المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (محمد كمال الدين يكتب)


ابو نسيبة
05-09-2013, 08:12 AM
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (محمد كمال الدين )

أخي الحبيب..
لقد امتن الله علينا بنعم كثيرة، لا نستطيع عدها ولا حصرها (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (النحل: من الآية 18), وأمرنا باستخدامها في مرضاة الله ورسوله؛ لأن المعاصي تزيل النعم، ومن أعظم هذه النعم نعمة السمع, والله سبحانه وتعالى سائلنا عليها.. قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: 36), وهي نعمة تعد من دلالات الخيرية فيمن أوجدها الله فيه.. قال تعالى (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (الأنفال: 23).
ومن يحسن استعمال هذه النعمة فإنه يتعرض لرحمات الله، قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204), وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نضَّرَ الله وجْهَ امرئ سَمِع مقالتي فحمَلها، فرُبَّ حامل فِقْه غير فقيه، ورُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه، ثلاث لا يغلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن: إخلاص العمل لله- تعالى- ومُناصحة وُلاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين".
أما من يسيء استعمال هذه النعمة فإنه لاشك يتعرض لغضب الله وعقابه.. قال تعالى في معرض الذين كانوا يسترقون السمع من الجن (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَداً) (الجـن: من الآية 9), وقال تعالى (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) (الحجر: 18).
ولقد دأب أعداء الله- وما زالوا- يحاربون الصف المسلم بكل ما يمتلكون من حيل وخبائث وعلى رأسها نشر الشائعات واختلاق الأكاذيب والرذائل وهو ديدنهم من قديم, تولى كبر هذا الأمر زعيم المنافقين عبد الله ابن أبي ابن سلول- عليه من الله ما يستحقه- وهم بذلك يريدون هدم الصف المسلم من الداخل, ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
والناس في التعامل مع هذه الشائعات والأكاذيب صنوف وأنماط؛ فمنهم ذلك الصنف المؤمن التقي الواثق الذي يكون شعاره قول الله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) (النور:12) وقوله تعالى (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النور:16).. نسأل الله تعالى أن نكون من هذا الصنف.
وصنف آخر- عافانا الله منه- يردد ما يقوله الأعداء دون تبصر ولا روية ودون إعمال للعقل والتفكير.. قال تعالى (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15)، وإذا كان في الجماعة المسلمة الأولى والتي شهدت خير القرون أناس قال الله فيهم (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) (التوبة: من الآية47), فإنه من غير المستغرب أن يوجد هؤلاء الآن، ولكن تدبر أيها الأخ الكريم قول الحق تبارك وتعالي (وفيكم) أي ليس منكم.
وقد تطورت وسائل الإعلام وانتشرت انتشارًا لم تشهده البشرية من قبل, فالخبر يملأ الدنيا في لحظات وربما في نفس اللحظة, ويردده كثير من الناس دون إعمال للعقل والبصيرة وينسون قول الله تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: من الآية 83).
ووسائل الإعلام هذه دأبت على اختلاق الأكاذيب وكلما فرغوا من كذبة اختلقوا غيرها بدءًا من بيع قناة السويس وبيع سيناء وبيع الأهرامات والتفريط في حلايب وشلاتين، فضلاً عن الأكاذيب التي تمس أشخاصًا بذواتهم، والمتدبر للأمر يرى أن كل هذه الفضائيات تتولى نشر خبر كاذب واحد في نفس التوقيت, ويكاد ينطبق عليهم قول الله تعالى (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الذريات: 53).
وإذا غرَّ هؤلاء كثرة فضائياتهم وإعلامهم المنحرف, فإن كل أخ صادق يستطيع أن يصنع من نفسه قناة إعلامية متحركة تدحض الباطل والشبهات, وترد الأكاذيب والافتراءات، ولا نزعم أننا نملك الحق الخالص ولا الصواب المطلق, فكل يؤخذ منه ويرد إلا المعصوم عليه صلوات الله وسلامه.
أخي الحبيب.. بعد هذه التذكرة.. هيا بنا نتواصى بالنصائح التالية:
أولاً: عدم إضاعة الوقت أمام فضائيات الفلول والكاذبين والمخربين, فلن تسمع منهم خيرًا؛ لأن العصا من العصية, ولا تلد الحية إلا حية, وكما قال الشاعر: فإن الأفاعي بنات عم العقارب.. ولقد ذم الله تعالى بني إسرائيل بقوله (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة: من الآية42), فقرن سبحانه تعالى سماع الكذب بأكل السحت.
ثانيًا: الاستيثاق من المعلومة اتباعًا لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6), وكذلك رد الأمر إلى أصحاب الرأي والقرار (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ً) (النساء: من الآية 83).
ويعلمنا مولانا عز وجل هذا الأمر في سؤاله سبحانه وتعالى لسيدنا عيسى عليه السلام- وهو أعلم- تأمل قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (المائدة: من الآية 116).
ثالثًا: على أصحاب القرار المبادرة بكشف اللبس والشبهات؛ حتى لا يكون هناك ريبة في نفوس الأفراد, ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى حين قال لصاحبيه من الأنصار: "على رَسْلِكُمَا إنما هي صفية"، والقصة معروفة في السيرة المطهرة, كذلك لا بأس من ذكر وشرح دواعي وأسباب اتخاذ القرار(إذا كان ذكر هذه الأسباب لا يضر بالمصالح العليا للوطن).
رابعًا: تفعيل آليات رفع الخبر والاستيثاق منه صعودًا وهبوطًا, والتنبيه على خطورة الانتشار الأفقي والتناجي دونما استيثاق.
خامسًا: حسن الظن بالقيادة والأفراد وتحقيق ركن الثقة.
سادسًا: المبادرة بإبداء النصيحة والمشورة والرأي ثم تبنِّي الرأي الذي يتفق عليه.
سابعًا: زيادة التلاحم والترابط بين الأفراد, وإحياء روح الأخوة, والإكثار من الزاد الإيماني؛ لأن الحراك السياسي المستمر والمتزايد قد يغفل الأفراد عن هذه الأمور, وكذلك الإكثار من لقاءات المربين والأخوة القدامى وإحياء التوريث.
نسأل الله تعالى أن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا, وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

نقلا عن إخوان أون لاين