مشاهدة النسخة كاملة : التعديل الوزاري الأخيرإضعاف للدبلوماسية الموريتانية


ابن تيارت
04-05-2010, 04:23 PM
التعديل الوزاري الأخير: إضعاف للدبلوماسية الموريتانية ؟(تحليل)

أثار إنشاءُ كتابةِ دولةٍ منتدبةٍ لدى الوزير الأول مكلفةٍ بالشؤون الإفريقية، وإلغاءُ الوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول المكلفة بشؤون اتحاد المغرب العربي جملةُ من التساؤلات في الأوساط المهتمة بمتابعة بوصلة التوجهات الدبلوماسية لموريتانيا الجديدة.

وتراوحت هذه التساؤلات بين البحث عن مبرر منطقي لتخصيص قطاع حكومي منفرد للشؤون الإفريقية، وعن فصل هذا القطاع عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، التي اقْـتُـطِـعَ منها " الذراع المغاربي" ذات يوم لحاجة في نفس يعقوب، وبُـتـِرَتْ منها " يدُ التعاون" التي تحركها – في واقع الأمر- وزارة الشؤون الإقتصادية والتنمية.

لقد جعل التعديل الحكومي الأخير موريتانيا حالة نشازا في محيطيها المغاربي والإفريقي،و ربما على الصعيد العالمي، من حيث إفرادُ وزارةٍ للشؤون الإفريقية، ومن حيث إلحاق هذه الوزارة بمصالح الوزارة الأولى.

ففي محيطنا المغاربي :

في الجزائر : وزير منتدب لدى وزير الخارجية، مكلف بالشؤون المغاربية والإفريقية، هو السيد عبد القادر مساهل، وهو مجاز في الإعلام، التحق بوزارة الخارجية سنة 1971 رئيسا لقسم " حركات التحرير"، ومنذ ذلك التاريخ وهو يصول ويجول في دهاليز السياسة والدبلوماسية حتى اليوم،

في تونس، كاتب دولة لدى وزير الشؤون الخارجية، مكلف بالشؤون المغاربية والعربية والإفريقية، هو السيد عبد الحفيظ الهرقام، وقد بدأ حياته المهنية ، قبل قرابة 40 سنة ، صحفيا في وكالة تونس إفريقيا للأنباء، وتولى وظائف استشارية في رئاسة الجمهورية ووزارات الإعلام و الداخلية والخارجية .

وفي المغرب، الشؤون الإفريقية مديرية ضمن المديرية العامة للتعاون الثنائي. وينفرد المغرب بوجود كاتبين للدولة لدى وزير الشؤون الخارجية هما :

لطيفة أخرباش، دكتورة في علوم الإعلام، تخرجت على يدها أجيال من الإعلاميين في المعهد العالي للصحافة، والمعهد العالي للإعلام والإتصال وفي الإذاعة المغربية، محمد مزين، دكتور في علم الإجتماع واللسانيات، وأستاذ لعلوم الإتصال والتسيير.

في ليبيا: لا أذكر قائدا عربيا ولا إفريقيا أكثر اهتماما بإفريقيا من الزعيم الليبي الحالم بإقامة (الولايات المتحدة الإفريقية)، ومع ذلك، فالشؤون الإفريقية مجرد إدارة في اللجنة الشعبية العامة للإتصال الخارجي والتعاون الدولي ( وزارة الخارجية) ، حتى وإن كان أمين الشؤون الإفريقية ، هو السيد علي عبد السلام التريكي: دكتور في التاريخ السياسي، وزير خارجية أسبق، ودبلوماسي متمرس، و رئيس الدورة الأخيرة (64) للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويظهر من السـِّـيَر الذاتية المقتضبة لهؤلاء المسؤولين المغاربيين أنهم مؤهلون لقيادة قطاعات وزارية منفصلة عن وزارات الخارجية في بلدانهم ، لكن منطق الدبلوماسية العقلانية يفرض عملهم تحت إمرة وزراء الخارجية.

