المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معاني الضحك والعجب عند اللّه ورسوله (قصي الحسين)


ابو نسيبة
05-03-2013, 10:30 AM
في ظلال الإسلام
معاني الضحك والعجب عند اللّه ورسوله (قصي الحسين)

لعل معنى الضحك الموصول بالحديث عن اللّه سبحانه وتعالى، أو الموصول بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يفيد الرحمة والرضى والبشر . وهو أيضاً استهلال من اللّه ورسوله لقبول الوسيلة، ومقدمة لإنجاح الطلب . والكرام عادة، يوصفون عند المسألة بالبِشْرِ وحسن اللقاء .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كما أخرجه الإمام البخاري في كتاب الجهاد، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حدّث فقال: “يضحك اللّه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة . يقاتل هذا في سبيل اللّه فيقتل، ثم يتوب اللّه على القاتل، فيقاتل في سبيل اللّه فيستشهد” . وهذا الحديث الشريف أخرجه النسائي في كتاب “الاجتهاد”، كما رواه الإمام مسلم في كتاب الإمارة وأخرجه ابن ماجة في “المقدمة” .
ويقول العلماء والفقهاء الأجلاء، الذين شرحوا الحديث وتأملوا فيه: إن قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: “يضحك اللّه سبحانه” إنما هو الضحك الذي لا يعتري البشر عندما يستخفهم الانبساط والفرح، أو عندما يطربون . فهذا غير جائز على اللّه عز وجل، وهو منفي عنه في الوصف والصفات . أما معناه في صفة اللّه عز وجل، فهو الإخبار عن الرضى لفعل أحدهما والقبول للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما في الجنة، مع اختلاف أحوالهما وتبيان مقاصدهما .
“ويؤثرون على أنفسهم . .”
ونظير ذلك أيضاً، ما رواه الإمام البخاري في كتاب مناقب الأنصار، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث النبي إلى نسائه، فقلن ما عندنا إلاّ الماء، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: “من يضيف هذا؟” فقال رجل من الأنصار أنا أضيفه يا رسول اللّه . فانطلق الأنصاري إلى امرأته، فقال لها: أكرمي ضيف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبيان . فقال: هيئي طعامك وأصلحي سراجك ونوّمي صبيانك، إذا أرادوا العشاء . فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته . وجعل الرجل وامرأته يريان الضيف الأنصاري (ضيف رسول اللّه) كأنهما يأكلان . فباتا طاويين . فلما أصبح غدا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: “لقد ضحك اللّه عز وجل الليلة من فعلكما” . وأنزل اللّه سبحانه وتعالى في ذلك: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة” (سورة الحشر: 9) .
وفي حديث أخرجه الترمذي في كتاب “الدعوات “عن علي بن ربيعة الأسدي، أنه قال: “شهدت علياً يهم بركوب دابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم اللّه . فلما استوى عليها قال: “سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين . وإنا إلى ربنا لمنقلبون” (الزخرف: 13 و14) . ثم قال: الحمد للّه ثلاث مرات . ثم قال: اللّه أكبر ثلاث مرات . ثم قال: سبحان اللّه ثلاث مرات . ثم قال: سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . ثم ضحك . فقلت: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت . ثم ضحك . فقلت: يا رسول اللّه من أي شيء ضحكت؟ قال: “ربك يضحك إلى عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . قال: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري” . ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: يضحك اللّه إلى عبده أي: يبين ويبدي من فضله ونعمه ما يكون جزاء لعبده الذي رضي عمله .
لفظ العجب
أما العجب وإن أسند إلى اللّه تعالى، فليس معناه من اللّه كمعناه من العباد . قال محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة يحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عجب اللّه عز وجل من قوم بأيديهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة” . وقد أخرج الإمام البخاري هذا الحديث في الصحيح . والمعنى في هذا الحديث كما يقول العلماء الأجلاء، أن اللّه سبحانه وتعالى يعجب ملائكته من كرمه ورأفته بعباده، حين حملهم على الإيمان به وهم في حالة القتل والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة .
وقد ورد لفظ العجب في سور عديدة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: “بل عجبت ويسخرون” (الصافات: 12) . وقوله تعالى أيضاً: “وعجبوا أن جاءهم منذر” (ص: 4) . وقوله بعدها في الآية (5) من السورة نفسها: “إن هذا لشيء عجاب” . وقول اللّه سبحانه: “بل عجبت” يريد بل جازيت على التعجب . والمجازاة على التعجب تأتي بمعنى الرضى . وقد يكون العجب أيضاً بمعنى وقوع ذلك العمل عند اللّه عظيماً . وإلى هذا المعنى ذهب العلماء الأجلاء في تفسيرهم للفظ عجب اللّه عز وجل . والشاهد على ذلك ما ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه أحمد في “المسند” ورواه أبو عشانة قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم “يعجب ربك للشاب ليس له صبوة” . أي يرضى عنه ويعظم شأنه ويجزيه بأفعاله .

نقلا عن دار الخليج