المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين التمرد والتّجرد (خيري منصور)


رشا
06-04-2013, 12:22 PM
بين التمرد والتّجرد (خيري منصور)

لكل عصر معجم مصطلحاته في ما يتعلق بالحراكات الشعبية، فمن كومونات باريس في فرنسا إلى حفلة الشاي في أمريكا، هناك مصطلحات أصبحت بمثابة مفاتيح لقراءة فترات سياسية حرجة، حتى مصطلح الربيع الذي استعاره العرب في حراكهم قبل عامين اقترن بأحداث في أوروبا عام 1840 ثم أطلق مرة أخرى على أحداث براغ عام ،1956 والبديل الرمزي لهذه التسميات هو التقاويم كأن يُحدد يوم من شهر ما ليرمز إلى حراك بعينه أو ثورة محددة كالرابع عشر من تموز لفرنسا والثالث والعشرين من يوليو بالنسبة لمصر .
لكن الحراك الشبابي وهو الأميل إلى الخروج من الأُطر الكلاسيكية بدأ ينحت مصطلحاته على طريقته .
وكانت “حركة كفاية” في مصر عام ألفين هي أول من فتح هذا الباب، لتعقبها بعد ذلك تسميات أخرى من طراز الضمير والإنقاذ إضافة إلى إبريل .
وآخر ما أنتجه الحراك في مصر تحديداً، هو شعاران أحدهما التمرد وهو يوحي بالسعي إلى إعلان العصيان بهدف إجراء انتخابات رئاسية مبكرة والآخر حمل اسم التجرد . ورغم التناغم بين إيقاعي المفردتين إلا أن إحداهما تقف مقابل الأخرى، رغم أن النظام السياسي في مصر وتحديداً حزب “الحرية والعدالة” رفض التسميتين، ولا بد أن له مصطلحاً آخر يخصه وينحته من صميم نسيجه .
وقد يبدو أن تعدد الأسماء لأي حراك شعبي دليل عافية وعنفوان، أو على الأقل يوحي بحرية الاختلاف وبالتالي بمناخ ديمقراطي مُضاد للنظم الشمولية .
لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة ليس إيجابياً، خصوصاً إذا كان من إفراز حالة من التّذرر والانشطار تُتيح لأية جماعة حتى لو كان عدد أفرادها عشرة أن تعلن طريقتها ومنهجها .
وهناك مبادرة تستحق التنويه حدثت في مصر قبل فترة قصيرة وبالتحديد بعد أحداث يناير عام ،2011 هي ائتلاف عدة أحزاب ناصرية في حزب واحد، ولو سعت أطراف سياسية أخرى إلى مثل هذا الائتلاف لأصبحت تضاريس الخريطة السياسية أكثر وضوحاً وقابلية للقراءة .
لكن العالم العربي شهد تجارب قد تكون نادرة من حيث انشقاق الحزب حتى لو كانت مظلته الأيديولوجية واحدة، فالصراع بين بغداد ودمشق لعقود عدة كان مثالاً لذلك، حيث الشعارات ذاتها والهوية المعلنة ذاتها لكن الانشقاق المتكرر حوّل العاصمتين إلى توأمين لدودين .
وإذا كانت دلالات التمرد معروفة ولا تحتاج إلى إيضاح أو تفسير، فإن دلالات “التجرد” تبقى غامضة إلى حد ما، فهل تعني الموضوعية الكاملة أم مقاومة الأهواء وبالتالي النأي عن الشخصنة؟
إن كان المقصود بها هو هذا كله فهي أشبه بخريطة طريق مُتخيلة ليوتوبيا فالسياسة لا تعرف التجرد، لأنها ليست لعبة شطرنج ذهنية على رقعة بمساحة طاولة، إنها قد تكون لعبة لكن رقعتها هي هذا الكوكب، لهذا فأي صراع محتمل بين التمرد والتجرد لا بد أن يفضي إلى مصطلح ثالث هجين وقد يكون عديم الدلالة .

نقلا عن دار الخليج