مشاهدة النسخة كاملة : عفوا يا معالي الوزير...وألف شكر أيها الطلاب


camel
04-16-2010, 03:56 PM
مقال رصين ، كتب بلغة جميلة ،
أضفت عليه حقيقة الموضوع رونقا خاصا
تسلم يا كاتب المقال

عفوا يا معالي الوزير...وألف شكر أيها الطلاب

في سلم الهبوط الأخلاقي ،ثمة درجات من اليأس ،وخيبة الأمل ،تجتازها الأمم والشعوب بصبر أو لا مبالاة ،فتتحلل مفردات الأحداث في الحياة اليومية إلى سخريات مستمرة ،ويمضي تيار الحياة إلى زاوية مسدودة ،ورغم صعوده وهبوطه ،إلا أن الكثيرين يسترخون في إغفاءة عميقة خارج إطار الزمن.

لا أحد يتخيل أن في مجتمعنا المحافظ إلى حد البدائية ،كل هؤلاء الممثلين الموهوبين ،وأنهم موجودون في أعلى هرم السلطة،الذين ليس منهم أحد مدرك على ما يبدو لخطورة المواقف السياسية في الأمور المصيرية ،التي لها تداعيات سياسية ونفسية ووجودية، تفوق حد التصور ،لكن للأسف كلام الساسة في بلدنا لا يحتكم لأدنى ضوابط العقل والمنطق ،وألسنة عقلائنا غير مصانة من العبث .

في اليوم العالمي للغة الأم وقف الوزير الأول وقال كلاما رحبت به يومها ككل الخلص لهذا البلد المنكوب ، رغم شكي في صدقه، الذي أعربت عنه في مقال بعنوان ( متى نصغي لنداء العقل ) بعد ذلك بأيام أطلت وزيرة الثقافة بكلام يؤيد كلام الوزير الأول وكان بشرى تبعث بالارتياح والسرور،قبل أن يطل وزير التعليم الثانوي والعالي ولد باهيه، الذي يبدو وكأنه كان يعيش في منفى من صنع نفسه ،وجاء بكلام كسائل سحري أذاب كل ما قبله .

أعرف، وليتني لا أعرف ، أنه لا ينطق عن هواه ،ولا يصدر في أقواله وأفعاله عن قناعة ورغبة شخصية ،بل يمثل حكومة وهي التي توحي لها تصريحا أو تلميحا بما يقول وما لا يقول.

ولد باهيه قال كلاما محتواه مليئا بالسخرية ،إلا أن رائحة القرف تنضح منه ذات اليمين وذات الشمال ،ومن ضمن ما قال أن الدولة تخلد اليوم العالمي للغة الأم كما تخلد اليوم العالمي للإفرانكفونية،وذاك لعمري تمرغ في السقوط إلى حد عدم الإحساس الغريزي بشعور الحياء.

كما أضاف أن كل المراسلات والمعاملات الإدارية كانت وستظل باللغة الفرنسية وعادت حليمة إلى عادتها القديمة ،عفوا هذه المرة لم تعد لعادتها لأنها ببساطة لم تهجرها أصلا.

أحد زملائي جاءني بمفكرة صادرة عن التلفزة الوطنية وبمناسبة رأس السنة 2010 ،كتب فيها باللغة الفرنسية ودون ترجمة لهذا المحتوى منها فقط ،وتحت عنوان :بطاقة تعريف الدولة ،بخبث وتطاول على الدستور (أن اللغة الرسمية هي :العربية والفرنسية) في انتهاك صارخ لدستور وافقت عليه أغلبية، أزيد من97% من مجموع الشعب في أهم وأنزه استفتاء في تاريخ البلد 25يونيو 2006.

اليوم شاهدت بأم عيني خطبا جللا ،رأيت طلاب الجامعة ،هؤلاء الرجال الشجعان ،وبعد أن طلبوا الترخيص لمظاهرة سلمية وقوبلوا بالرفض، ينتفضون من حصار خانق فرض عليهم في أسوار الجامعة ،ذكرني بحصار الكيان الصهيوني للفلسطينيين في أيام عيد اليهود ،ويخوضون حربا ضروسا مع عناصر الأمن المدججة بغاز العقيد القذافي المسيل للدموع ،هديته اليتيمة إلينا مع فندقه ذو الخمس نجوم ،الذي لم ترتفع أساساته أزيد من شبر رغم القيل والهرج.

لا تظنوا أن المتظاهرين هم المعربون فقط ،بل خليط من جميع الكليات والسلالات ،فيهم العربي والزنجي ،ودارسو الترجمة والطب والتقنيات...في انتفاضة تستحق أن ننحي إجلالا لها مدى العمر ،فألف شكر أيها الطلاب.

