مشاهدة النسخة كاملة : سيرة حماس الذاتية .. قراءة في فلسفة المواجهة (10)


أبو فاطمة
04-13-2010, 02:32 AM
سيرة حماس الذاتية .. قراءة في فلسفة المواجهة (10) كمال جابر




الحلقة الأخيرة في الجزء الأول :

افتراق إستراتيجي والتقاء تكتيكي :

إن طبيعة الوقائع التي فرضتها اوسلو على الأرض ، دفعت لافتراق المواقف والتوجهات الفلسطينية بصورة استراتيجية ، ما يعني أن اوسلو كانت نقطة تحول بالغة السلبية في مسيرة النضال الفلسطيني ، وإن كانت الصورة التي يرسمها الافتراق غير مرغوبة ظاهرا ، وذلك طبقا لما هو مكنون في الوعي عموما ، إلا أن مغزاه لا يعدم المعاني الإيجابية ، لأنه يؤشر بوضوح ، على فقدان البعض الفلسطيني لطول النفس النضالي وانكشافه امام تسارع الأحداث وضغوطاتها .

وإذا فهمنا الافتراق على أنه الخطوة التالية ما بعد آخر نقطة تلتقي فيها الرؤية المصلحية الضيقة بالرؤية المتكاملة المحيطة ، تأكد لنا أن حركة الزمان وشهادة التاريخ ، لا تنتظران الضعفاء والمفلسين وقليلي الحيلة كي يرسموا آثارهم فيهما ، ولأنهما لا يتخلفان عن القانون الذي يحكم حركتهما ، أو يجاملان من تظهر عليه آثار الضعف الشديد في تشخيص الصراع والوقوف على أسبابه وتعريفه ، كان لا بد من وقوع الافتراق بين أبناء القضية الواحدة كضرورة حتمية ، هذه الحقائق ترفد مجموع المعطيات الحاضرة التي تساعد ذوي الشأن على رسم خطة الكفاح المثمرة ، وعلى هامش هذا الافتراق اتيحت الفرصة أمام الفصائل العاملة كي تلتقي تكتيكيا من خلال الالتئام معا على خط المواجهة الشعبية مع الاحتلال عبر انتفاضة الأقصى ، ولكن ما بين الافتراق والالتقاء كل بصفته ،كانت هناك ثمة حكاية لا بد من الوقوف على دلالاتها.

إن خروج فريق اوسلو عن السكة التي قبلها الشعب الفلسطيني لم يكن عابرا أو عفويا وإنما جاء كنتيجة طبيعية ، لمقدمات لن تفضي إلا لتك النتيجة ، أما العزف على وتر الانتفاضة فلم يكن سوى محاولة للاستثمار، والإيحاء بالقدرة على التنقل ما بين بدائل نضالية متعددة ، بيد أن مثل هذه المحاولات لن تكون ذات معنى ، طالما أن السلطة أخذت مكانها على الأرض تحت سمع وبصر ورضى الاحتلال، وبغير ذلك كان من الممكن أن يعطي هذا التوجه أثرا ما ولو بعد حين ، الامر الذي يؤكد أن مصالح مرحلية وغير ذات صلة بالمصلحة العامة قد وقفت وراء التوجهات الجديدة للسلطة الفلسطينية ، من ناحية أخرى فإن الاعتبارات التي دفعت حماس للوقوف في وجه اوسلو كانت ذات صلة مباشرة بالمصالح العليا والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ، ولم يكن لها غاية خاصة أو مكسب فصائلي من وراء هذا الرفض ،وعلى ضوء هذا الموقف المبدئي بدا العرض الفتحاوي المقدم لحماس باقتسام السلطة مناصفة بينهما لا قيمة له ولا وزن ، لأنه يستهدف التغطية على الجرم الذي ارتكبه فريق أوسلو عبر إشراك حماس فيه ، وشراء معارضتها له بشيء من البريق الزائف، إذ الهدف الكبير هو نيل الحقوق الجمعية وليس الحصول على المكاسب الحزبية.

