مشاهدة النسخة كاملة : فرص التعريب الضائعة


ام خديجة
04-13-2010, 09:48 AM
"البيعة" تضيع فرصة التعريب..

د.سيدي محمد ولد ابهادي

"لن نقبل بتعريب الإدارة لأنه يهدد مصالحنا..." بهذه التلقائية والبراءة الشديدة أجاب أحد الطلبة الزنوج على سؤال حول نية الحكومة تعريب الإدارة، وقد استغربت حين سماع الإجابة كيف يسمح ذلك النقابي المتحمس أن يرهن الإدارة –إدارة دولة كاملة- لثلة قليلة تتحدث الفرنسية ضاربا عرض الحائط بمصالح كل من لا يشاركه نفس الثقافة ونفس الانتماء.

وبقدر ما كانت سذاجة ذلك النقابي وتلقائيته، كان صمت وتخاذل النخبة العربية، وغيابها عن الساحة طيلة عقود من الزمن ظلت فيها الثقافة الفرنسية تنشر اطنابها وتثبت دعائمها بفعل طغمة قليلة ارتبطت مصالحها بتمكين اللغة الفرنسية والحفاظ على سيادتها، فبقيت الادارة عصية على الغرباء المستعربين ورهينة في أيدي ورثة الاستعمار، وأحفاد المترجمين"اماليز" ولم يشفع للدولة الموريتانية دستورها ومانص عليه من ترسيم للغة العربية بوصفها اللغة الرسمية للبلاد، وظلت تلك المادة حبرا على ورق طيلة العقود السابقة من عمر الدولة، وهو ما أسهم بشكل بين في ضياع مصالح الغالبية العظمى من الأمة، وبعد الإدارة وشؤون الدولة منهم، بل أكثر من ذلك أضعف الدولة في كينونتها وصميمها. ولعلي هنا أستذكر ما قاله الأستاذ حماه الله ولد السالم من أن الدولة الموريتانية" تعيش على قلق في الهوية " وهو تعبير دقيق وغارق في الرمزية استخدمه المتنبي قديما حينما قال: (على قلق كأن الريح تحتي.. ) فذلك القلق وتلك الازدواجية في الهوية تركا أثرا كبيرا على أداء الادارة، وظلت دوما في واد وعامة المستهدفين بها في واد آخر.

وقد أعادت تصريحات الوزير الأول وما أحدثته من هزات ارتدادية امتدت من انواكشوط إلى ضواحي باريس مسألة التعريب إلى الأذهان، وأدرك الجميع فجأة أن حماة الثقافة الفرنسية مستعدون للدفاع عنها والاستماتة في سبيلها ضاربين عرض الحائط بنصوص الدستور ومصالح غالبية الشعب ومستقبل أمة بكاملها مقابل بقاء مصالحهم والحظوة التي يتمتعون بها في ظل الوضع الاستثنائي والهوية القلقة، وفيما كان أولئك يخوضون معركة الدفاع عن مصالحهم في استماتة عز نظيرها كان إخوننا "العروبيون" يتصارعون على موائد القذافي ويقدمون له البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، مولين أدبارهم المعركة الحقيقية معركة الهوية .

لقد كنت على قناعة تامة أن تصريحات الوزير تلك لم تكن إلا فقرة عابرة اقتضاها الزمان والمكان، وليست الحكومة هذه التي ستنتصر للهوية وتنصف العربية وأهلها، فهيهات أن يكون لها ذلك البعد وتلك الإرادة، ولكنها تصريحات كان بالإمكان استغلالها وتحويلها من مجرد فضلة في درج الكلام إلى عمدة في سياق تطبيق الدستور، واستعادة الهوية، لكن إخوتنا كانوا منشغلين في ترتيبات البيعة، وبعودتهم المتأخرة تعود الحكومة لتأكد أنها لم تكن لتفكريوما في تعريب الإدارة، وقد أسيء فهم التصريحات في هذا المجال، فستبقى وإلى الأبد الإدارة والمراسلات بالفرنسية وكل تعاملاتها بالفرنسية ...لكن ذلك غير كاف بالنسبة للإخوة الزنوج فلابد من اعتذار رسمي يقدمه وزير الاعلام والناطق باسم الحكومة.

