المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حرب العطش ضد مصر! (شعبان عبد الرحمن)


رشا
06-05-2013, 06:18 PM
حرب العطش ضد مصر! (شعبان عبد الرحمن)

قبل واحد وعشرين عامًا تقريبًا، أصدرت لي مؤسسة "أمة برس" برئاسة الصديق المحترم حازم غراب، كتيبًا بهذا العنوان "حرب العطش ضد مصر".. يومها كانت القضية غير ملتفت إليها الساسة مثل التفات الباحثين والدارسين والمراقبين.
في تلك الآونة، صدر عدد لا بأس به من الدراسات تحذر من حرب قادمة للمياه في المنطقة سيكون بطلها العدو الصهيونى، وها هي نذر تبدو أكثر صخبًا، ودوي طبولها يزداد صخبًا.
في هذا الإطار، يمكنني القول إن “سد النهضة” الإثيوبي الذي صاحب الإعلان عن بدء إنشائه على نهر النيل حالة من الاستنفار في مصر؛ هو ثمرة طبيعية لمخططات رُتِّب لها بعناية، وجرى العمل على تنفيذها خلال عقود طويلة ماضية، ولن يكون هذا السد هو الأخير، بل هو نقطة البدء لسلسلة من السدود ستُقيمها إثيوبيا وغيرها من دول حوض النيل، متجاهلةً كل المعاهدات والاتفاقيات حول المياه مع مصر.. وكل تلك المشاريع ستؤثر بلا شك في حصة مصر من مياه النيل، وستؤثر إن نُفذت- لا قدر الله- في حياة الشعب المصري.. هي قضية حياة أو موت.
والتوقف في الدراسة والنقاش عند “سد إثيوبيا” فقط هو اجتزاء للقضية، وتسطيح لها. وأعتقد أنه حتى يمكن لأي متابع فهم القصة كاملة؛ فإن عليه فهم ما جرى خلال العقود الأربعة الماضية في القرن الإفريقي جوار إثيوبيا الإستراتيجي، وما جرى في السودان حتى اقتطاع جنوبه، ومن الأهم دراسة ملف حروب المياه الصهيونية على المنطقة العربية.
إن قطيعة نظام “مبارك” لإفريقيا وخروجه مختارًا من منطقة القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات العظمى، أحدث فراغًا كبيرًا ملأته الشركات الغربية، وفي القلب منها الكيان الصهيوني. وكما هو معلوم، فقد كان القرن الأفريقي عمقًا إستراتيجيًّا لمصر منذ عصور سحيقة، وكان الحضور المصري العلمي والفني والشعبي والرسمي عند منابع النيل حضورًا حيًّا ومُرحَّبًّا به من الجميع.
لكن النظام السابق انسحب تاركًا الفراغ تمامًا للغرب والصهاينة. وقد روى لي أحد المسئولين الصوماليين أن لقاءً جمعه مع أحد سفراء مصر في الصومال في عهد “مبارك”، وطلب منه إبلاغ القيادة المصرية عدم إدارة ظهرها للصومال، وتنشيط الوجود العلمي والفني والاستثماري، وقد وصل إلحاح المسئول الصومالي على السفير المصري حد البكاء من رجل يحب مصر ويدرك أهمية المنطقة إستراتيجيًّا لمصر والصومال أيضًا؛ لأن انسحاب مصر من القرن الإفريقي ستتسبب في نتائج وخيمة، خاصةً على حق مصر في مياه النيل، لكن “مبارك” أصر على الانسحاب لصالح الصهاينة والغرب، وتمت السيطرة التامة على المنطقة، خاصةً بعد تقسيم الصومال إلى خمس قطع: قطعتين تحتلهما كل من إثيوبيا وكينيا، والباقي دول مستقلة ولا وجود لمصر فيها، فبات ملعب القرن الإفريقي مؤمَّنًا لصالح الغرب والكيان الصهيوني.