اما المسوغات التي قدمها فريق أوسلو لتبرير الانخراط في هذا الطريق (أوسلو)، فلا يمكن أن تعكس شيئا من المصلحة الفلسطينية بحدودها الدنيا ، أما ما سواها من المصالح المجزوءة ، فإن الأيام كانت ولا تزال كفيلة بكشف صوابية أو خطأ الرهان على تحقيقها من خلال الدخول في شراكة مع المحتل في مواجهة الإرادة الفلسطينية ، ما يهمنا في هذا المقام أن نؤكد على أن التمسك بالمصالح الفلسطينية الجامعة والحقوق الراسخة يشكل رافعة فاعلة لاجتماع الكل الفلسطيني ، ومعيارا حقيقيا يدفع لوحدة الكلمة والصف ، لكن إذا اعترى هذا الاجتماع شرخ ما ، فإن المتسبب به والمسؤول عنه ، هو الذي يتجاوز بسلوكه اعتبارات هذه المصلحة الجامعة، ومن هنا كان الفراق المترتب على الحراك المنفلت من ضابط المصلحة الجامعة استراتيجيا، لأن الثمن المطلوب تقديمه يمس تلك المصالح بطريقة مباشرة ، أما الالتقاء الذي استدعته انتفاضة الأقصى فلم يكن سوى تكتيكا فاقدا للمعنى الرصين من جهة فريق أوسلو ، لأنه يتعامل مع المقاومة بأشكالها وصورها كأدوات لتعزيز خيار التفاوض ، لا كخيار أصيل ودائم الحضور ، يتم التلويح به وتحريكه وتفعيله ، لاسترجاع الحقوق ونيل الأماني ، هذا التراجع في الرؤية هو امتداد طبيعي وانعكاس لازم للتراجع الأكبر المتمثل بالقبول باوسلو والانخراط بمتطلباتها.

ركوب قطار اوسلو لم يكن سوى انكفاءة واضحة المعالم ، وقاعدتها الأبرز تتمثل بجعل (المفاوضات) بصورتها الشائهة القاصرة ،هي الآلية الأساس والوحيدة في التعاطي مع المحتل ، الأمر الذي لا يسمح بتناول غيرها من الخيارات كالمقاومة مثلا ، بأشكالها وصورها المختلفة، إلا من باب الاستخدام والتوظيف، ولأن الامر كذلك ، فلم يكن متوقعا من السلطة أن تتابع هذا المسار حتى نهاية الشوط ، فهي لا تستطيع ذلك ولا تريده ، ولو كان باستطاعتها ذلك لأعلنت موقفا واضحا بالرجوع عن طريق التفاوض وإعادة تفعيل الكفاح لمواجهة المحتل، ولو أرادت ذلك مرة أخرى لقامت بتسريح المئات من أبناء الفصائل لا سيما حماس من سجونها بالتزامن مع انطلاق انتفاضة الأقصى ، حيث بقي هؤلاء المئات المجاهدون رهائن لمغامرات السلطة وألاعيبها السياسية.

فهي تغض الطرف عن فعل الانتفاضة ، كي تجير مكاسبها وتوظفها لتحسين موقفها التفاوضي مع الاحتلال ، ولا تتعامل معها كأداة فعالة ومجربة للمواجهة ، وفي ذات الوقت تبقي على خيرة أبناء المقاومة في سجونها ، كإشارة لتوفر الإرادة للاستمرار في اداء المهام الأمنية المطلوبة في مواجهة (العنف) ، سياسة المناورة هذه القائمة على أساس وضع قدم هنا وقدم هناك ، لن تجدي نفعا ، طالما أن نهايات الحراك محكومة بأذرع أخطبوط الاحتلال وفقا لأوسلو ، ولن تثمر ، وكيف يتأتى لها ذلك ، في الوقت الذي أصبحت فيه السلطة الشريك الأضعف في لعبة سياسية غير متوازنة ،وكانت نتيجة كل ذلك أن عادت السلطة لسياسة اعتقال المقاومين والمنتفضين ، فما من خيار آخر عن التردي إلا السقوط ، وإلا فالإخراج من دائرة الشراكة مع المحتل والبحث عن البديل ، و إن ما جرى ويجري الآن يعبر بوضوح عن النهايات المحتومة للإصرار العجيب على خيار الدخول مع الدبابير في شراكة سياسية عرجاء.


نقلا عن المركز الفلسطيني