تشي هذه الأحداث وما رافقها من تداعيات بمستوى الضعف والانهزامية التي وصلت إليها النخبة الموريتانية؛ ممثلة في حكامها، وأحزابها ومثقفيها، فبعد أن تخلى الفرنسيون عن لغتهم واستبدلوها بلغة العصر واللغة الأكثر أهمية في العالم، ولم تعد تسمع للفرنسية صوتا إلا في أدغال إفريقيا ومن استعبدهم الفرنسيون وأذاقوهم الذل والمهانة و سلبوهم ثقافتهم الأصيلة واستبدوهم بها لغة مهجورة ، وهوية ضائعة، لاتزال تجد من يدافع عن الفرنسة وينافح عنها، ومن المأكد أن لهذه الظاهرة أسبابا عديدة لسنا بصدد التعرض لها لكن الأحداث الأخيرة تبرز ملاحظات مهمة بعضها مرتبط بالحدث القائم وبعضها استمرار لظواهر سالفة:


عقدة النقص:

لا تزال عقدة النقص الموروثة من زمن الاستعمار والأيام الأولى للدولة مستمرة، ومازال ذوو الثقافة العربية قاصرين عن الدفاع عن مصالحهم وما زالو يختبئون خلف سراب من الوهم والشعور بالدونية مقارنة مع نظرائهم من المفرنسين، تتمظهر العقدة تلك في كثير من الجوانب بدء بالعجز عن إيجاد مكان لهم على الساحة، وفي سلم الإدارة، وليس انتهاء بالتحدث باللغة الفرنسية وإقحامها بشكل تعسفي في الخطاب اليومي العادي دلالة على ثقافتهم ونضجهم المعرفي...

غياب دور الأحزاب والنخب:

أظهرت الأيام الأخيرة أن الأحزاب الفاعلة على الساحة إما مستفيدة من الوضع القائم وتريد المحافظة عليه، أوهي تريد التعريب بالفعل ولكنها متخاذلة لدوافع سياسية ولا تريد الظهور في جانب الحكومة، أما الأحزام القومية فلم يخدمها التوقيت وتزامنت الأحداث مع بيعتها الفضيحة؛ وإن كانت في السابق قد دعت وتدعو للتعريب في كثير من خرجاتها الانتخابية والإعلامية.
كل ذلك يظهر أن مسألة التعريب أو بالأحرى تطبيق الدسور ليس بندا مبدئيا في المنظومة الحزبية عندنا، وهو ما يجب استيضاحه من طرف كل حزب على حدة.

غياب دور النقابات الطلابية:

في الوقت الذي قادت فيه النقابات الطلابية المستفيدة من الوضع الحالي مسيرة الدفاع عن الفرنسية وتصدت لتصريحات الوزير الأول، خلد الآخرون المعربون للراحة وكأن القضية لا تعنيهم من قريب ولا من بعيد، وهو موقف لم نعهده من الطلاب فقد كانو سباقين في الدفاع عن المصالح العليا للوطن وهذه أشرف مهمة كان بمقدورهم الوقوف في جانبها وتعزيزها وشد أزر المطالبين بها.

في الأخير لا بد للدولة من أن تحسم أمرها وتعتتمد لغة رسمية واحدة، ويفترض أن تكون لغة الغالبية العظمى من السكان، و إلا فيمكنها أن تختار لغة أخرى وتفرضها على كل المواطنين، فحالة القلق و الأمزجة المتقلبة لا يمكن الاستمرار فيها وستكون لها عواقب وخيمة على حاضر مستقبل الدولة.


نقلا عن الأخبار