مشاهدة النسخة كاملة : ولكن من يقود الأمة لتحرير القدس؟!


أبو فاطمة
04-09-2010, 07:07 AM
ولكن من يقود الأمة لتحرير القدس؟! ولكن من يقود الأمة لتحرير القدس؟!
أ. د. سليمان صالح



"إسرائيل" سوف تزول، والقدس سوف تتحرر وتلك قضية عقيدة، والله سبحانه وتعالى سيوفر الأسباب لتحريرها عندما تؤهل الأمة الإسلامية نفسها للنصر، والمسلم يجاهد لتحرير القدس ليحصل على الشرف والرفعة في الدنيا ورضاء الله وجنته في الآخرة، أما النصر فإنه من عند الله وبيده وحده، وهو لا يتوقف على الأسباب رغم أهمية الأخذ بها. والله يختار من عباده من يمنحهم شرف الجهاد لتحرير القدس.. وهذا الاختيار هو رحمة من الله.

فالذي يجاهد لتحرير القدس يجب أن يشعر بنعمة الله عليه وفضله، وأن يشعر بعزة المسلم الذي شرفه الله في الدنيا بأن يكون مجاهداً.

والنصر قادم بلا ريب وبعزة الله وقوته، ولكن الله يبتلينا ويختبر صبرنا وصدقنا وإيماننا.

و"إسرائيل" تدرك ذلك جيداً، ولكنها تعول على أننا ما زلنا لم نؤهل أنفسنا للفوز بنصر الله. وأننا ما زلنا كغثاء السيل. و"إسرائيل" تستغل الفرصة التاريخية، فهي تعرف مدى ضعف حكامنا وخوفهم من أمريكا وحرصهم على الدنيا واستبدادهم بشعوبهم وقلة عقلهم وسفاهة أحلامهم.

أين القائد؟

و"إسرائيل" تعرف جيداً أن الأمة الإسلامية سوف تحرر القدس، ولكن عندما تتوافر لها مجموعة من الشروط أهمها القائد الذي يستحق هذا الشرف.

ولكي نعرف الشروط التي يجب أن تتوافر في هذا القائد لابد أن ندرس بعمق سيرة ثلاثة من القادة الذين حرروا القدس من قبل.

هؤلاء القادة هم عمر بن الخطاب القائد العام للأمة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح القائد الميداني، أما القائد الثالث فهو صلاح الدين الأيوبي الذي قاد معركة التحرير الثانية بعد أن استولى عليها الصليبيون لأكثر من ثمانين عاماً.

وسيرة هؤلاء القادة توفر لنا ثروة ثقافية تساعدنا على بناء المستقبل، وعلى اختيار قادتنا. فإن استطعنا أن نختار قادة تتوافر فيهم بعض صفات القادة الثلاثة، فقد بدأنا خطوتنا الأولى نحو النصر.

لذلك لابد أن ندرس لشباب الأمة سيرة هؤلاء القادة، ونشجعهم على أن يحلموا بأن يكونوا قادة مثلهم. والأمة دائماً قادرة على أن تقدم للإنسانية نوعية متميزة من القادة، وبما يتفق مع طبيعة كل عصر وتحدياته.

لكن هناك شروطاً معينة لابد أن تتوافر في قيادات تحرير القدس سواء القادة الميدانيون، أو الذي يتولى القيادة العامة. وهذه الشروط يمكن أن نتعرف عليها من خلال دراسة سيرة القادة الذين شرفهم الله بتحرير القدس من قبل ولذلك عندما نقدم دراسة علمية متعمقة لسيرتهم فإننا نساعد شبابنا على أن يؤهلوا أنفسهم للقيادة.

وبذلك يمكن أن يكون هناك الملايين من الرجال المؤهلين للقيادة وتلك هي بداية الطريق لتحرير القدس وتحرير الوطن الإسلامي كله من كل أشكال الاستعمار.

علم القيادة

وصناعة القادة أصبحت علماً، ولقد انتشرت على مستوى العالم خلال السنوات الأخيرة أكاديميات ومدارس إعداد القادة وانتشر الخبراء في العالم الذين يدعون أنهم يستطيعون أن يشكلوا قيادات المستقبل.

