المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرشيد التاريخية تختفي من الخريطة! (محمد ابراهيم ولد الداه)


أبوسمية
04-22-2013, 08:43 AM
الرشيد التاريخية تختفي من الخريطة! (محمد ابراهيم ولد الداه)

منذ عدة شهور وأبناء مدينة الرشيد التاريخية بولاية تكانت يخرجون مذهولين من مركز الإحصاء البيومتري بمدينتهم وهم يقرؤون في مستخرجات إحصائهم عبارة "ولد بالواحات" بدل " ولد بالرشيد " كما كان في مستخرجاتهم الأصلية . وعندما يسألون مهندسي المركز يجيبونهم بأن عبارة " ولد في الواحات" مبرمجة مركزيا في أجهزة الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، وأنهم لا يملكون من الأمر شيئا.
ترجع جذور المشكلة إلى سنة 1988 تاريخ إنشاء البلديات الريفية ببلادنا. يومها خاطب أحد إداريي ولاية تكانت حضوره من سكان الرشيد قائلا : الرشيد ، أشاريم ، لحويطات ، تالمست ، المينان والدندان ، هذا الحيز الجغرافي معد لأن يكون البلدية الثانية من بلديات مقاطعة تجكجه. فقال أحد الحاضرين بكل طيبة نفس "هذه إذن بلدية الواحات" لأن كل واحد من هذه الأماكن هو في حقيقة الأمر واحة شهيرة. لكن الإداري المتعجل تلقف عبارة "الواحات" الواردة وصفا وسجلها دون روية اسما للبلدية مغيبا بذلك دون شعور، أو بشعور، واحدا من أعرق الأسماء بولاية تكانت وبالبلاد عموما ألا وهو اسم مدينة الرشيد !
وجاء الإحصاء الإداري الوطني الخاص بالحالة المدنية سنة 1998 فظهرت عبارة "الواحات"اسما للبلدية ولكن محل ميلاد أبناء البلدية ظل الرشيد لذلك لم يكترث الناس بالموضوع إلا قليلا . أما اليوم فإن الخطأ في التقييد البيومتري يشمل البلدية ومحل الميلاد وهو ما يعني بكل بساطة أن الأمر إذا استمر على هذه الحال فإن اسم مدينة الرشيد التاريخي سيمحى نهائيا من التداول في خريطة الأسماء الوطنية، ومن وثائق الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة . فهل سيقبل أبناء الرشيد وأبناء تكانت والوطن الموريتاني بأجمعه هذا الظلم وهذا الحيف ؟أليس اسم "الرشيد" من الأسماء التاريخية المحفوظة في الذاكرة الجمعية لسكان هذا البلد ؟ أليس "الرشيد "أحد الأسماء الوطنية الخالدة ؟
ألم يخلد التاريخُ الرشيدَ عندما تأسس سنة 1722 ونحت أبناؤه من مرتفعات "آلكوط" و"تلمدين" مدينته التاريخية القديمة التي لا تزال أطلالها شاخصة على هضباته الشرقية ،ناطقة بما كان لها من تاريخ حافل ومجد أثيل ؟ تقول الباحثة الفرنسية Désiré-Vuillemin في كتابها " مدخل إلى موريتانيا" في تكانت أسس كنته كصر البركه 1690 والرشيد 1722م).
ألم يخلد الرشيدَ أبناؤُه عندما فجروا أرضه عيونا وزرعوها نخيلا وقمحا من " إريج" جنوبا إلى "آكنان"شمالا على مسافة 30كلمترا، واستظل بظله "لكياطين" من ولايات لبراكنه ولعصابه والحوضين في ما مضي من تاريخ هذا البلد العريق الغني بالتواصل بين مناطقه وأرجائه المختلفة ..؟
يقول أحمد بن الأمين الشنقيطي صاحب الوسيط متحدثا عن مدينة الرشيد التاريخية واصفا نخلها "الرشيد مدينة لكنته وفيها واد كثير النخل جيده ما رأيت مثله نخلا . وقد عددت في جذع النخلة الواحدة ست نخلات تنبت من نواحي تلك النخلة .ونخله كثير الحمل لا يحتاج إلى السقي لقرب الماء من عروقه . قالوا سبب جودته أكثر من غيره إن الجبلين المكتنفين له يمنعان نخله من الرياح ، وآخر نخيله مما يلي تجكجه يقال له إريجي ، وفيه ماء ينبع من الأرض وحده من غير حفر ، ولكن لا يبعد سيلانه ،ولو وجد مهندس يصلحه لسقى جميع الوادي." الوسيط ص 448.