ومن ناحية ثانية، من المهم أن أسوق هنا الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء يوم الثاني من يناير عام 2004م ويقول: "كشف تقرير ياباني خطير من العاصمة الأوغندية كمبالا، أن دول شرق إفريقيا التي تضم داخل حدودها بحيرة “فيكتوريا” (أكبر بحيرة للمياه العذبة في إفريقيا والمنبع الرئيس لنهر النيل) تخطط لفرض مزيد من سيطرتها على منابع النيل، والحصول على حق بيع المياه إلى مصر والسودان"، ويقول إن طلبًا بذلك قُدِّم في شكل اقتراح إلى برلمان دول شرق إفريقيا الذي يتكون من أوغندا وتنزانيا وكينيا في يونيو من عام 2003م.
وبالتزامن مع السعي إلى بيع مياه النيل لكل من مصر والسودان، يسعى برلمان دول شرق إفريقيا إلى إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل الموقعة عام 1929م التي تمنع دول حوض النيل من استخدام بحيرة فيكتوريا دون إذن من مصر.
وقد دخلت أطراف دولية عديدة، ومنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بطريق غير مباشر لدعم هذه الحكومات، وتشكيل عنصر ضغط دولي على مصر للاستجابة لتعديل اتفاقية مياه النيل، لكن هذه المساعي فشلت تمامًا. والهدف معلوم؛ هو الإمساك بـ"سيف المياه” أو “سيف الحياة”، وتسليطه على رقاب الشعب والقرار المصري!.
وهنا تجب الإشارة بقوة إلى أن الاستحواذ على مياه المنطقة (مياه النيل، دجلة والفرات، مياه الأنهار اللبنانية، مياه الأردن، مياه الآبار والمياه الجوفية في فلسطين) من أهم محاور المشروع الصهيوني قبل احتلال فلسطين. وقد تم التفكير والتخطيط ووضع تصور كامل في هذا الصدد ضمن التخطيط لاحتلال فلسطين!.
وذكرت وثيقة صهيونية علق عليها د. عبد الله الأشعل أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق والخبير بالشئون الإفريقية (مايو 2010م- إخوان أون لاين)، المطالبة بتدويل النزاع بين دول منابع النيل السبع من جهة، ودولتي المصب (مصر والسودان). لم تضف هذه الوثيقة جديدًا سوى أنها أكدت مساعي الكيان الصهيوني إلى احتلال النيل وتدمير المصالح المصرية!.
لقد أدرك القائمون على التخطيط للمشروع الصهيوني جيدًا خطورة أزمة المياه التي يمكن أن تحرق الكيان على من فيه إذا تفاقمت؛ لذلك احتل بند سرقة المياه العربية من الدول المجاورة جانبًا كبيرًا في الفكر الصهيوني، وكانت مقايضة الصهاينة الطرف العربي على مياهه حاضرة على موائد مفاوضات السلام المسمومة منذ “كامب ديفيد” عام 1978م حتى اليوم، وقد نجح في ذلك كما نرى إلى حد بعيد.
هذه القضية تنشغل بها مراكز الدراسات الدولية والخبراء على مستوى العالم منذ بدايات القرن الماضي (العشرين).. وقد ازدحمت المكتبة العربية بكم هائل من الدراسات بشأنها في الربع الأخير من القرن العشرين، ولا تزال المكتبة العربية والأجنبية تستقبل المزيد، لكن على قدر اهتمام مراكز الدراسات والخبراء بتلك الحرب وتحذيرهم عبر بيانات علمية موثقة من أن المنطقة العربية بالذات مقبلة على حالة من القحط الشديد ستكون سببًا في إشعال أخطر الحروب؛ إلا أن العالم العربي- وفي القلب منه مصر- لم يلتفت بعد إلى البدء في صياغة إستراتيجية موحدة لمواجهة ما تنتظره من أزمة كبرى- لا قدر الله- وهي الأزمة التي جعلت الأمم المتحدة تتساءل في أحد تقاريرها المنشورة عام 2002م: “من أين سيشرب 450 مليون عربي عام 2025م؟!”.

نقلا عن إخوان أون لاين