لكن هذا العلم يعتمد على مواصفات غربية للقادة، وفي معظم الأحيان يتم الخلط بين الإدارة والقيادة، أي أن هؤلاء الخبراء يؤهلون الشباب ليكونوا قادة في عالم البيزنس يحققون أكبر قدر من الأرباح ويتم قياس نجاحهم بشروط مادية.

وعلم صناعة القادة بصورته الحالية يمكن أن يكون مفيداً في المجتمعات الغربية المادية ذات الأهداف الدنيوية والتي يلعب الاقتصاد الدور المحوري في تشكيل تفكيرها.

إن البعد الاقتصادي المادي هو الذي يقوم عليه علم صناعة القادة وتأهيلهم بمفهومه ونظرياته الغربية، وهو يتفق مع النموذج الغربي للحياة.

وحتى بالنسبة للقادة العسكريين فإنه يتم تأهيلهم اعتماداً على أسس مادية تتعلق بالمواصفات الشكلية والقدرات الجسمانية والقدرة على التخطيط وتحقيق الانتصارات في المعارك العسكرية، أي أنها قيادة فنية تقوم على التفوق في المهارات. وهذا النوع من القيادات لا يحقق أهدافاً حضارية إنسانية، وربما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى كوارث.

ويمكن أن نبرهن على صحة هذه النتيجة بدراسة سيرة مجموعة كبيرة من القادة مثل نابليون وهتلر وستالين وبوش.

إن هؤلاء القادة يحاولون أن يحققوا إنجازات سريعة وآنية وذات بعد مادي ويمكن قياسها، لذلك فإنهم يركزون على استخدام القوة المادية بإفراط ودون ضمير فما يهمهم في النهاية هو تحقيق الإنجاز المادي الذي يمكن قياسه.

وانجازات هؤلاء القادة تظل محكومة بفترتها الزمنية وبعدها المكاني، وغير مؤثرة على المستوى الحضاري والإنساني والثقافي.

ولكن العلم الغربي الحديث لم يطرح أسئلة ذات أهمية كبيرة مثل ماذا لو لم يتمكن القائد أن يحقق الانجاز المادي المستهدف؟ بالمقاييس المادية يكون هذا القائد فاشلاً ومهزوماً، بينما يمكن أن نكتشف بعد فترة طويلة من الزمن أنه قد حقق إنجازاً حضارياً وإنسانياً أكبر بكثير من كل الإنجازات المادية.

علم قيادة إسلامي

لذلك فإن البشرية تحتاج إلى تطوير علم قيادة بشكل مستقل عن الفكر الغربي بحدوده المادية. وبمعنى محدد فإن هناك حاجة لبناء علم قيادة إسلامي.. فالإسلام يمكن أن يشكل نظريات للقادة ذات أبعاد واسعة ويشكل قادة لا يتمتعون فقط بمجموعة من المهارات والقدرات ذات البعد المادي، ولا يهدفون فقط لتحقيق إنجازات مادية يمكن قياسها.. ولكنهم يهدفون إلى تحقيق انجازات حضارية يكون لها تأثيرها على حياة الإنسانية على مدى طويل.

يضاف إلى ذلك أن دراسة الإسلام بشكل متعمق يمكن أن تفتح لنا مجالاً لتطوير نظرية وظيفة القيادة وليس فقط شروط القائد ومواصفاته وعملية تأهيله.

الإسلام يمكن أن يفتح مجالاً واسعاً لتطوير علم القيادة، لكي يتم تأهيل كل مسلم ليصبح قائداً.. ويتضح ذلك في تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، حيث أهل كل المسلمين ليكونوا قادة.

لذلك فالبرغم من أهمية القائد.. فإن المسلمين يستطيعون أن يختاروا قائداً جديداً وبشكل سريع إذا مات القائد أو استشهد ولقد كان ذلك هو أهم الدروس في غزوة مؤته.

الأمة لا تعتمد في حياتها على رجل واحد مهما كانت أهميته، فهناك الكثير الذين يمكن أن يحلوا مكانه في أي وقت ويمكن أن يحققوا إنجازات أعظم مما كان يمكن أن يحققه لو أنه قد عاش.

