مشاهدة النسخة كاملة : التداوي بالقرآن


أبو فاطمة
04-08-2010, 01:59 PM
التداوي بالقرآن

كثيرون من المسلمين لا يمترون في أن القرآن شفاء من كل داء، لقوله سبحانه( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين..) لكن عدم امترائهم في ذلك لم يحل بينهم في أوقات الكروب و إزمان الأمراض، وبين تقديم كل العلاجات عليه، فبعد الأدوية الصناعية يتم اللجوء إلى الأعشاب وربما إلى الشعوذة والسحر، أما القرن الكريم فلا يتردد البعض حين يقترح عليه التداوي به في القول بعدم جدوائيته في خصوص معاناتهم، ولم يعد الراقي هو من يقرأ على جسم المريض سورا من كتاب الله كالفاتحة والإخلاص والمعوذتين و آية الكرسي وخواتيم البقرة، وإنما الراقي هو من يخطط ويخلط ويأتي بغرائب الكلمات و عجائب الرسوم والأشكال، والأبخرة و الأدهان، مدعيا قدرة سحرية أو علاقة بالجن أو غير ذلك من الضلالات والأباطيل.

والحقيقة التي يجب أن يعقلها كل مبتلى مؤمن أن خير ما يتداوى به ويطلب العلاج عنده وفيه و به هو القرآن الكريم، فمتى صدق يقين المسلم بذلك وصح إيمانه به، وقرأه مطمئنة إليه نفسه، مضطرا إليه واثقا بتحقق الشفاء وارتفاع البلاء به، كان أسرع وأنجع من كل دواء، وفعل في محو الكرب وإحلال الفرج أعجب الفعل وأغربه.
قال الله تعالى: ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ( ..لم ينزل الله سبحانه وتعالى من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن وقد مكثت بمكة مدة تعتريني أدواء، ولا أجد طبيبا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرا عجيبا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما، فكان كثير منهم يبرأ سريعا..)، وقال في موضع آخر: ( القرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه فلا كفاه الله).
فالقرآن الكريم نافع وشاف ـ بإذن الله ـ من كل داء، وإنما الواجب عند الاستشفاء به، أخذه بقبول تام من قبل المرقي، وقراءته بنفس فعالة وهمة مؤثرة من قبل الراقي، فيقرأه مقبلا بقلبه على الله، متحللا من الظلم واستيلاء الشهوة والغفلة وغلبتهما عليه، ففي مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه)، ويروى عن أبي ذر رضي الله عنه( يكفي من الدعاء مع البر، ما يكفي الطعام من الملح)، فلا يستغرب أن يقول كثير من الناس اليوم استرقينا بالقرآن فلم نصب الشفاء، فذلك لضعف اليقين بالله سبحانه، وعدم إقبال القلوب على كتابه، واطمئنان النفوس إلى المركبات والمصنوعات أكثر من اطمئنانها إلى كلام ربها وخالقها الذي لايكشف السوء والضر إلا هو.
إنه لو أحسن الناس العلاقة مع القرآن قراءة وتدبرا وعملا وتحكيما لصلحت حياتهم واستقام معاشهم وسعدوا في معادهم، وما لم يقبلوا عليه بقلوبهم وأرواحهم، فسيبقى عيشهم ضنكا مليئا بالمنغصات والمكدرات والأوجاع العصية على الرقاة.
ومن غريب ما يقع فيه بعض الناس أنه حين يقرر اللجوء إلى الرقية الشرعية تجده يتوجه إلى الممتهنين للتكسب بالرقية، والذين لا همَ لكثير منهم إلا ما يتحصل عليه من جيوب المرضى والمبتلين، و الأدهى أن منهم من لا يحفظ شيئا من كتاب الله، فهو عند الرقية يتلعثم ويخطئ ويلحن في القراءة، و يحصل هذا من بعضهم حتى وهو واضع المصحف بين يديه، فهل يرتجى ممن تلك حاله أن يعالج سقما أو يُحل عافية ( و رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).
فالذي ينبغي على كل من ابتلي بمرض مزمن أرقه و أرهقه، أن يتوجه إلى ربه بقلب سليم ونفس لاجئة مضطرة، وأن يكثر من الدعاء ويلح فيه غاية الإلحاح، ويكثر من قراءة القرآن على موضع الداء أو في ماء ويشرب و يغتسل منه، وإذا أراد الاسترقاء من غيره أن يحرص على أهل الفضل والصلاح والاستقامة، فدعاءهم قمن بالإجابة وقرآنهم أكثر بركة وأبلغ أثرا، ثم ليستيقن هذا المسترقي بعظيم ما هو
لاق من بركة ولطف جراء استرقائه بكلام الله، و ليحمل نفسه على الاطمئنان إليه بقدر ما يحصل له عند استعمال الأدوية الصناعية أو أكثر، و الأكمل في الرقية أن تكون القراءة بحضور المريض والنفث عليه مباشرة، لا كما يفعل البعض من إرسالها بالأشرطة أو بثها بالوسائط الإعلامية.
و كما أن القرآن شفاء فهو أيضا وقاية، والوقاية خير من العلاج، فمن يداوم على قراءة الإخلاص والمعوذتين وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة يوميا، ثم على قراءة سورة الكهف كل جمعة، ثم على الإكثار بين ذلك من قراءة سورة الملك وسورة الواقعة، هذا غير الختمة المنتظمة التي يحرص على أن تكون شهرية على الأقل، فالذي يداوم ويواظب على ذلك يحرز نفسه ويقيها من المصائب و الكربات، وينيلها ـ بإذن الله ـ البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
و ليس أعظم خطرا ولا أشد ضررا من هجر القرآن، لأي شاغل مهما كان، فقد توعد الله سبحانه المعرضين عن ذكره بشديد النكال وشنيع الوبال، قال سبحانه( .. ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من اسرف ولم يومن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى).
عبد الرحمن موسى الشيخ سيديا

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء