مشاهدة النسخة كاملة : قصة اللغز المحير في وفاة أسرة بكامل أفرادها في نواكشوط


صقر قريش
04-09-2010, 11:36 AM
[COLOR="Navy"][SIZE="5"][CENTER]

في حدود الساعة الثانية من ظهر أمس الخميس اجتمع أفراد أسرة في الميناء حول مائدة الطعام في المنزل،كانت الوجبة المفضلة هي من الأرز والسمك الذي أعدته العائلة بنفسها بعد أن اشترت جميع الضروريات من السوق.

حان وقت الغداء وبدأ ثلاثة من أفراد الأسرة في تناول الغداء،الابن الصغير وعمره سنتان فقط،البنت الصغرى وعمرها ست سنوات وجدتهم وعمرها 50 عاما،أما الأم فكانت خارج البيت لحضور مناسبة فرح لأحد الاقارب في وليمة زواج،بينما لم يحضر والد الاطفال بعد من العمل لكن غداءه بقي كالعادة إلى جانب في انتظار عودته.

بعد دقائق بدأت أعراض مرضية خطيرة تنتاب البنت الصغرى :رجفة شديدة وانهيار عصبي شديد وتقيؤ وأحوال غريبة،وعلى الفور هرع أحد الجيران لانتشالها إلى المستشفى ترافقها الجدة التي أكلت من نفس المائدة وهي مذعورة مما حدث لحفيدتها.

الطبيب الرئيسي في قسم الحالات المستعجلة للأطفال الدكتور الشيخ المستعين ولد بوبي قال ل"أمجاد" عندماجاءت هذه الطفلة إلينا في حدود الثالثة والنصف كانت قد فارقت الحياة نهائيا،حررت لها شهادة الوفاة ويبدو أن السبب ليس تسمما غذائيا معتادا وإنما هنالك بالتأكيد مادة سامة في الغذاء تسببت في الوفاة السريعة بهذا الشكل المحير،والذي لم نتعامل معه من قبل في حالات التسمم الغذائي.

لكن المفاجأة بالنسبة لي-يقول الدكتور المستعين-أنه فور وصول الطفلة إلى الحالات المستعجلة رفقة جدتها أخذت هذه الأخيرة في الشكوى من شدة الألم في بطنها وظهرت عليها نفس الأعراض الخطيرة التي ميزت البنت من انكماش في الأطراف وانهيار كامل في وظائف الجسم،بادرنا بسرعة لنقلها إلى قسم الكبارمن أجل معاينتها،وهنا قال الطبيب الرئيسي الذي أشرف عليها محمد سالم ولد أحمد ل"أمجاد"عندما أخذنا على الفور في الكشف على حالة هذه السيدة توفيت بعد دقائق إذ يبدو أن الوجبة الغذائية التي استعملتها ملوثة تماما بمادة أو وباء سام وخطير يخرج عن إطار التسمم الغذائي العادي.

وحول سؤال ل"أمجاد"عن ما إذا كانوا قد قاموا علميا بتشريح الجثة والوقوف على الأسباب الحقيقية للوفاة ،قال الدكتور محمد سالم إن مركز الاستطباب الوطني للأسف لا يوجد فيه مختبر علمي لهذا الغرض،لذلك لا نستطيع تحديد سبب الوفاة للنقص الحاصل في الوسائل والأجهزة الضرورية،لا نعرف المادة القاتلة في الغذاء والتي تسربت إلى الدم لأن تشريح الجثث يتطلب آليات طبية وعلمية لا توجد في المستشفى وهذه هي الحقيقة المرة رغم توفرأجهزة أخرى غالية الثمن.

بعد وفاة جدة الأطفال بأقل من ساعة جاء الدور هذه المرة على فلذة كبدهم الصغيرة طفل لم يتجازو بعد سن الفطام عمره سنتان فقط ويعاني من نفس الحالة. يقول الدكتور الشيخ المستعين أعلننا حالة الاستنفار القصوى في "الحالات المستعجلة"لأن الصبي كان لا يزال على قيد الحياة،وفورا قمت بتفريغ بطنه من الأكل الذي استعمله قبل قليل حتى لا ينتشر مفعوله في جميع انحاء الجسم ،كان قلبه الصغير لا يزال ينبض لكن بضعف شديد جدا-يقول الدكتور المستعين-احتجنا لاستعمال أدوية مستعجلة لإنقاذه مثل "بلاس ماجير"plasmajr وadrenoline ،وذلك لتقوية ضخ القلب وايضا لتوفير الاكسجين من أجل التنفس ،لكن الكارثة-يقول الدكتور المستعين-أننا لم نحصل على ذلك داخل المستشفى،كانت هذه الضروريات غير موجودة للأسف ومفقودة تماما في الصيدلية الداخلية للمستشفى،وأمام هذه الحالة المزرية للمستشفى من الداخل وأمام مشهد الطفل الصغير وهو يحتضر بين يدي وأنا بلا وسائل لابد منها لإنقاذ حياته،خرجت أجري بنفسي خارج المستشفى إلى الصيدليات القريبة كي أشتري مادة "ابلاس ماجر"،لكن وهذا ما يحز في نفسي-يضيف الدكتور-عندما عدت مسرعا إلى مريضي الصغير وجدته قد فارق الحياة هو الآخر في مشهد تراجيدي مأساوي ل"وجبة الموت" التي قضت على أفراد أسرة بكاملها،واكتفينا فقط بتحرير شهادة الوفاة لهم جميعا أمام هذا اللغز المحير والذي يحتاج إلى تحقيق.

