مشاهدة النسخة كاملة : واجهات المحلات التجارية بالعاصمة..|.. تاريخ غير مكتوب


أبو فاطمة
04-09-2010, 02:23 PM
واجهات المحلات التجارية بالعاصمة.. تاريخ غير مكتوب


كانت العناوين والمسميات التجارية على واجهات الورش والمحال التجارية تثبت ملكيتها لأصحابها وتشعر بنوع من غريزة حب التملك عندما نقرأ شركة فلان وإخوته أو مؤسسة أهل فلان ..الخ وقد ينسب المحل إلى بلدة المالك أو جهته ومدينته أو مسقط رأسه وحتى قبيلته ..وأحيانا تنضح التسميات بالقيم والمثل العليا التي يؤمن بها المجتمع كالصدق والوفاء والتي ينبغي أن تكون صفات ثابتة للتاجر المسلم
لكن يبدو أن هذه العناوين العتيقة أصبحت متجاوزة في أيامنا هذه مع انتشار مسميات أخرى ذات طابع تاريخي واجتماعي وسياسي .حيث شاع في الآونة الأخيرة استخدام أسماء رموز المقاومة على واجهات المحال والبقالات كالقدس وغزة وحسن نصر الله إلى هنية...مثلا، مما يطرح تساؤلات عديدة؟ عن الدوافع والأبعاد التي تقف وراء هذا الاستخدام والاشباعات التي يحققها، هل هو نوع من الاحتفاء المبطن بدعاية تجارية هدفها مواكبة الزخم والتعاطف الذي يحظى به رموز المقاومة في كل مجتمع ..،أسئلة من بين أخرى يسعى التقرير التالي للإجابة عليها :

محلات وتعاونيات وورش..
هذه العناوين لا تقتصر على المحلات التجارية كالبقالات وغيرها بل تشمل التعاونيات النسوية وورش الحدادة والحرف اليدوية، فلا تكاد تمر بشارع أو تتجول بسوق إلا وجدت محلا تجاريا أو ورشة عمل تعنون باسم أحد رموز المقاومة أو بلد من بلدانها، وإذا كانت القدس وغزة إلى جانب حزب الله وهنية هي العناوين البارزة والمسميات الأكثر تداولا ،فإن الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس وجد هو الآخر من يضعه عنوانا لمحله حيث قامت بعض السيدات بإنشاء تعاونية نسوية وعنونها باسم" تعاونية كتائب القسام النسوية "لتصبح بذلك هذه المسألة ظاهرة تستحق البحث والتحقيق وموضوعا يستحق التناول والكلام فما هو الغرض من وراء هذا التحول يا ترى؟

أضعف الإيمان ..
غالبية من استطلعت آراؤهم ترى أن الموضوع لا يعدوا كونه تجل من تجليات الدعم والمساندة للمقاومة ونوعا من أنواع التعبير عن احتضانها والوقوف إلى جنبها ،فالمقاومة كما يقول هؤلاء تحظى بدعم شعبي واسع تعبر عنه الشعوب على اختلاف مستوياتها وعلى قدر حيلتها فمنهم من يلجأ إلى تقديم الدعم المادي إلى المؤسسات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني والأحزاب السياسية الداعمة للمقاومة ومنهم من يلجأ إلى غير ذلك من أشكال التعبير والدعم التي تحمل أحيانا أشكالا رمزية كحال هذه العناوين التجارية لكنها تبقى على العموم تعبيرا عن ما يدور في خواطر أصحابها من دعم للمقاومة ومساندة لقادتها.
ويعلق أحدهم قائلا لو افترضنا عدم صدق نوايا أصحاب المحال التجارية وقررنا أن أغراضهم تجارية بحتة فإن فإن لجوءهم هذه الطريقة هو نوع من الاحتفاء الشعبي بثقافة المقاومة ولا أدل على ذلك من النسوة اللائي اخترن لتعاونيتهم عنوانا بعيدا عن المجال الاقتصادي ويوحي بالجندية والفروسية حين سموها باسم كتائب القسام فلماذا لا يختارون عنوانا تجاريا أو على الأقل يأخذوا اسم "حزب الله" أو "هنية" بدل الكتائب حتى لا يفاجئوا بهذا العنوان من يحاول تمويلهن أو التعاون معهن، وبالتالي فالأمر لا يعدو سوى الإعجاب برموز المقاومة والاحتفاء بها في عالم خانع مستكين !!