كما أن المسلم الذي يمتلك كل مؤهلات القيادة وشروطها لا يهمه أن يكون في موقع القيادة، فهو يستخدم كل مؤهلاته لتحقيق الإنجازات للأمة.. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من تجربة خالد بن الوليد عندما تحول في لحظة من موقع القائد الذي يطيعه الجميع ويدير المعركة إلى جندي ينفذ أوامر قائده.

خالد كان يمتلك عبقرية عسكرية تفوق كل قدرات القادة العسكريين في التاريخ. لكنه كان عبقرياً في القيادة، وعبقرياً في الجندية، كان متميزاً وهو يأمر فيطاع، وكان متميزاً وهو يسمع فيطيع.

لقد كانت معركة تحرير القدس معركة حضارية ثقافية سياسية وليست مجرد معركة عسكرية لذلك كان لابد أن يتنحى خالد بكل تميزه التاريخي كقائد عسكري ليقود المعركة أمين الأمة الفقيه العالم أبو عبيدة عامر بن الجراح.

ولو درسنا حالة كل الجنود في هذه المعركة لوجدنا أنهم جميعا كانوا يمتلكون شروط القيادة ومؤهلاتها، لكن الذي لا يكون متميزاً في جنديته لا يمكن أن يكون قائداً يحقق إنجازات حضارية.

ومن هذا الجيش الذي حرر القدس يتقدم جندي اسمه عمرو بن العاص ليقود جنوداً يتمتع كل منهم بكل شروط القيادة ومواصفاتها ليحرر مصر من الاستعمار الروماني.

ومن هذا الجيش خرج الكثير من القادة ليحرروا الإنسانية من الطواغيت.. لكن انجازهم الحضاري يظل أقوى بكثير من انجازاتهم العسكرية رغم أهميتها.

حياتنا من أجل المشروع

أهم شرط للقيادة الإسلامية هو أن القائد يفهم المشروع الحضاري الإسلامي ويستوعبه، ويعطي حياته كلها لهذا المشروع.

وهذا الشرط ظهر واضحاً في آلاف الرجال الذين رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمع المعرفة الذي بناه في دولته العظيمة في المدينة المنورة.

إننا يمكن أن نفهم كيف تحول رجال كانوا قبل الإسلام يعملون في رعي الغنم والتجارة وزراعة النخيل، وكان لا يزيد حلم أحدهم عن أن يكون شيخاً لقبيلته إلى قائد وفقيه وعالم وصاحب رسالة يعمل لتحرير الإنسانية كلها من الطغيان والضلال والفساد.

في ضوء ذلك يمكن أن نفهم لماذا ترك آلاف الرجال المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتشروا في الدنيا يعلمون الناس ويحاربون الطواغيت لتحرير البشرية، وينتصرون على الإمبراطورية الرومانية التي كانت تمتلك من الإمكانيات المادية والعسكرية ما يفوق بمقاييس ذلك الزمن كل ما تمتلكه أمريكا و"إسرائيل" اليوم من قوة عسكرية.

لقد فهم هؤلاء الرجال المشروع الحضاري الإسلامي العظيم وأهدافه فأعطوا حياتهم لهذا المشروع.

لقد كان انجازهم العظيم هو بناء حضارة إسلامية، تحقق فيها لكل إنسان حقه في الحصول على المعرفة، فبعد أن حارب هؤلاء الرجال وحرروا الأرض جلسوا يعلمون البشر كيف يحررون أنفسهم من العبودية للدنيا وللشيطان والمال والطواغيت، ليكونوا عبيداً لله وحده.

لذلك لابد أن نطور علم القيادة الإسلامي ونعلمه لملايين الشباب كمقدمة لتحرير القدس وأهم شروط القيادة استيعاب المشروع الحضاري الإسلامي وفهمه وأن يكون هو حياتنا، وأن تكون حياتنا كلها من أجله.

تحرير القدس من أهم أركان المشروع الحضاري الإسلامي، لذلك لابد أن يتم إعداد قادة التحرير بأن يفهموا هذا المشروع ويعطوا له حياتهم، وأن يكونوا أحراراً من العبودية للطواغيت ليكونوا عبيداً لله وحده.

فعبيد أمريكا لا يصلحون للقيادة مهما كانت القدرات والمؤهلات التي يتميزون بها.

والذي يقود الأمة لتحرير القدس يجب أن يكون عبداً لله وحده.

صحيفة الشرق القطرية


نقلا عن المركز الفلسطيني