هكذا قدم لنا الأطباء رواية "موت الخميس"التي قرأوا فصولها المؤلمة عن قرب ،لأسرة صغيرة جاءت من مقاطعة الميناء لتكون وجبة غدائهم من الأرز والسمك،آخر وجبة في حياتهم بعد أن قضوا واحدا بعد الآخر،ودون أن تفلح جهود الأطباء في إبعاد شبح الموت عنهم في المستشفى الوطني.

الاطباء الذين التقت بهم "امجاد"داخل المستشفى شكوا في طبيعة هذا الوباء الذي حصد أرواح أسرة بكاملها،لذلك قاموا باستدعاء الشرطة الجنائية والسلطات القضائية لإبلاغهم بهذه الحالة الغربية التي تحدث لاول مرة في مركز الاستطباب الوطني ،وعلى الفور حضر وكيل الجمهورية ثم وزير الداخلية محمد ولد ابيليل ووزير الصحة الشيخ ولد حرمة ولد ببانة عند الساعة الخامسة مساء من يوم أمس للوقوف على جثث الضحايا وحقائق هذا الموت الجماعي الغريب رغم المسافة القليلة بين المستشفى ومقاطعة الميناء. نائب وكيل الجمهورية الذي كلف بالتحقيق في الفاجعة السيد الخليل قال في اتصال مع"أمجاد"إنه توجه فورا إلى منزل الأسرة المذكورة في الميناء واستجوب والدة الطفلين والأب ايضا وبعض الجيران ،وحصيلة المعلومات إن نهار الخميس بالنسبة للاسرة لم يختلف عن الأيام الاخرى في طريقة إعداد وتناول الطعام غير أن السر يكمن فيما يبدو في المادة التي سممت أو لوثت بشكل وبائي طعام الاسرة،وقد أشعرنا السلطات المعنية بالموضوع فورا-يقول نائب وكيل الجمهورية-كما استمعنا إلى الأطباء المعنيين وقلنا لهم إن المسألة تتطلب تحقيقا علميا بحتا لمعرفة الحقيقة لكنهم قالوا إن هذا غير متاح لهم فنيا وحسب الأعراف الطبية في المستشفى،وهذا هو الأهم لأننا نعرف ان افراد الاسرة قد ماتوا جميعا لكن ماهي الاسباب هذا هو السؤال المطروح.

نائب وكيل الجمهورية الذي وجد بقايا طعام العائلة امر بجمعه مع أواني فيها بعض المياه التي استعملت للشراب ،وقد وضع كل هذه المعطيات أمام المستشفى الوطني بغية التحليل والوصول إلى خيط يفك لغز الخميس الاسود في الميناء.

مصدر طبي خاص –فضل عدم ذكر اسمه –قال إنه يرشح فرضية أن يكون سبب الوفاة هو الماء الذي استعملته الأسرة في الطعام ،والذي يحتمل أن يكون ملوثا بصورة وبائية جدا بعد أن تحدثت مصادر إعلامية منذ فترة عن خلل كبير في بعض أنابيب الصرف الصحي في مقاطعتي السبخة والميناء والذي يمكن أن ينجر عنه اختلاط هذه المياه الملوثة بمياه الشرب.وإذا صحت هذه الإشارات فإن وزارة المياه والصرف الصحي تتحمل مسؤولية جسيمة في هذا المجال.

لكن هذا لا يمكن أبدا أن يعفي بالخصوص القائمين على القطاع الصحي من مسؤوليتهم المباشرة ،بعد أن تحول الموت في المستشفى الوطني إلى وجبة غذائية في نهاية عطلة الأسبوع، تروح ضحيتها أسرة كاملة أمام عيون الأطباء وهم يبحثون من حولهم عن جرعة أكسجين أو مواد أخرى بسيطة فلا يجدونها في صيدلية المستشفى التي كانت خاوية في ذلك اليوم ،وهو ما جعل الأطباء يجرون بأقدامهم إلى الصيدليات الأخرى في الخارج،بعد أن عز الدواء في الداخل ،كم هو كريم وإنساني إلى أقصى درجة ذلك الطبيب الذي يدفع من جيبه الخاص ثمن الدواء لمحاولة إنقاذ طفل صغير ،ولكن كم هو مؤسف جدا في نفس الوقت أنه في وضعية ذلك المرفق الصحي الذي يعمل فيه مجرد"طبيب بعد الموت"يحرر شهادات الوفاة قبل الميلاد رغم شرفه وإخلاصه وتفانيه في العمل.

فمن المسؤول إذن بعد كل ماحدث؟

وإذا كان البعض يطالب البعض بالاعتذارله في أبسط الأمور

فمن سيعتذر" باسم رئيس الفقراء" للفقراء الذين قضوا في الميناء تزامنا مع اجتماع مجلس الوزراء،وإن اختلفت الوجبات ،ومن سيقدم لهم واجب العزاء على الأقل بعد أن انقلب بهم زورق الأحياء إلى ميناء الأموات.

"أمجاد" مركز الاستطباب الوطني