وشكر خاص للذين وقعوا في الأسر وأخص بالذكر :ناصر ولد حمود ونافع ولد السالم ، من كليتي :الآداب، والعلوم القانونية والإقتصادية ،على التوالي، فقبلة جبين لكل واحد منهم.

من ناحية أخرى يبدو أن البعض يمتلك ذخيرة لا تنفد من التجارب الفاسدة ،إننا لا نعول على الحكومة الحالية ولا اللاحقة ،وإن كانت أسمعتنا كلاما معسولا ،ومن ثم أجهضت كل أحلامنا ،إلا أننا مطمئنون أن الواقع الأعرج لن يستمر طويلا،لأن صيرورة التاريخ لها قوانينها التي هي في النهاية أقوى من كل الحكومات والمواسم.
لقد كان ما قاله الوزير الأول مجرد حفرة من حفر الشتاء تم ردمها بالسوافي ،وأما أحلامنا وعواطفنا المخدوعة الصادقة لحد الإيمان فلا تعني للحكومة شيئا والأغلبية لا تعني أيضا شيئا في عرفها ،وأضحت بعد فعلتها النكراء المبتذلة يهذي بعض أعضائها بكلام،أشبه بمن يجود على العالم بأفكار إنسانية عميقة ،ولكن بعد السكر.

كلام كثير تلاطم في مجرى حياتنا اليومية ،إلا أن الزواحف المتوحشة سرعان ما عادت تبرز ،كما تبرز تجمعات الحشرات في أعقاب انهيار مبنى عتيق.

يبدو أنه لا نهاية ولا حد للغرور والاستهتار البشري ،وإلا قولوا لي بربكم كيف ضربت حكومة في عصر الديمقراطية بمطالب الجل عرض الحائط،وانساقت لرغبات الباقين ؟ أي سحر وقعت تحته ؟ إنه زمن التردي بامتياز،وجيل يتخفف من حمل الأمانة الوطنية التي أرهقت كواهل العجز والشيوخ.

الوعود تذوب في كأس النسيان ،وتمضي تبهت ويخبو بريقها يوما بعد يوم ،ومع الزمن ستتحول إلى ذكرى تافهة ومجردة من أي ضامن ،إننا نداري خيبة أملنا من واقعنا المر ،الذي بدا لنا كغول مرعب شرس السحنة همجي المنظر مجهول المعالم والموئل ،وكأننا صورة ناطقة لليأس الأعمى والعجز المستحكم.

السياسة أحيانا تكون مفسدة للعقل البشري ،خصوصا إذا تهاوت القيم إلى الحضيض ،ونفقت الكرامة الوطنية في نفوس الكثيرين ،واندثرت الأخلاق ،ولم يبق منها إلا ما هو عبرة تدب على قدمين.

إن الذين يحلمون بالهرب من مواجهة الحقائق الوجودية، يتركون سفينة الوطن مكشوفة أمام الأعداء والعاصفة ،ويتلهون بالزمن مستمرين في حياة صاخبة متناسين أنهم على فوهة بركان ،لقد علموا الشعب كيف يمقتهم فلا يتفاجئوا ،لأنهم تركوا همومه ،وجراحه المصيرية دون ضماد في قاعة الانتظار ،وكأنها عقد غير قابلة للحل.

عفوا يا سيدي الوزير فلست حسن السلوك لأني لست طالب وظيفة لدا جنابكم الموقر ،ولست لبقا لأنني متخفف من أغلال البروتوكولات ،وتقديري وحبي لوطني وآلامه ،قد استنفد كل طاقتي للحب والتقدير ،لذا أنبهكم إلى أن مناوراتكم البهلوانية خليقة بأن تصنع منكم مهرجا في أحسن الأحوال ،يحمل حزمة من التناقضات الساخرة ليدخل الفرحة بها على قلوب الجمهور.

سيدي الوزير إن من يعتذر وهو محق ،حري به أن يعتذر وهو مخطئ ،والرجوع عن الخطأ فضيلة ورجولة ،بينما التراجع عن الحق هزيمة وتردي ،هذا بالنسبة للذين ابتلاهم خالقهم بضمير حي ،واكتووا بنار التضحيات وجحيم القيم السامية ،وهم قلة في مجتمع احترف النفاق والتزلف ،حتى بات أشبه بسوق دعارة مفتوح.

بقلم محمد محمود ولد إسلم


نقلا عن الأخبار