وفي محيطنا الإفريقي: في كل من ( مالي، السنغال، غامبيا، غينيا بيساوو، جزر الرأس الأخضر، بوركينافاسو، الكوت ديفوار...) ليست الشؤون الإفريقية إلا من اختصاص إدارات في وزارات الخارجية، بينما تنفرد الغابون بوجود وزيرين منتدبين لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والفرانكفونية.

و الدول الإفريقية الكبيرة، التي تحمل ألوية الدفاع عن القارة في كل المحافل الدولية،لم تفرد وزارات ولا كتابات دولة للشؤون الإفريقية ( أذكر منها مثالا لا حصرا : جنوب إفريقيا، نيجيريا، مصر ، أنغولا...)

أما فرنسا، فقد بدأت تراجع تدريجيا سياستها الإفريقية، وتحاول أن تعطي بعدا جديدا يحول مصطلح التبعية Françafriqueإلى Afriaque-france، في خطوة قد تتجاوز التراتبية السيميائية إلى نوع جديد من الشراكة يُقنع أبناء القارة الإفريقية بانتهاء عهود الوصاية والإختلاس المنظم، والتستر على الدكتاتوريين من قادة القارة ( قضية ELF، قضية ANGOLAGATE ...).

ومع ذلك، ليست الشؤون الإفريقية إلا إدارة من بين إدارات وزارة الخارجية الفرنسية.

و في خانة الدول الثماني الكبار، تكفي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ،اكتفت بمساعد لوزيرة الشؤون الخارجية مكلف بالشؤون الإفريقية، بينما لم تزد الصين واليابان على مساعد أو نائب لوزير الشؤون الخارجية في كل منهما، مكلف بملف التعاون مع إفريقيا، علما بأن هاتين الدولتين من أكثر دول العالم اهتماما بالتعاون مع القارة السمراء، و تشهد على ذلك منتديات التعاون ووكالات التنمية المخصصة للقارة في كلا البلدين.

بالنسبة لإلغاء الوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول المكلفة بشؤون اتحاد المغرب العربي:

تقول المادة التاسعة من المعاهدة المنشئة لاتحاد المغرب العربي،والموقعة من طرف الدول الخمس الأعضاء في الإتحاد، يوم 17 فبراير 1989 في مدينة مراكش:

" تعين كل دولة عضوا في مجلس وزرائها أو لجنتها الشعبية العامّة يختص بشؤون الاتحاد، تتكون منهم لجنة لمتابعة قضايا الاتحاد ، تقدم نتائج أعمالها إلى مجلس وزراء الخارجية" .

ويظهر من هذه المادة أن إلغاء الوزارة المنتدبة ليس إلا إمعانا في خرق معاهدة وقعتها موريتانيا دون إكراه أو ضغوط.

لقد بدأ هذا الخرق بإخراج الوزير المعني بشؤون اتحاد المغرب العربي من دائرة الدبلوماسية الموريتانية، وانتهى بإلغاء هذه الوزارة، وسط الحديث عن إمكانية ضم مصالحها إلى أختها الوليدة: وزارة الشؤون الإفريقية.

ليس الغرض من كل ما سلف التقليل من قيمة الإهتمام بالشؤون الإفريقية،لكن توجهات تقليص النفقات وتعزيز التضامن الحكومي تملي مراجعة هذه الخطوة، وتقوية قطاع الدبلوماسية الموريتانية، ليس فقط بإعادة الشؤون الإفريقية والمغاربية إلى وصايته، فهذا أمر طبيعي، لكن بتفعيل البعد الإقتصادي لرسالته.

وإن كان لا بد من استحداث قطاع جديد، في هذا الصدد، فليكن " كتابة للدولة لدى وزارة الشؤون الخارجية مكلفة بالعلاقات مع الدول الصاعدة