ألم تُخلد الرشيدَ بنادقُ أبنائه المقاومين عندما سددوها في نحور المستعمرين الغزاة وألحقوا بهم الهزيمة تلو الهزيمة في النيملان 25/10/1906وتجكجه 05/11/1906 والمينان 1910 وفي الرشيد ذاته في 16 أغسطس 1908 ؟ ألم يكن الرشيدُ قلعة من قلاع المقاومة الوطنية يحسب لها المستعمر ألف حساب ويجند للنزال معها أعتى قواته الضاربة يومها ؟ نترك الرائد جيليى في كتابه "الاختراق" يتحدث: "في تكانت قام رئيس كنته المسمى محمد المختار ـ الذي غدرنا في النيملان بانحيازه إلى العدو أثناء المعركة ـ بالإقامة بالرشيد مع حوالي مائة وخمسين رجلا مسلحين وحصن نفسه في القصر القديم الذي أصبح ملجأ للنهابين في المنطقة .وفي 16 من أغسطس (1908) قام المقدم شامبير قائد كتيبة موريتانيا ودائرة تكانت بالهجوم على الرشيد وذلك مع القوة التي ذكرناها آنفا والقادمة للمعاونة : الكتيبة الأولى السنغالية المحمولة بقيادة النقيب مالافوس والملازم اترانشو ، وكتيبة رماة المجرية بقيادة النقيب قامي والملازمين ماركني وسيشي وفريق رمات ب.ت.ن. ومجموعة من السباهيين. وقد صاحبهم فريق من حامية تجكجه يضم 85 من الرماة بقيادة النقيب بوتان والملازم دي افور وكان الجميع بقيادة المقدم شامبير )) جمال ولد الحامد تدمير قصر الرشيد من طرف الفرنسيين.
ألم يخلد الرشيدَ استهزاءُ قائد مقاومته البطل المجاهد محمد المختار ولد الحامد بالطاغية كبلاني عندما
ساومه في حرية وطنه بقوله :
كبلان يا غيلان
مارت عن ماه واع
داير مني راع وان
مان كاع اراص راع

ألم تخلد المحاظرُ والمكتباتُ الزاخرة وأفذاذ العلماء مدينة الرشيد عبر تاريخها الطويل المديد ؟. ألم يكن الرشيدُ عبر تاريخه الطويل مهدَ الشعراء والأدباء، وموئلهم ومهاجرهم الذي به يتشبثون ؟ألم ينشد المغفور له محمد الأمين ولد ختار الجكني رائعته التي يقول منها:
فتى يمسي ويصبح بالرشيد
يعلل بالنسيم وبالنشيد
وأكمام النخيل تريه زهوا
على جنبات ذا القصر المشيد
يحن لأهله وفضول مال
لعمر الله لم يك بالرشيد ،
في ربوع الرشيد وبين أحضان أهله ؟
أليس الرشيدُ كما وصفه شاعره الوفي محمد ولد آدبه (بل امقيل البظان... والناس الرفاع):
بل امقيل البظان أوان
الحر أتنزاه الشبان
البظان أو خوض الكحلان
والناس الرفاع الرشيد..
ألم يتغنى الشعراء والأدباء بهذا القصر المشيد وتمنوا قضاء أيام العمر بين أحضانه وأرجائه ؟ يقول أحود ولد أج بوب الكنتي البحي :
ألا ليت شعري هل أروح وأغـــــتدي
من الدهر يوما بالرشيد أسيــــر
بذي النبع فالمبروك فالدخل فالربــا
إلى المالح الميمون فيه أزور
وفي التيمررت أمشي وأقعد مــــرة
ومن تلمـدين لا أزال أحـــــور
إلى نخيلات بالشنينيفه كـــــان لـــي
بهن مقيل بالمصيف شـــــهير
ألم يناديه ويلجأ نفسيا إلى حماه شاعره الوفي محمد ولد آدبه وهو على فراش الموت من بلدة آجوير قرب انبيكه و"انخيل امحيميد" يبثه أشواقه وأشجانه ويشكوه غربته وضياعه في مقطوعة نادرة من شعر محمد ولد آدبه الفصيح ؟:
ألا حي الرشيد وقل مذيعا
مقالا ليس من قول المجون
وأقرئه مسامع كل نـــــــاد
واسمعه الحمام على الغصون
باني هاهنا ملقى غريــــــب
قريح الجفن متصل الشجون !
بأرض لا أنيس بها مواس
يؤنس وحشة القلب الحزين!