مآرب متعددة ..
وبين هؤلاء المتغنين بشرف اختيارهم والمدافعين عن نبل أهدافهم يظهر صوت آخر يقول إنه لا ينكر أن اختياره التسميات لا يخلوا من أغراض تجارية لكن ذلك لا يمنعه أو يخرجه من كونه نوعا من أنواع الاحتضان وشكلا من أشكال الدعم والمساندة للمقاومة ويضيف أن التاجر بطبعه يميل إلى الربح ويتلهف لكسب الزبناء وجلب المشترين ولا يترك طريقا في هذا المضمار إلا سلكه ولذلك فهو رأى أن ما تحظى به زعامات المقاومة من تقبل والتفاف شعبي وحتى بعض الزعماء السياسيين ممن يساندون المقاومة ويقفون إلى جنبها كرئيس الوزراء التركي والأمير القطري مثلا، فرصة يجب اغتنامها وعدم التفريط فيها لعلها تكون طريقة أجلب للمواطنين وأيسر لكسب عقولهم وتعاطفهم .

ذاكرة تختزل ..
في المقابل ليس من الغريب في نواكشوط تسميات من قبيل شاي القدس".. "حلاق الجزيرة".. والتي تدل على انغماس الموريتانيين في السياسية واهتمامهم بمتابعة آخر المستجدات، وهو ما انعكس على كافة مناحي حياتهم، بدءًا من الأسماء ومرورًا بالملبس والمأكل وانتهاء بالمساجد التي تمثل منابر سياسية أحيانا،كما تعكس أسماء الأشخاص والشوارع في العاصمة نواكشوط هذا الولع أيضًا وهي ذاكرة حية تختزل ليس فقط التاريخ الوطني وإنما العربي والإسلامي، فخلال حقبة المد القومي في الستينيات شاعت أسماء بعض القادة العرب كجمال عبد الناصر وياسر عرفات وغيرهما". وامتد التأثر بالحدث السياسي ليتسمى موريتانيون بأسماء غير عربية كغاندي.
فيما شاع خلال الثمانينيات التسمي بصدام حسين، كما طغت أسماء المدن العراقية على أحياء نواكشوط كالبصرة والكوفة وبغداد. ومع عقد التسعينيات وبداية هذا القرن، وبسبب الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان والتصفية العرقية في البوسنة والهرسك والحرب الإسرائيلية على لبنان، ذاعت أسماء أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، وحسن نصرالله،وفي نواكشوط أحياء باسم كوسوفو والفلوجة وقندهار، فضلاً عن الحضور القوي لأحداث انتفاضة الأقصى؛ إذ أطلق موريتانيون على أبنائهم أسماء قادة المقاومة الفلسطينية وبعض الشهداء. ومن هذه الأسماء اسم الشيخ أحمد ياسين، مؤسن نصر الله حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وعبد العزيز الرنتيسي، القيادي بالحركة اللذين اغتالتهما إسرائيل، والشهيدة الرضيعة إيمان حجو.

سلع مادية ومعنوية ..
ظاهرة التسمي بأسماء وافدة طالت حتى بعض السلع الشعبية ذات المحمول الثقافي كالشاي أو ملابس "البزاه الفاخرة فخلال السبعينيات، وبعد اندلاع الثورة الإيرانية أطلق كثير من المواطنين اسم الخميني على أجود خامات القماش المستخدم في صنع الدراعة (الثوب التقليدي في موريتانيا)، مثلما أطلق اسم الرئيس الجزائري الراحل، هواري بومدين، على موضات جديدة آنذاك من ملابس النساء؛ لدوره في حرب الصحراء في السبعينيات من القرن الماضي التي دعمت خلالها موريتانيا مع الجزائر جبهة البوليساريو.

نقلا عن السراج الموريتانية