصالات والمعلومات الحديثة, بدأت الحدود اللغوية تتهاوى أمام لغات قليلة تمتلك ناصية المعلومات وتحتل الصدارة, فتعبر هذه الحدود دون استئذان وتهدد العالم بعولمة لغوية, تعرض شيئا فشيئا لغة واحدة أو لغات محدودة قليلة, وهذا نذير بالقضاء المبرم على تجارب الأمم وعاداتهم ومعتقداتهم وقيمهم وترائهم الذي تخزنه لغاتهم، هذه اللغات التي أصبحت مهددة في ظل الثورة العارمة التي خلفتها قضية العولمة وما صاحبها من تغير في الأفكار والأحوال.

القضية الثالثة المتمثلة في هاجس المستقبل

رغم ما تتمسك به اللغة العربية من رصانة وقوة أمام جميع اللغات, ووقوفها الشامخ في وجه التحديات, إلا أنها بدأت تفقد مكانتها في أوطانها وتمثل ذالك بظلم أهل القربي لها, من خلال تهميشها وعدم مشاركتها في الأمور المتداولة إداريا وتعليميا.

فبما أن التعليم من المحاور الرئيسية والأساسية التي تؤثر في تكوين شخصية الفرد وصبغها بالشكل الذي تنمو عليه، فهو يعمل على صياغة العقول منذ نعومة الأظافر حتى تشب وتكبر, ومن هنا جاء الاعتناء بالتعليم, ليكون نافذة للصغار التي يطلون منها على مستقبلهم، وبالرغم مما وصلت إليه اللغة العربية من تدني على المستوى الوظيفي في بلادنا, فكان لا بد من التهافت على المدارس الخصوصية التي تدرس اللغات الأجنبية, وخاصة اللغة الفرنسية, من أجل مواكبة العصر, وبهدف وضع خطة لمستقبل الأطفال, ومواكبة لسوق العمل والبحث عن وظائف بعد التخرج من ناحية أخرى، وبالرغم من أن الأمر أصبح ضروريا, إلا أنه يحمل في بعد ثناياه بعض المخاطر على اللغة العربية، فالمدارس الخصوصية لا تعطي أهمية للغة العربية, وكذالك سوء المناهج التربوية المتبعة, والركود الفكري ، وضعف المستويات على جميع الميادين للأطفال وكذالك للكبار، فكل هذا نذير ببروز جيل في المستقبل يفقد هويته العربية, وربما الإسلامية، ولا يحمل هوية أجنبية، فهو مشتت الأفكار لا يعرف من هو، يخوض في عالم مجهول فيصبح يتخبط بين هوية لا يعرفها وهوية ترفضه، وإن كان خضع لها، فالدخيل على الثقافة الغربية مهما انسلخ من هويته وتراثه ودخل في الغرب، فسيبقى ذلك الغريب المنبوذ حتى ولو كان حمل الشهرة فيهم.
وبهذا فمحاربة العربية تؤدي إلى سلخ أبنائنا ثقافيا ولغويا,

وتجعلهم غرباء في أوطانهم، كما يعزز مكانة اللغات الأجنبية في نفوسهم, وبالتالي التشبث بسيادتها وهويتها.
وأمام هذا الخطر المحدق -الذي يسير في الخفاء- على التربويين والاجتماعيين وأولياء الأطفال وأصحاب القرار والمجتمع أن يراعوا خطورة هذه الظرفية، وكذلك على أولياء الأطفال أن يقوموا بإصلاح لغة الطفل وتحبيب اللغة الأم له، وإدراكه أنها لغة القرآن, فهي تستحق الاهتمام والتقدير، وأما دراسته للغات الأخرى فهو أمر حتمي وضروري فرضه الواقع، ولكن لا يجب أن يكون على حساب لغته التي تحفظ له هويته وكرامته.
"فأولى مقومات الأمة لغتها، فهي السلك الناظم لكل ما به حياتها".

وإجمالا يمكن القول إنه لا سبيل لانقاد لغتنا من هذه الأشباح إلا بمواجهة التحديات المحلية والخارجية, التي تكبل لغتنا والارتقاء بها كي تواكب منهاجنا وإعلامنا وتعليمنا, وبالتالي كي تبوء المكانة التي تستحقها, ولتكون جوهرا لانتمائنا القومي والإسلامي, وبهدف الاندماج في سياق التطور العلمي والمعرفي في عصر العولمة, لتصبح أداة تحديث ودرعا متينة لمواجهة محاولات التغريب والتشويش, التي نتعرض لها.

و إذا كان حاضر لغة الضاد لا يسر, فإن مستقبلها مرهون بمدي ما يبذله أهلها المؤتمنون عليها, من جهد لتدارك الوضع, بإصلاح ما يستدعي الإصلاح بمنهج سليم, وبإدارة جماعية, وبقرارات تكون ملزمة للجميع.
و لا ريب أن الموقف يحتاج إلي قرار سياسي منفذ, يفرض مهابة اللغة العربية باعتبارها المقوم الأساسي في دستور الدولة.

إن اعتبار اللغة العربية لغة رسمية في بلادنا هو دعم لا غني عنه, لكن إبراز لغة تحل محلها في الشأن العام هو ما يفرغ الدعم من مضمونه ويعطيه نتيجة عكسية, إذ يدفع الناشئين إلي النفور منها باعتبارها عبئا ثقيلا لا يستفيدون من دراستها فى الحصول علي وظائف, وهذا حتما ما سيزيد من شللها وتهميشها, وجعلها عقيمة لا إبداع فيها ولا فكر, فأي شعب يتوقف عن استعمال لغته في الأنشطة الحيوية ويستبدلها بلغة أخرى فإنه يكون قد تسبب في نهايتها .
وخلاصة القول إن تحديات العولمة والزحف الامبريالي قائمة وجدية، ولكنها ليست خاصة باللغة العربية فكل لغات العالم تعاني منها، ولكنها تتحداها وتواجهها بالقرار السياسي الجاد، الذي تتضافر فيه جهود أصحاب القرار وعلماء اللغة وجميع المعنيين بالأمر.

لكن التحدي الذي يواجه اللغة العربية ويميزها عن غيرها من اللغات هو تحدي داخلي وخارجي, فالتحدي الداخلي متمثل في الاتفاق غير المعلن وربما غير الواعي بين واضعي السياسات العامة في البلدان العربية، وبين شعوبها, فأصحاب القرار يؤكدون ويعملون في ممارساتهم اليومية على عزلها عن الحياة، اما أصحاب اللغة الذين يعجزون عن الدفاع عنها, وفي نفس الوقت يكسلون عن خدمتها من أجل تطويرها وتحديثها وربطها بالحياة المتجددة، وهو تمالؤ– وان كان بغير قصد- إلا انه تمالؤ غبي وخطير، ولعله اخطر بكثير من زحف العولمة عليها.

أما التحديات الخارجية التي تواجه اللغة العربية, وتميزها عن غيرها فهي الحرب المعلنة علي الإسلام, والتي تهدف إلى تراجع الدين الإسلامي, وبما أن اللغة العربية هي لغته فلابد من اختراقها ومحاولة القضاء عليها بقدر ما أمكن.
ونحن لا نملك في مواجهة تلك التحديات سوى أن نعمق تمسكنا بالحوار الجاد والبناء في سبيل أنبل غاية وأسمى هدف وهو إحياء اللغة العربية على ألسنة أهلها, والرقي من شانها لإعلاء كلمة الله.

نقلا عن الأخبار