ألم تكن أيامُ الرشيد ـ الأعيادُ حاضرة في بال الشيخ سيديا عندما خاطب تلميذه الرشيدي المغترب في طلب العلم بمنطقة الكبله المامي ولد امحمد لعمر الكنتي الأزرقي بهذا الشعر :؟
أتذكر يا مـــامي أيــــــام جـذاذ
وأطباق (تنوازيد) يـــــوم رذاذ
وبطحاء بالرشيد تزهو عشية
وما كان من لهو وشـــرب لذاذ
ولم يكن التلميذ المغترب عيا في جوابه، ولا أقل شاعرية من أستاذه حين أجاب قائلا :
تذكر أوطاني وشرب لذاذي
وماء فراة في بطون وجاذ
نســــيت لها حبا لشيخي إنـــــــه
لدى الخطب والهول العظيم ملاذي
أليس الرشيد مهبط الفن ومهد الموسيقى ومنبت أعلامها الوطنيين الكبار ؟ ألم يخرج لنا سدات ولد آب ، والشيخ ولد آب وسدوم ولد آب وفقيدة الفن الموريتاني المرحومة ديم منت آبه ؟ أليس الرشيد كما وصفه شاعره الوفي محمد ولد آدبه:
وابلد زاد أرفود أزوان
مرفود أمطروح أبلا قيد
رفاد مصطاد أفرحان
والكسحه كاع اعليه ابعيد
كان الرشيد كل هذا وأكثر، مدينة تاريخية عريقة، وقلعة مقاومة وطنية شامخة،ومنارة علمية ومنطلق فتوحات، وكان واحة شعر وفن وتراث شعبي أصيل. فهل نقبل أن يمحى هذا الاسم الخالد (الرشيد) ونُبدَل به عبارة (الواحات)؟
لقد دفع سكان الرشيد غاليا ثمن مقاومتهم للاستعمار الفرنسي ووقوفهم في وجهه، فلم يكونوا يوما من زمرة مقربيه،ولا محل ثقته، ووصفهم في تقاريره بما ليس من شيمهم ولا سجاياهم... وعندما خطط المستعمر لأول مرة لبناء طريق معبدة تربط بين آدرار وتكانت حرص على أن لا يمر مسار هذه الطريق بالرشيد ولا بأي من قراه المجاورة التي شاركت في المقاومة ، فاختط مسار هذه الطريق على بعد 16 كلم غربي الرشيد .
وحافظت الحكومات التي خلفها الاستعمار على نفس المسار الظالم ولم تفكر أبدا في إعادة تصحيحه ليمر بالرشيد وقراه.
وجاءت حكومات الاستبداد والفساد التي جثمت على صدر شعبنا طيلة عشرين سنة فتمسكت بنفس المسار الخاطئ ولكن عن وعي ،وحاولت تبريره فاختلقت 15 قرية وهمية وزعمت أن الطريق تمر بها ضاربة عرض الحائط بمصالح القرى الخمس عشرة الحقيقية القائمة بين تجكجه وآدرار وهي الرشيد والقرى المجاورة له. في هذا الإطار المعتم تم التهاون بمصالح المواطنين وبقيمهم وأخلاقهم وموروثهم الحضاري وطال التهاون مدينة الرشيد حتى نال من اسمها التاريخي الخالد وحاول طمسه وتغييره .
أما اليوم و الشعب الموريتاني يستعيد حريته وكرامته وحقوقه المسلوبة تحت القيادة النيرة لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز فإن طريق آدرارـ تكانت تشق مدينة الرشيد التاريخية من نصفيها، وتمر عبر قراها الست عشرة بدء بلحويطات جنوبا وانتهاء بآكنان في أقصى الشمال وما بعدها.
لقد تم تصحيح مسار طريق تكانت ـ آدرار فمر بكل قرى بلدية الرشيد ، ولم يبق غير تصحيح اسم المدينة التاريخية العريق وهو الرشيد ،والبلدية الرابضة على الطرف القصي الشمالي لولاية تكانت على تخوم آدرار وهي الرشيد . وحان ل"بلدية الواحات" أن تزول من الخريطة الوطنية اسما علما، وأن تعود مجرد وصف ل"بلدية الرشيد" الجميلة ذات الاسم العربي الفصيح .
ومن هذا المنبر الذي ننادي منه بإعادة الاسم الصحيح لمدينة الرشيد فإننا نطالب أيضا بتسجيل هذه المدينة التاريخية العريقة التي يناهز عمرها ثلاثة قرون ،290 سنة ،في قائمة التراث الوطني ومن ثم تسجيلها كشقيقاتها وادان وشنقيط وتشيت وولاته في قائمة التراث العالمي للإنسانية .

نقلا عن الأخبار